“شرف البنت زي عود الكبريت” وخرافات أخرى!

ماهر جبره

تظاهرة ضد الاغتصاب والتحرش الجنسي في القاهرة
“شرف البنت زي عود الكبريت ما يولعش غير مرة واحدة” هي إحدى أشهر الجمل التي قالها عملاق التمثيل الشهير يوسف وهبي والتي شكّلت مع عبارات أخرى مثل “لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى، حتى يُراق على جوانبه الدم” وعيينا عن فكرة شرف المرأة عندما كنا أطفالا. حين كنا نشاهد هذه الأفلام ونتبنى الرسائل الضمنية التي تحويها في إطار درامي أو كوميدي لطيف ومُحبب.

هذه الأفكار شكّلت وتشكّل قيم كثيرين في مجتمعاتنا العربية؛ وهي التي ـ في ظني ـ ساهمت في نجاح شاب صغير في أن يستغل ويذل ويعتدي على، بل، ويغتصب عشرات البنات. مستغلا مفاهيم مثل شرف البنت وفضحها، لابتزازهن وإخراسهن.

هذا المناخ وهذه القيم وفرت البيئة الخصبة لمعتدي وهاتك أعراض حتى يستمر لسنوات دون أدنى درجة من الخوف من أن ينكشف أمره. فقد قام أحمد بسام زكي بكل هذا معولا على أن الفتيات والنساء لن يتكلمن خوفا من الفضيحة، على الرغم من أنهن ضحايا يستحققن المساندة وليس اللوم.

كل هذه الأفكار المغلوطة والخرافات تساهم بشكل أو بآخر في ابقاء المرأة في خانة المُذنبة طوال الوقت، وبالتالي تسهّل الاعتداء عليها

ولمن لا يعلم، فأحمد بسام زكي هو طالب جامعي، متهم الآن باغتصاب وهتك عرض والتحرش بعشرات الفتيات. وقد بدأ الأمر في التكشف، من خلال حساب على انستغرام وثّق شهادات الضحايا الكثر اللاتي صمتن لسنوات طويلة، بعد أن شجعهن ذلك على الكلام.

وعلى الرغم من أنني متفائل بتفاعل الناس مع القضية والقبض على المُتهم وبداية التحقيق الرسمي، فضلا عن شجاعة الضحايا اللاتي قررن فضحه أخيرا، إلا أنني مدرك أنه لو لم نراجع مفاهيم عديدة في ثقافتنا كمجتمع، فلن تكون هذه الحادثة هي الأخيرة بل ستتكرر كثيرا. فنحن لدينا مفاهيم مغلوطة عديدة في هذا الشأن، أذكر ثلاثة منها في هذا المقال.

الأول والأهم هو “شرف البنت”. فنحن نربي بناتنا على أن شرفهن هو في عذريتهن أو غشاء بكارتهن. وأن أي فقد للعذرية خارج إطار الزواج، حتى لو في حالة الاغتصاب هو خسارة للشرف. وهو ما يضع الفتاة دائما في موقف المُذنبة، حتى وإن كانت ضحية. فهي التي سمحت للرجل بالاقتراب منها، أو هي التي ذهبت بنفسها إلى بيته أو المكان التي حدثت فيه الجريمة، أو هي التي استفزته بملابسها المثيرة والفاتنة، فهي دائما المسؤولة والمُلامة.

وصراحة وبدون أي تجميل، فقد بلغ الأمر حدا لا يصلح معه التلميح والتجميل، فطالما ربينا بناتنا وأولادنا على هذا المفاهيم، فلن تتوقف هذه الاعتداءات. فبناتنا ونساءنا يعشن رهائن لفكرة الشرف والسمعة، التي من الممكن أن يدمرها أي شيء بسيط، تنهار معه مكانتهن ومستقبلهن الاجتماعي.

المفهوم الثالث الخاطئ الأكثر شيوعا هو أن “لبس البنت هو السبب في التحرش بها”

فقد كان الجاني يهدد ضحاياه بفضحهن أمام أهاليهن أو أصدقائهن لو تحدثن عن الأمر، ونجح بذكاء شرير في أن يستغل هذه الحالة من الابتزاز المستمر التي نمارسها كمجتمع على بناتنا. مما جعل البنات تخضعن مذلولات ومكسورات، تفاديا للفضيحة الاجتماعية والتي في نظرهن ربما تكون أكثر إيذاءً من الاعتداء نفسه!

