“سيفونة، دوتا، مطمطشيت”… بعض مصطلحات وخفايا مجتمع المثليين في #سوريا

آرام ميداني\ رصيف 22

يزداد الحضور العلني لمجتمع “الميم” في سوريا بشكل لافت، لكن هذا الظهور سبقته سنوات كثيرة من النشاط في الخفاء.

أحاول هنا أن أسرد كل ما أعرفه عن ذلك النشاط، اعتماداً على مشاهداتي الشخصية، ومحادثات ولقاءات مع بعض المثليين الأوائل الذين كان لهم الدور الكبير في تنظيم هذا “المجتمع”، بالإضافة لقصص ومشاهدات جدتي عن بعض الشخصيات المثلية المشهورة في المجتمع الدمشقي.

عائلات فنية
“أديش صرلك بالجو؟”، هذا السؤال هو بمثابة اللازمة في كل أحاديث التعارف بين المثليين السوريين، سواء في الواقع أو في العالم الافتراضي.

“الجو” في سوريا هو المرادف لـ”الكومينتي المصري” ويشير ببساطة إلى المجتمع المثلي. ابتدع المثليون السوريون هذا المصطلح في ستينيات القرن الماضي، نسبة إلى الجو الفني الذي تأثروا به بشكل كبير، وكوّنوا، إن جاز التعبير، “مجتمعهم الموازي” الذي عبّروا من خلاله عن هويتهم وآمالهم واهتماماتهم، واضعين مجموعة من القواعد الصارمة الحاكمة لهذا المجتمع.

أولى هذه القواعد تقسيم “الجو” إلى مجموعة من العائلات الفنية، وفي هذا الصدد، فقد كان المثليون السوريون سباقين في فكرة العائلات المثلية ولم يكن هذا الأمر مجرد تقليد “لعائلات الدراغ كوين” الغربية كما يتصور البعض.

ظهرت أولى العائلات الفنية في دمشق بداية عام 1970 على يد شاب يدعى أمين ولقب عائلته باسم “رزق”، نسبة إلى الممثلة المصرية أمينة رزق، وكانت أول ممثلة عربية تلعب دور عاهرة في فيلم “البؤساء”، وقد ضمت هذه العائلة أشهر مثليي دمشق “زوزو” الذي سنتحدث عنه لاحقاً.

“مثلهم مثلكم”… المثليون العرب يبوحون بالحب فيلقون الموت والإقصاء

مثليات مسلمات: ميولنا الجنسية لا تتعارض مع التزامنا الديني

“الحبّ انتصر!”… شاب سوري مثليّ الجنس يُعلن تصالح والديه معه

شخصية “زوزو” – المصدر صفحة المصور السوري عمر البحرة

وتأثراً بالفنانة السورية إغراء بعد ظهورها عارية في فيلم الفهد عام 1972، ظهرت عائلة “إغراء” في حلب، وتنافست مع عائلة “رزق” على زعامة تنظيم النشاطات المثلية، من حفلات وعروض أزياء ومسابقات للرقص، وغيرها من النشاطات التي كانت تتم بسرية مطلقة.

وإضافة لرزق وإغراء، نجد الكثير من العائلات الأخرى، على سبيل المثال لا الحصر: كاريوكا، رستم، فاضل، فؤاد، والتي تظهر مدى تأثر المثليين بالوسط الفني. وحديثاً تغيرت أسماء العائلات لتحمل دلالات أكثر فكاهة، مثل عائلات طناجر، ملاقط، بيركس، لانتيز (تحريفاً عن كلمة Lenses كون جميع أفراد العائلات يضعون العدسات اللاصقة)، سيليكون، مشايخ، عشتار، فياض “الأسد”، وهو اسم ابتدعه شاب ينتمي لعائلة الأسد، ويستخدم الاسم كنوع من التفاخر بين المثليين للدلالة على أنه ذو سلطة.

قواعد صارمة
ارتبطت هذه العائلات بعلاقات قائمة على ميثاق شرف، ينصّ على عدم استقبال أي فرد طُرد من عائلة أخرى، إضافة إلى تعهّد العائلات بتحييد المنافسة حيال أي مشكلة تعترض أي فرد من “الجو”، والعمل معاً لحل هذه المشكلة.

هنا لابد من الإشارة إلى حادثة شهيرة في “الجو”، ففي عام 1976 احتاج أحد المثليين لإجراء عمل جراحي مكلف خارج سوريا، فتداعت العائلات لتنظيم حفل يعود ريعه لهذا الشاب، وجاءت العائلات من مختلف المناطق لحضور الحفل التي أقيم في مقهى بوسط دمشق، تحت ذريعة عيد ميلاد.

