شهرزاد الحمصية في الذكرى الخامسة لرحيلها

كتبت الاديبة جمانة طه Jumana Taha

في حمص التي تتوسط قلب الوطن السوري وُلدتْ، وفي أجوائها البهيجة من خضرة ومياه نشأتْ، وفي بيئتها العلمية المثقفة عايشت ْكوكبة من أعلام الشعر والسرد. درستْ اللغة الإنكليزية في جامعة دمشق، وأتمتْ دبلوم الدراسات العليا في الجامعة الأميركية ببيروت، ودرَّستْ اللغة الإنكليزية والترجمة والشعر الفيكتوري في جامعة البعث منذ العام 1982 تاريخ تأسيس الجامعة وحتى العام 1995. إنها الراحلة الشاعرة الجميلة الشفيفة الراقية صديقتي دعد طويل قنواتي (1944-2013)، التي غابت عن دنيانا في مثل هذه الأيام المباركة.
رحيل دعد شكّل لي صدمة لم أشف منها حتى اليوم، برغم مرور خمس سنوات عليه. فقد تنقلتُ في هذه السنوات بين بلدان وقارات، وما زالت حاضرة بوفائها وصفاء روحها في قلبي وفكري.
كم أشعر بالغباء من تجاهلي مفاجآت الزمن القاهرة، ظنًا أن العمر لن يخذلنا وسيمتد بنا لنلتقي مرات ومرات ونحكي عن الحياة والثقافة وأهلها. لكن الأحداث الكارثية التي حصلت في الوطن وله، باعدت بين مكانينا وما عاد واحدنا يعرف عن الآخر.
وإن كنت أنسى فلن أنسى تلك الدعوة الكريمة من الكنيسة الإنجيلية في حمص التي جاءتني من خلال دعد، لتقديم محاضرة عن وضعية المرأة العربية في الأديان، وما لقيت محاضرتي وأنا من حفاوة من الحضور ومن رجال الدين الإنجيليين والأرثوذكس.
ما يؤلم أن غياب دعد جاء وقت كان العالم يستعد فيه للاحتفال بعيد الميلاد المجيد، فصار الحزن عليها مضاعفًا من الأهل والأصحاب، ولاسيما أنها ابنة الكنيسة الإنجيلية وشيخة فيها.
في مناجاة للسيد المسيح، تقول دعد:
صوتُكَ لا يغيب عني
خافتٌ هو


إنما نافذٌ ويربطُ أعماقي
كالخيوط التي تشدُّ دُمى المسرح
العقدة محكمة الشد
إنما أتساءلُ
ودون جرأة
مَنْ مِنَّا رمى الصنارةَ نحو الآخر؟
**
أكادُ أجزمُ أحيانًا أنه أنت
فبينما أكون غارقةً في ضباب العالم
ينثالُ صوتُكَ من ثغرةٍ فيه
ويشهقني إليكَ
وأحيانًا أخرى
كخليةٍ حيةٍ أجدُني
تستطيلُ من جهة ما نحوكَ
وتكاد تنخطف كلها إليكَ
لولا المساميرُ التي
تشدّ بقيتَها للأرض
**
إنما المسامير التي تشدني يا سيدي
هي ذاتها التي تحركُ شوقي
فهنا الحزنْ
وفيكَ أجد القوة
وهنا الحب والفرح
وهما جناحاي إليك.
رأت دعد في الشعر إطلالة على العالم من أعلى الشرفات وأوسع المساحات، ومع ذلك كانت متأنية في إصداراتها. تصوغ مشاعرها بأثيرية روحية وطفولة وفرح، وتحرص أن تكون قصائدها كاملة التبلور ببداية لها ونهاية غير غافلة عن الموسيقا كحامل للحالة الوجدانية.
في قراءتنا لشعر دعد نلحظ تآلفًا عميقًا بين حديث القلب وحديث الروح، ونرى فيه أماكن وشخصيات تاريخية وأسطورية، كشهرزاد والخيام وزنوبيا وأطلس وعمورية وسواها، تضع من خلالها رؤيتها لقضايا معاصرة.
في ديوان “حكايات شهرزاد الحمصية”، كتبت عن أول لقاء لها مع الخيام:
“يا حسرتا إن حان حيني ولم يتح، لفكري/ كل لغز القضاء/ من شدّ إليكَ خطاي؟/ من أحكم ربط زمانينا؟/ من قيّدنا بالحزن الضاري حتى صار أساك أساي وسقانا/ الغبطة/ صرت كأني في الزمن الفرحان لا حزن لي.
أما لقاؤها الثالث معه، فكان في ديوانها “حصاد الأسئلة”، فخاطبته قائلة:
يا أمير السؤال
هل تذكرتني
في الطريق إلى شاطئ الأسئلة
جئت ُألقاك بعد السنين الطويلة من إتكائي عليكْ
بعد عشرين عامْ
كنتَ تحملُ جَنْي الزمان الثقيل على كتفيكْ
قلتُ: آتي وأبسطُ أسئلتي وحصادَ حياتي بين يديكْ
كنتَ تحملُ مصباحَ روحك أو ربما شمعة واثقهْ
ثم تركتَهَا فوق حافة نافذة أَرِقَهْ
قرب أوراقي الوامقهْ
فإذا ما اكتفيت من الغوص في لجُتي الشائقهْ
راح طيرُ عيونك يسرحُ فوق التلال وخلف الظلامْ
ودون أن تراني تُرقرق في الروح خمَرَ الكلامْ
**
بعد عشرين عامْ
بعد عشرين عامًا من اللوبان على شَذرةٍ من خبرْ
جئتُ أسألُكَ اليوم والهة ذاهلهْ
عبرَ تيهٍ أحاولُ لملمةَ الأحرفِ التائههْ
في إطار الصورْ
أرقبُ الكلمةَ الفاصلهْ
هلْ أجبتَ السؤالْ؟
**
لم تُجبني
كلُّ سؤلٍ عاد من دون جوابْ
والسؤالُ ارتدّ ملتفًا بألفٍ منْ رموز
مات تسآلي على شطّ ردودٍ من سرابْ
والثقافاتِ مغازي
أنتَ مثلي الآن، لا نورٌ ولا مفتاحُ كنزٍ
مُستهامانِ معًا، لهفى ولهفانْ على ضفّات لُغْز

عن هذا الديوان قالت الأستاذة د. لبانة مشوح في تقديمها له:” كان الشعر عند دعد، جملة شافية وفرح منضد في قوالب من صور، معتبرة صوت الشاعر تاج الضمائر وشعره وليد الألم وبلسمه، وسلاح دفاع ضد الوجع” بتصرف
لقد أخلصت دعد لشعرها إخلاصها لحياتها ووطنها وانتمائها القومي، فجاء صوتها صافيًا مثل وجهها صادقًا مثل قلبها.
رحم الله دعد وأجزل لها الرضوان، وحفظ ذريتها من بعدها خير خلف لها ولوالدهم المرحوم جبران “غابي” قنواتي.

أعمالها
*حزمة ضوء/ شعر
*حكايات شهرزاد الحمصية/ شعر
*حصاد الأسئلة/ شعر
* مزامير حب متوسطي/ شعر مترجم
* مقدمة النقد الأدبي/ مترجمة عن الإنكليزية للناقد رتشارد داتون

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.