سيدة تشعل حريقا – قصة قصيرة‎

سيدة تشعل حريقا
دخلت سيدة مسرعة إلى المطبخ، ترتدى قميص نوم أزرق بالكاد يغطى أعلى فخذيها.. اخرجت طبق لحم من الثلاجة.. غسلتها بماء فاتر، ثم ألقتها فى حلة وأشعلت عليها البوتاجاز، مدت يدها لسبت البصل وانتقت بصلة كبيرة، نزعت عنها القشرة وغسلتها، ثم قطعتها حلقات وعرت حلة اللحمة، مررت بداخلها المعلقة مقلبة إياها، ثم القت بالبصلة عليها وغطتها من جديد..
رفع الأستاذ سيد يده عن الورقة، ترك القلم، خلع نظارته، ثم ترك جسمه يتحرك كيفما شاء.. أغلق عيناه لثوانى ثم فتحهما وعاد للورق..
أعطت للبوتاجاز ظهرها وبدأت فى تنظيف الخضار وتجهيزه وهى تدندن مع صوت نجاة الصغيرة يأتى عبر نافذة المطبخ وحيدة منسية من يومى منسية.. استدارت إلى حلة اللحمة، رفعت عنها الغطاء، أدارت بها المعلقة، ثم غطتها من جديد بعد إضافة الفلفل الأسود والقليل من المياه إليها وعادت للخضار والغناء.
طفل سيدة ربط على ساقها وأشار لها فى إتجاه الصالة.. سيدة المتعجلة لم تهتم، لكن الإلحاح الطفولى أجبرها على ترك ما فى يدها والذهاب فى أثره..
توقف الأستاذ سيد عن الكتابة وأمسك الورقة ليراجع الجزء الأخير من قصته، وشعر بأن شيئا ما فى هذا الجزء يدعو للقلق.. أشعل سيجارة وسحب نفسا عميقا منها وترك للدخان الزمن الكافى كى يصل إلى أبعد جزء من رئته قبل أن يطرده خارجها.
فى الصالة، كانت القطة الفزعة تقف فى المنتصف مهددة من يقترب.. سيدة أصابها الفزع.. “من ترك الباب مفتوحا لتدخل؟!!”.. سيدة أسرعت للمطبخ وأحضرت المقشة، فتحت باب الشقة واستعدت للمعركة القادمة.
أمام هذا الجزء المشتعل من القصة، ترك الأستاذ سيد الورقة والقلم وذهب إلى المطبخ ليعد فنجان قهوة فى محاولة منه لتجديد نشاطه وإعادة ترتيب أفكاره.. تذكر أن سيدة تركت الحلة على النار وأنه ربما يكون هذا ما سبّب له القلق وجعله يتوقف، فإنتهى بسرعة من إعداد فنجان القهوة وخرج مسرعا لعله يستطيع تنبيه سيدة إلى حلتها المشتعلة تحتها النار.
حين عاد الأستاذ سيد إلى الورق كانت صالة سيدة قد تحولت إلى ساحة معركة حقيقية.. فالقطة هربت واختبأت تحت الكنبة، رفعت سيدة بياضة الكنبة وانحنت للبحث عنها
(حين انحنت سيدة اكتشف الأستاذ سيد لأول مرة أن معه فى الحجرة أنثى، الأستاذ سيد لم يعرف الأنثى إلا خلسة أو من خلف حجاب، لكنه والآن فقط يرى الأنثى كما لم يرها من قبل…).
شعر الأستاذ سيد أن ماء باردا يتسرب عبر مسام جلده كله، أن جسده يكاد يشتعل وأن أنفاسه تهرب منه.. فأخرج منديلا ومسح وجهه


