صباح فخري صوت وحدة الوجود، فانتزع اعتراف الوجود …………

الكاتب السوري عبدالرزاق عيد

د.عبد الرزاق عيد
كانت بعض الشعوب القديمة تعبد الثعبان لأنه يلامس بكل جسده الأرض بوصفه رمزا عرفانيا لأسرارها ، فكان أول ضحايا رمزيته العرفانية أبانا آدم عندما أغوته بالأكل من شجرة الخلد، وكان صباح فخري هو الرمز العرفاني للولوج في جسد الوطن سوريا وخلايا مدينته حلب فظل يرطن بلهجتها رغم معرفته الأكاديمية العلمية بل الوجدانية باللغة العربية الأصل والتغلغل في أسرار أصواتها وتلفظها بلغة فصحى آسرة ……
لقد خرج السوريون يبادلون صباح فخري حبا بحب وعشقا بعشق ، وهو التعبير الصادق الثاني لهم بهذا الزخم والحب بعد رحيل شاعر سوريا الكبير نزار قباني، فكلاهما عرفا سوري وأسرارها الوطنية والشعبية بكامل أجسادهم وأرواحهم حتى درجة الاتحاد التي تتولد من صدر وحدة الوجود العرفانية الصوفية ،حيث تتوحد الأنا الدنيا بالأنا العليا شوقا إلى السمو والارتقاء لمعانقة السماء ليحلق في فضاء إشراق وحدة الوجود حيث يتابع صباح فخري مسيرة السهروردي وإشراقاته والنسيمي الذي سلخت جلدة رأسه، وعلقت جثته على باب الشونة مقابل قلعة حلب التي احتضنت صباح فخري فحمته من السكاكين الأسدية تحت شعار(الأسد أونحرق البلد)…. وظل صباح أمينا لأساتذته العرفاء في حلب … عمر البطش وعلي درويش وغيرهم من المتصوفة
السالكين الذين يشكلون فضاءه الاجتماعي والثقافي…..
….فيقول لسائلته الموهوبة في البرنامج المشار له في خاتمة مقالنا هذا كما سترون ، أنه يتمنى على الأجيال القادمة من الفنانين أن يرتفعوا بمستوى أدائهم الروحي والوجداني، ويفسر ذلك بتجربته بأنه عندما يغني يشعر وكأنه يغني بالفضاء المطل على الكون والبشر والحيوانات ةوالنباتات، إنه يغني وكأنه يختلي بنفسه مع الوجود، وذلك ردا على سؤال السيدة المديرة للحفل بأنه ما أن يبدأ الغناء حتى يذهب بعيدا محلقا ….


هكذا نفهم بكاء صباح فخري لوديع الصافي الذي كان في جنازته منذ سنوات ….فالكبار هم الذين يعرفون بعضهم وقيمتهم بسبب التراسل الوجداني بين المتراسلين داخليا بين الأبدال من المبدعين ، فوديع الصافي عرف لبنان بكل جسمه كما عرف صباح فخري سوريا، ولذا تفرد الإثنان بهذا البوح الداخلي السماوي حتى عندما يكون رعديا ، ولهذا يكونان صوتا منفردا لوحدة الوجود فيمنحانه ايقاعا خالدا بخلود العالم …
ولهذا لم يستطع حافظ أسد تحمل أن يترشح صباح لمجلس الشعب في التسعينات ، لأنه كان يعرف عبر نظامه من حثالات المخابرات والشبيحة أن ترشح صباح سيفضح مجلس الدمي الذي يسمونه برلمانا ،لأن صباح سيكون الوحيد المنتخب فعلا من الشعب وليس بقرارات مخابراتية تشبيحية …
حيث الشعب السوري قال لبيت الأسد اليوم بخروجه في هذه الجنازة أننا نحتفي بمن يستحق التقدير والاحترام والحب من قبل شعبه …أما القتلة من الأب الفاطس إلى الابن بشار الغاطس في مستنقعات الدم التي أجراها على أرض سوريا فإنها لا ولن تنسى أبناءها حتى ولو شكل الروس كل يوم لجنة دستورية ولجان أرخص من سابقاتها ….

About عبد الرزاق عيد

كاتب ومفكر وباحث سوري، وعضو مؤسس في لجان إحياء المجتمع المدني وإعلان دمشق. رئيس المجلس الوطني لاعلان دمشق في المهجر.
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.