أما المفهوم الثاني الذي يستحق مراجعتنا كمجتمع هو “ثقافة لوم الضحية”. وهي حيلة نفسية يقوم بها كثير من الناس، فمثلا لو مارس أب العنف على أحد أبنائه، فربما يفسر إخوته هذا العنف بأنه نتاج لاستفزاز الأب. أو لو ضرب رجل زوجته فربما تقول لها والدتها: “انت اللي عصبتيه”.

وعادة ما يلجأ الناس لهذه الحيلة عندما يكون الجاني فوق المحاسبة، سواء كان هذا الجاني زوجا أو أبا، رئيسا أو مديرا لا نستطيع محاسبته. فنقوم، دون وعي، بتوزيع اللوم بينه وبين الضحية، وتدريجيا نحمّل الضحية الذنب، حتى نتهرب من مسؤولية تغيير الوضع الذي قد يكون أحيانا فوق قدرتنا على مواجهته.

وحيث أننا نربي الأولاد في بلادنا على أن حرياتهم شبه مطلقة في التعامل مع الإناث، في حين نربي البنات على أن أبسط فعل حر يمارسونه يدينهن. فهنا يصبح الرجل فوق المحاسبة، ويصبح الأسهل لوم البنات طوال الوقت. فالبنت مخطئة لو تأخرت في الرجوع للمنزل ليلا، ولو ضحكت بصوت عالي، ولو تعاملت بحرية مع زملائها الشباب في العمل أو الدراسة، ولو ارتدت ملابس تظهر قليلا من أنوثتها وجمالها، فهي دائما المُخطئة!

العجيب أن هذه الطريقة في التفكير تصوّر الرجل وكأنه فاقد السيطرة بالكامل على غريزته، وبالتالي فهي الملومة طوال الوقت لأنها استفزته. وهو ما يعتبر في حد ذاته، إهانة ضمنية للرجل.

نحن نربي بناتنا على أن شرفهن هو في عذريتهن أو غشاء بكارتهن. وأن أي فقد للعذرية خارج إطار الزواج، حتى لو في حالة الاغتصاب هو خسارة للشرف

وهذا ما يأخذنا للمفهوم الثالث الخاطئ الأكثر شيوعا ألا وهو “لبس البنت هو السبب في التحرش بها”. والحقيقة لا أستطيع للأسف أن أحصي عدد المرات التي سمعت فيها هذا المفهوم، من رجال دين وشخصيات عامة لها وزنها.

وعلى الرغم من أن الأزهر ودار الإفتاء أصدرا بيانات تدين فعل التحرش وتعتبره إثما شرعيا وترفض تبريره وربطه بأي شكل من الأشكال بفكرة ملابس المرأة، إلا أننا نجد أشخاصا مثل الشيخ عبد الله رشدي، يصرون على أن زي المرأة هو أحد أسباب التحرش، في محاولة بائسة لإدانة الضحايا، بل وللمزايدة حتى على إسلام وتدين الأزهر ودار الإفتاء.

الملفت أن هؤلاء الذين يقولون ليلا نهارا إن لبس المرأة هو السبب، لا يجيبوننا عن أسئلة بسيطة مثل، لماذا تزيد نسب التحرش في بلد مثل مصر أو أفغانستان، علما بأن معظم النساء محجبات أو منقبات، عن دول مثل السويد أو كندا، حيث ترتدى النساء ملابس متحررة؟ أو لماذا لم يكن التحرش موجودا بهذه الكثافة في مصر في الخمسينيات أو الستينيات عندما كانت النساء في معظمهن، بما فيهن أمهاتنا وجداتنا، غير محجبات ويرتدين ملابس أكثر تحررا من الآن؟

كل هذه الأفكار المغلوطة والخرافات تساهم بشكل أو بآخر في ابقاء المرأة في خانة المُذنبة طوال الوقت، وبالتالي تسهّل الاعتداء عليها، وتصعّب من محاسبة من يرتكبون هذا الاعتداء. وصراحةً لو كنا جادين في منع تكرار كارثة أحمد بسام زكي، فعلينا أن نراجع هذه المفاهيم، وإلا ستظل آلاف الضحايا، تتألم في صمت خوفا من المجتمع الذي يبدو أكثر قسوة عليهن ممن هتك أعراضهن!

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.