شكراً لفتاة الفستان

د. توفيق حميد

أثارت قضية فتاة الفستان جدلاً كبيراً في مصر وعبر شبكات التواصل الاجتماعي. فقد كشفت الطالبة المصرية “حبيبة طارق” التي تدرس بالفرقة الثانية بكلية آداب جامعة طنطا، أنها تعرضت للتنمر من مراقبي الامتحانات نهاية العام الدراسي بسبب ارتدائها فستاناً بدلا من “البنطلون”.

وقالت حبيبة في تصريحات لوسائل إعلام محلية “دخلت إلى اللجنة وبعد تأديتي للامتحان، خرجت لاستلام بطاقتي فوجدت مراقبة، سألتني (انتى نسيتي تلبسي بنطلونك ولا إيه؟)”، مشيرة إلى أن المراقبين تمادوا في السخرية منها.

وأضافت حبيبة طارق: “لم يكن فى رأسي أن هذا الكلام كله يخصني، أو أن كل هؤلاء ينظرون إلى بسبب فستاني، ولكن إحدى المراقبتين قالت لي.. إنتى نسيتى تلبسى بنطلونك ولا إيه؟!، وظلتا تتحدثان مع بعضهما البعض عني وأنا لم أر أي سبب للحديث عني بهذا الشكل، والمراقبتان واحدة كانت ترتدي النقاب والأخرى ترتدي الخمار، ووجهت إحداهما حديثها إلى الأخرى قائلة: دي مسلمة وقلعت الحجاب وقررت تبقى مش محترمة وقليلة الأدب وزمان كانت محجبة ومحترمة.. وأنا لم يكن فى مخيلتي فكرة عن هذا الهجوم ضدي.”

وأحب أن أشكر هذه الفتاة الشجاعة ومن دعمها لأن قضيتها في حقيقة الأمر أثارت وأظهرت أمورا في غاية الأهمية تحدث في العالم الإسلامي وفي مصر.

والأمر الأول هو كيف حول المتطرفون الإسلام من عبادة مخلصة لله إلى وسيلة للتدخل في حريات الآخرين. فقد أعطى المتطرفون وفقه التطرف الحق للمتشددين الدينيين أن يفرضوا فكرهم على الآخرين بعد أن يحكموا عليهم بأنهم ضالين بالرغم من وضوح القرآن أنه ليس من حق أحد أن يحاسب الآخرين أو أن يحكم عليهم (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ- سورة الأحقاف آية 9).

ومن الواضح هنا أن المتطرفين والمتطرفات يضربون عرض الحائط بآيات صريحة في القرآن تمنع إكراه الناس في الدين (لَآ إِكْرَاهَ فِي اٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ اٱلرُّشْدُ مِنَ اٱلْغي- سورة البقرة آية 256).

فعند هؤلاء حديث “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ” هو أهم – بل وينسخ الآية المذكورة أي “يلغي حكمها” كما جاء في فقههم.

أما الأمر الثاني فقد أوضحت قضية فتاة الفستان الدور الرائع للإنترنت في مقاومة التطرف. ففي لحظات كانت المشكلة منتشرة في جميع شبكات التواصل الاجتماعي مما أعطى الفرصة لم يدعمون “فتاة الفستان” أن يلقوا بظلال رأيهم – بل أقول بنور فكرهم – على الحدث مما أشعر الإسلاميين أن من يرفضونهم ويرفض أسلوبهم كثيرون.

والرائع في الأمر أن تعرض حبيبة للتنمر بسبب أنها لا ترتدي “الحجاب” أثار عند البعض ذكريات مصر الجميلة في الماضي حينما كانت أناقة المرأة وشياكتها جزءا من واقع مصر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي قبل ظهور ظاهرة الحجاب كجزء من الصحوة “الإخوانية” أو”السلفية” أو كما يحلو للبعض أن يسميها “الصحوة الإسلامية” فظهرت صور حبيبة بفستانها الجميل والراقي في صور مصنوعة على “فوتوشوب” بجانب سيدات مصر في عصورها الذهبية قبل ظهور صحوة التطرف والتعصب في أواخر السبعينيات من القرن الماضي.

أما الأمر الثالث في هذا السياق فقد أثارت قضية الفستان موضوع “الحجاب” مرة أخرى وكيف تم تحجيب مئات الملايين من النساء في العالم الإسلامي كجزء رئيسى من مخطط منظمة الإخوان المسلمون بالرغم من أن حديث الحجاب المشهور باسم حديث “الوجه والكفين” حديث مرسل رواه خالد بن دريك عن عائشة بالرغم أنه لم يرها مطلقاَ لأنه ولد بعد وفاتها.

ولذا فإن الحديث يعتبر ضعيفاً تبعاً لعلم الحديث نفسه! وأظهرت قضية “حبيبة” كيف تحول الحكم على الآخرين من حكم على طباعهم ومدة رحمتهم بالآخرين ودرجة إنسانيتهم إلى تقييم للإنسان فقط بما يلبس.

وفي نهاية الأمر فإن قضية فتاة الفستان لم ولن تقف عند الفستان بل تعدتها لتظهر خللاً عميقاً في الفكر عند المتطرفين وانشقاق في المجتمع لابد أن يتم علاجه بعدة وسائل مثل التعليم وتطوير المفاهيم الدينية وتغير طرق التفكير المتسببة في التطرف.

وأخراً وليس آخرا … شكراً لـ”فتاة الفستان” حبيبة طارق فقد أثارت بشجاعتها عدة أمور هامة تحتاج المجتمعات العربية بشدة إلى مناقشاتها في وقتنا الحالي!

وللحديث بقية

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.