وكان الشرط الأساسي لدخول “الجو” هو تغيير الشاب لاسمه واكتساب أحد الأسماء الفنية، واتبع بعض المثليين طريقة تأنيث الأسماء، فمثلاً فادي يصبح فادية، ورامي يصبح راميا.

ابتدع المثليون السوريون مصطلح “الجو” في ستينيات القرن الماضي، نسبة إلى الجو الفني الذي تأثروا به بشكل كبير، وكوّنوا، إن جاز التعبير، “مجتمعهم الموازي” الذي عبّروا من خلاله عن هويتهم وآمالهم واهتماماتهم، واضعين مجموعة من القواعد الصارمة الحاكمة لهذا المجتمع

وكان للمثليين مصطلحات خاصة لا أحد يعرف معناها سوى من هم داخل “الجو”، ومن ثم طوروا ما اصطلح على تسميته “لغة المطمطشيت”، وهي قائمة على أساس وضع سوابق ولواحق لكل كلمة بالعربية، ويشترط أن يجري الحديث بشكل سريع جداً، وهذا يتطلب تدريباً كبيراً لإتقان هذه “اللغة”، وبهذه الطريقة لا يستطيع أي أحد من خارج “الجو” معرفة وفهم ما يتحدث به المثليون في الطرقات أو المقاهي.

واتبع المثليون طرقاً معينة للتعارف فيما بينهم قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وأوسع هذه الطرق انتشاراً “الطر أو التمشاية”، مع وضع قطعة قماش بلون أحمر على اليد، وذلك في شوارع ومناطق معينة معروفة بين أوساط المثليين، وتشمل العديد من الحدائق ودور السينما والشوارع والمقاهي وحمامات السوق، ولا داعي لذكر أسمائها حفاظاً على أمان من يرتادها اليوم.

ومن الطرق الأخرى المجلات والصحف التي تحتوي على أعمدة هواة التعارف، فقد امتلك المثليون كلمات مفتاحية لمعرفة بعضهم البعض كانوا يدوّنونها في حقل الهوايات.

مقاهٍ وصالونات وعلاقات جنسية
لعب المثليون العراقيون والفلسطينيون دوراً كبيراً في تطور الحركة المثلية السورية، فقد احتكر المثليون الفلسطينيون في مخيم اليرموك، جنوب دمشق، صالونات الحلاقة وخياطة الألبسة لحفلات الرقص وعروض الأزياء، في حين ساهم المثليون العراقيون في تطوير وسائل تواصل المثليين، سواء من خلال تأسيس أول مقهى بشكل سري للمثليين بمدينة جرمانا عام 2008، وهو صالة بغداديا للبلياردو، ولكن سرعان ما أُغلق بسبب مشاكل القمار والحشيش، كما ساعدوا على انتشار فكرة التعارف من خلال المواقع الإلكترونية المخصصة للمثليين، والتي كان السوريون بعيدين عنها إلى حد ما.

لعب المثليون العراقيون والفلسطينيون دوراً كبيراً في تطور الحركة المثلية السورية.

وشكلت الدعارة حيزاً من المجتمع المثلي وهذه حقيقة لا يمكن التغاضي عنها أو حتى إنكارها، ولكنها لا تعني بأي حال اختزال المجتمع المثلي بالدعارة، فقد اضطر بعضهم للعمل في الدعارة كوسيلة سريعة لكسب الرزق، وكان زبائنهم من مختلف المناطق السورية، وفي بعض الأحيان كانت شكلاً من أشكال السياحة الجنسية للوافدين العرب والأجانب.

وعمل بعض المثليين على تنظيم برامج سياحية للأجانب ودعوتهم لزيارة سوريا “كوجهة سياحية مثلية”، وهذا سبب وجود عدد لا بأس به من الأجانب في الحفلات التي كانت تنظم في دمشق وريفها، وفي أشهر حمام بقلب سوق شعبي وسط دمشق، كما اعتمدت شركة “Bertho”، وهي شركة تخصصت بالقيام بجولات سياحية خاصة بالمثليين، حلب ودمشق كإحدى الوجهات السياحية الرئيسية قبل عام 2011.

