شهوة الكرسي

شهوة الكرسي

حواس محمود
الكرسي ، كرسي الحكم السياسي ، كرسي الوظيفة ، كرسي المؤسسة السياسية ( الحزب ) او كرسي المؤسسة الاقتصادية ( الشركة ) او كرسي المؤسسة الثقافية … الخ انه شيئ مغر تماما ، يسال لعاب من لم يجلس عليه بعد ، ويلتصق به من أتيح له ان يحظى بهذا المنصب والوجاهة ، فإن كان رئيسا للدولة فسيكون كل أمور الدولة والمجتمع بيده ( قائد الدولة والمجتمع ) ، يتاح له ولأبنائه واحفاده ان يأخذوا من ميزانية الدولة تماما كما الطفل الذي يستطيع ان يأخذ من جيب والده الثري متى ما شاء وحيثما أراد ، إذ لا حسيب ولا رقيب ، هكذا يتم نهب الشعب عبر كرسي السلطة ، وان قام بعض “المشاغبين ” بالتحدث او الكتابة أو لجأوا لبعض الحركات الاحتجاجية ، فباعتبار ان الرئيس هو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة ، والمسؤول عن المخابرات والأمن فإنه يطلق يده القمعية للفتك بهؤلاء المشاغبين ، ويزجهم بغياهب السجون الى ان يتم نسيانهم دون محاكمة ولا عدالة القضاء ولا من يحزنون ، انه العشق الابدي للكرسي ، وهو يستعد ان يدمر البلد على رؤوس ساكنيه ويأتي بالأجنبي ليتدخل لمساندته ( كما حصل في سورية اذ تم ادخال ايران وميليشياتها لقتل الشعب السوري وكذلك سمح لروسيا بقتل الشعب السوري واحتلال سوريا ) ، وكل ذلك لكي لا يترك الكرسي ، رغم اتهامه للمعارضات بأنها تسعى لإدخال الأجنبي للبلد وان هذا خيانة عظمى ، انه سحر الشرق الذي يلتذ ويلتصق به الحاكم بأمر الله ، ولا يتنازل عنه الا بالموت الطبيعي ( حاظ الاسد ) او القتل ( شاوشيسكو – صدام – القذافي – علي عبد الله صالح ) ، ولا يكتف بهذا فقط انما يمهد الحكم لتوريث أبنائه من بعده ، ويفسح لأقاربه باستلام المفاصل الأساسية لسلطته ، ويجمع حوله حاشية مريدة مطيعة انتهازية ، وأيضا يشتري الكتاب والصحفيين وأصحاب القلم والفنانين وحتى الرياضيين لأن الرئيس هو الرياضي الأول ، ومن الطريف ذكره هنا ان احدهم الف كتابا عن احد الرؤساء الطغاة في العالم العربي ، ونال عليه درجة الدكتوراة على فكر السيد الرئيس في الزراعة ، وعندما تغير الحكم تم الغاء هذه الدكتوراة الخرافية التي لا أساس لها من المنطق والعلم ، وهذا العشق الذي يفوق عشق مجنون لليلى ، لا يتوقف على شخص السيد الرئيس كما ذكرنا انفا ، وانما ينسحب على كل رؤساء الدوائر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ـ فتغدو ثقافة الكرسي وثقافة الرئاسة والإدارة مرضا ينتقل من الأعلى الى الأسفل عبر عملية تغلغل مبثوث بشكل انسيابي غريب ، وهي تأخذ مشروعيتها من الأسفل حيث البنية الاجتماعية الهشة التي لم تتماسك بفعل الاستبداد المزمن فيحدث الجدل السلبي بين القيادة والقاعدة ان جاز االتعبير يكون نتيجتها انتشار مرض الكرسي في الأعلى وفي الأسفل ، أي ربما في خلية حزبية صغيرة يستمرئ الشخص الذي يرأس هذه الخلية كرسي الرئاسة ولا يتخلى عنها لغيره ، انها أضحت ثقافة شعبية سلبية جدا ، ورغم ان هناك مناهضة لها في أوساط معينة ، لكن نظرا لرسوخها عبر مئات السنين فإنه من الصعب حاليا ان تزول أو حتى ان تخف ، ولعل تفسير فشل الثورات العربية يعود في أحد أسبابه الى هذه الثقافة ، رغم وجود عوامل موضوعية وذاتية كثيرة ، لكن ثقافة الكرسي لها الدور الأهم والاساس في استمرار بعض الحكام العرب على كرسي الرئاسة رغم عوامل دولية وإقليمية أخرى متداخلة ساهمت في ابقاء الرئيس الحاكم بأمر الله الى ان يموت او يقتل .


شهوة الكرسي شهوة قاتلة مدمرة للمجتمعات والشعوب والدول والحضارات ، هي سيكولوجيا الالتصاق بالكرسي الذي يعطي المجد – المزيف – والجاه والثروة- بفعل الفساد والإفساد ، وافتعال الازمات وإدارة القمع والتنكيل والسجون والحروب ، انها لدى صاحبها شهوة تماثل شهوة الجنس – وتزيد عليها مئات الدرجات – وباعتبار هي شهوة تماثل شهوة الجنس فهو لا يتخلى عنها لأنها قيمة لا ينفع معها الحكم الأخلاقي بحسب الرئيس ولذا فهو لا يتوانى ان يقتل ويدمر ويرتكب المجازر والإبادات الجماعية بحق الشعوب ، هذا كله لا يهم طالما هو يمارس شهوة تماثل الشرب والأكل وشم النسيم ، انها شهوة للجنون اقرب ، وللعبث والطيش ادنى ، ولم يكن مخطئا من اطلق على هذه الظاهرة / المرض : جنون العظمة
حواس محمود / كاتب وباحث مقيم بالنرويج

About حواس محمود

حواس محمود سيرة ذاتية كاتب وباحث سوري من سوريا ، مقيم بالنرويج حصل على بكالوريوس هندسة مدنية جامعة حلب 1986 له ستة كتب مطبوعة . موضوعات سجالية .. أفكار حول المشهد الثقافي الراهن دار الينابيع دمشق 2002 التكنولوجيا والعولمة الثقافية دار الحكمة دمشق 2003 المائدة الأدبية مطبعة اليازجي دمشق 2005 المشهد الثقافي الكردي والسبيل لبناء فكر قومي كردي معاصر دهوك – جامعة دهوك - مركزالدراسات الكردية وحفظ الوثائق 2010 العالم العربي .. قضايا معاصرة - صدر حديثا دار الزمان 2020 مائة كتاب في كتاب دار اوراق للنشر والتوزيع القاهرة 2021 نشر في العديد من الصحف والمجلات العربية والمحلية ( أكثر من سبعين ) منها مجلات محكمة ، والعديد من المواقع والمنتديات الالكترونية ، نال جائزة افضل مقالة في اكثر من موقع . يحمل درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية جامعة حلب 1986
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.