وقد اتبعت العائلات الفنية قاعدة أساسية في التعاطي مع أبنائها العاملين بمجال الدعارة، وهي طرد أي شاب في حال دفعه أي مبلغ مقابل علاقة جنسية، وأطلق عليه تسمية “سيفونة”، وهي تسمية مسيئة ومشينة بحقه وتجعله كما يقال في الجو “علكة بتم الفنانات”، وهو دليل على أن هذا الشاب قد “انقطع سوقه” ولا أحد يرغب به.

أما المبالغ المادية التي قد يأخذها ابن عائلة ما مقابل علاقاته الجنسية فيطلق عليها “دوتا”، وهي كلمة يهودية دمشقية تعني المهر الذي تدفعه الفتاة اليهودية للشاب للزواج بها، وكان للمبالغ المادية التي يقبضها المثليون تسميات مختلفة، فمثلاً المئة ليرة تسمى “بريخيه” وهي كلمة سريانية تعني المباركين، والألف ليرة تسمى “بريزيه”، ولا أعلم أصل هذه الكلمة.

كما لعب المثليون اليهود دوراً في “الجو”، فقد أسس المثلي اليهودي ساريت أول بيت للدعارة المثلية، وأطلق عليه تسمية “بيت الدوتا”، وشرع ساريت باستخدام الأمثال الشعبية لتشجيع الدعارة، مثلاً “صنعة بالدبر أمان من الفقر”، أو “حط بكفي وندار خلفي”.

تقييد وملاحقة ومحاكمات
تعرض المجتمع المثلي، كما المجتمع السوري عموماً، إلى تقييد كبير في الحركة وتنظيم الحفلات وغيرها من الأنشطة خلال أحداث الثمانينيات، وما رافقها من التدقيق الأمني في هوية الأشخاص والاعتقال التعسفي لشبهة الانتماء لتنظيم الإخوان المسلمين، وفي هذا الصدد اعتقل مؤسس أول العائلات الفنية “أمين”، ولم يعرف أي خبر عنه منذ ذلك الوقت.

ولم يسجل في تاريخ سوريا حملات أمنية كبيرة ضد النشاط المثلي غير العلني، باستثناء حادثة عام 2009 في محافظة حمص، حينما اقتحمت إحدى الحفلات بمزرعة بمنطقة الأوراس، واعتقل تسعة مثليين وصُوّروا بمقاطع ساخرة مع تعنيف لفظي وجسدي، رغم وجود عدد من المراهقين المعتقلين، وفيما بعد أُفرج عنهم بموجب تعهد من قبل عائلاتهم.

وتنصّ المادة 520 من قانون العقوبات السوري على أن “كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى ثلاث سنوات”، وللأسف لا يوجد توثيق لعدد حالات محاكمة المثليين بموجب هذه المادة التي لا تشير بوضوح إلى ما هو المقصود بعبارة “بخلاف الطبيعة”، ورغم عدم وجود نص دستوري أو قانوني يدل على أن المثلية الجنسية عمل منافٍ للطبيعة.

كان للمثليين مصطلحات خاصة لا أحد يعرف معناها سوى من هم داخل “الجو”، ومن ثم طوروا ما اصطلح على تسميته “لغة المطمطشيت”، وهي قائمة على أساس وضع سوابق ولواحق لكل كلمة بالعربية، ويشترط أن يجري الحديث بشكل سريع جداً

وقد أطلق بعض المثليين السوريين عام 2009 موقعاً على شبكة الإنترنت تحت عنوان “أنا مثلي مثلك”، نشروا من خلاله بياناً يطالب بحقوق كاملة وإلغاء المادة 520 التي تعاقب على ميول جنسية لم يختاروها، ودعوا في بيانهم المجتمع لكي يتقبلهم ويبادلهم الاحترام، كما وحّدوا صور الغلاف الخاصة بهم على موقع تعارف خاص للمثليين يدعى Manjam.

وفي عام 2013، أطلقت مجموعة من أصحاب وصاحبات التوجه الجنسي المثلي أول مجلة إلكترونية سورية تعنى بشؤون الميول الجنسية تحت اسم “موالح”، لكن بعد نشر 14 عدداً توقفت تماماً. كما نظّم محمد حسينو، مؤسس المجلة، مع بعض الأشخاص مسابقة لاختيار أحد الشباب المثليين السوريين للمشاركة في مسابقة ملك جمال المثليين في العالم عام 2016، وصُوّر عمل الاختيار بفيلم وثائقي يجسّد طريقة حياة المثليين السوريين في إسطنبول، والصعوبات التي واجهت محاولتهم للمشاركة في المسابقة، وتحديداً الحصول على التأشيرة بسبب جنسيتهم.

شخصيات مثلية معروفة
استخدم بعض الدمشقيين مصطلحات “فرفور وغندور” للدلالة على المثليين، وكما يقال شعبياً على سبيل المزاح: “إذا حدا شامي قلك يا غندور أو يا فرفور، فهاد والله أعلم حاطط عينه عليك”.

وعرفت دمشق منذ السبعينيات والثمانينيات ظهور عدة شخصيات مثلية للعلن وكانت محط جدل ونقاش دائمين، ولم يسبق أن سجلت حالات اعتداء من قبل الناس ضد المثليين، باستثناء بعض حالات التحرش اللفظي.

استخدم بعض الدمشقيين مصطلحات “فرفور وغندور” للدلالة على المثليين.

من أشهر هذه الشخصيات شاب يدعى “مدام فؤاد” كان يسكن بمنطقة باب توما، وكان معروفاً بأوساط المجتمع الدمشقي، وكانت تعتمد عليه بعض العائلات بتنظيف البيوت بالإضافة لعمله “بلانة” لإزالة الشعر للفتيات، وفي نفس الحي كان هناك حمام سوق شهير سرت أخبار وجود فتاة مثلية “بلانة” فيه، وهذا ما دفع بعض الرجال لمنع زوجاتهم من ارتياد الحمام.

وفي عام 2008 ظهر في “الجو” شاب لقب نفسه باسم “خوخة” وامتهن “التجريصة”، أي القيام بفضح أحدهم مقابل مبالغ مادية، حيث عملت معه مجموعة من الأفراد من خلال الرقص والغناء بالقرب من منزل الشخص المستهدف واتهامه “بالمثلية”.

وعند الحديث عن المثليين بدمشق، لا يغيب عن البال أكثرهم شهرة “زوزو”، الذي نسجت العديد من الروايات حول حياته وموته، واشتهر بلسانه السليط وتلطيشاته الجنسية لأصحاب المحال التجارية والشباب في الطرقات، بالإضافة لجملته الشهيرة “يي على عيونك”، علاوة على لباسه المميز المكون من القميص “الستريتش” بلا أكمام والفولار الأحمر والبنطال الضيق، إضافة لحقيبته النسائية على كتفه، وعقد في رقبته يصوره أمام أحد أبواب القدس، وعقد آخر يصور مجامعة جنسية أهداه إياه ابن أحد المسؤولين السوريين وهو وزير دفاع سابق، كما تقول رواية بعض من عاصر زوزو في الستينيات والسبعينيات.

شخصية زوزو – صفحة المصور السوري عمر البحرة

وعمل زوزو كمساعد في تنظيف المنازل، وكان مختصاً بتنظيف الزجاج والثريات بالعرق الذي كان مدمناً على شربه، واستطاع الدخول إلى منازل العديد من المسؤولين السوريين، وصادق العديد من النساء، فأصبح ضيفاً أساسياً في أغلب “الصبحيات” التي تجمع سيدات المنازل التي كان يعمل في تنظيفها، لأنه كان بمثابة إذاعة للإشاعات وأخبار الزواج والطلاق والمشاكل التي تحدث في البيوت.

وسرت الكثير من الشائعات حول كونه جاسوساً، وغيرها من الروايات التي واكبت اختفاءه في بداية الثمانينيات، ولكن الرواية الأقرب للحقيقة هي أنه وجد ميتاً نتيجة مشاكلة صحيحة بسبب إدمانه لشرب الكحول.

ويعتبر البعض أن شخصية زوزو جسدها نوعاً ما الفنان حسام تحسين بيك بمسرحية “كاسك يا وطن”، كما أصبح زوزو مضرب مثل لدى أهل دمشق لحثّ الشاب على الوقوف “برجولة” إذ يقال: “حاجة تترقوص متل زوزو”.

هذا جزء يسير من خفايا مجتمع قائم على المرح والحب والألفة. قال لي صديقي الذي كان له الفضل الكبير في مساعدتي على جمع وتدوين كل هذه المعلومات: “وُلدنا في ظل هويات ومشاعر وميول وثقافات مختلفة لا نملك أدلة كافية على انتمائنا لها، ولكن غياب هذه الأدلة لم يجعلنا نكره ذواتنا بل على العكس تقبلنا هذا الاختلاف وأحببناه بعيداً عن كل تعصّب وتطرف”.

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.