نجحت سيدة فى أخرج القطة من بين الكراكيب المخزنة تحت الكنبة، لكن القطة أسرعت بالانتقال أسفل قطعة، فقطعة، فقطعة أخرى من الأثاث.. وسيدة فى أثرها.. تَرفع هنا وتُحرك هنا…
توقف الأستاذ سيد وأعاد مسح وجهه بالمنديل وشفط من فنجان قهوته شفطة لعله يستعيد أنفاسه وأفكاره التى تهرب منه.. (يجب أن تتوقف سيدة عن الإنحناء).
“كيف تَخْرُجُ القطة من البيت؟!!.. سيدة بمفردها، الصالة ممتلئة بالأثاث.. وتحت كل قطعة منْه علب وكراتين وكراكيب لا تحصى.. يجب أن يتوافر عنصر أخر.. لكن زوج سيدة لم يعد بعد من العمل، وطفل سيدة اعتبر ما يحدث لعبة يشارك فيها بالضحك فقط “..
نظرت سيدة تجاه الصغير الذى يضحك واحتارت هل تغضب منه أم أن الموقف فعلا يستحق أن نضحك له.. “والجيران غرباء غير مصرح لها بادخالهم الشقة.. ثم إنى لم أتعرف بعد على جيران سيدة مما يجعل من ادخال أحدهم كمنقذ لها خطأ بيّن فى البناء القصصى.. يجب أن يكون هناك حل، استراتيجية لطرد القطة للخروج من هذا المشهد العبثى والعودة من جديد إلى مجرى الأحداث الطبيعية، حيث المطبخ والبوتاجاز والحلة وسيدة المتعجلة لإنهاء الطعام”..
عند هذه المرحلة… توقفت سيدة مرهقة.. رفعت طرف قميصها ومسحت به وجهها….
(مرة أخرى يصطدم الأستاذ سيد بحقيقة الأنثى التى لم يراها من قبل، البياض المشرب بالحَمَار.. يشد منديله من جيبه، ويمسح حبات العرق المتسرب ويدير وجهه عن الصورة التى تقتله ويحاول أن ينشغل بالورق)
رغم تعب سيدة وارهاقها ويأسها من نجاح محاولة طرد القطة كلما طال الوقت إلا أنها تلمح السعادة على وجه الصغير فتشاركه اللعب كلما اقتربت منه.. أنزلت مخدات الكنب ومسانده على الأرض لتصنع منها حواجز تعوق حركة القطة وتحدد لها مسارا باتجاه الباب المفتوح، لعلها تجبرها على الخروج من الشقة.
وصل إلى أنفه رائحة لحم يحترق.. انحنت سيدة تضع المسند الأخير ..إنْتَبَهَ..”سيدة تشعل البيت دون أن تنتبه” ..
سيدة منهمكة تماما فى المطاردة.. حتى أن سحابة الدخان الأسود التى كادت أن تصطدم برأسها لم تلفت نظرها، ورائحة الشواء التى عبرت أمامها وأعاقت حركتها فاضطرتها إلى القفز من فوقها لم توقفها
ترك الأستاذ سيد الورقة والقلم وإتجه إلى النافذة، فتحها لعل أحدا من المارة يشم رائحة اللحم المحترق أو يلمح سحابة الدخان المتسللة عبر المطبخ والتى بدأت فى التكاثر، وهو يفكر فى مأزقه ومأزق سيدة التى تصنع حريقا وتفقد الغداء… سحب نفسا من الهواء النقى وفكر .. “يجب أن ينبهها أحد ولو مارٍ بالصدفة من أمام النافذة المفتوحة الآن.. يجب أن تتوقف عن الانحناء”.. قال وأخرج رأسه من النافذة – يطرد الصورة المتجسدة أمامه.
ماهر طلبه

About ماهر طلبه

السيرة الذاتية المعلومات الشخصية : الاسم : ماهر اسماعيل محمد طلبه "ماهر طلبه" تاريخ الميلاد : 19/8/1962 مكان الاقامة : جيزة – مصر محمول : 01277833920 الاميل : [email protected] موقع : http://mahertolba62.blogspot.com/ الاعمال المنشورة اولا : عدد من الكتب نشر جماعى - 1- نصوص عربية .. دار شمس 2- دون حذاء أفضل .. دار دون 3- فانتازيا الثورة .. دار اكتب للنشر 4- ثورة لايك وكومنت .. دار اكتب للنشر 5- مارا تخبز الحياة عند نهر إيتاجي ثانيا : حكايات عن ديك شهرزاد "محموعة قصصية ".. دار اكتب للنشر النشر عبر الصحف والمجلات 1- 6حكايات عن قصص قصيرة جدا .. جريدة العربى الناصرى 2- بن لادن .. مجموعة من القصص القصيرة جدا - مجلة حريتى "مصر" 3- ألوان واعمال عديدة اخرى .. مجلة طنجة الادبية "المغرب " اعداد مختلفة 4- ملل .. صحفية البينة العراقية "العراق" 5- مصباح .. مجلة السلطنة الادبية "عمان " 6- فستان وبدلة .. مجلة القصة " مصر" 7- الصياد والبحر .. اليوم السابع " مصر" 8- ليلة انتظار الموت .. الصباح العربى .. "مصر" 9- سندريلا .. قصص قصيرة جدا .. صحيفة عكاظ “السعودية" 10- جرافيتى .. اخبار الادب .. مصر 11- نتيجة طبيعية .. قصص قصيرة جدا .. الاهرام – مصر 12- حدث ظهرا .. صحيفة الوطن- الجزائر 13- حدث ظهرا .. الحياة الجديدة – فلسطين 14- حكاية الحلم والغنى .. الدستور "مصر" 15- الجريمة الكاملة ... فيتو – مصر 16- محاولة اخيرة لقهر الزمن .. – الاهرام –مصر 17- وغيرها من الضحف والمجلات العربية النشر الالكترونى 1- صاحب مدونة حكايات http://mahertolba62.blogspot.com 2- صاحبة مدونة .. mahertolba http://mahertolba.wordpress.com 3- ينشر عبر العديد من مواقع الانترنت اليوم السابع، المصرى اليوم، بوابة الوفد، بوابة الشروق، دروب، الحوار المتمدن، مجلة صدانا الثقافية، السقيفة، مجلة اقلام، مجلة المحلاج، مجلة انهار الادبية، الشبكة العربية الالكترونية، شبكة الادب العربى، ألف اليوم، مجلة ضفاف الدجلتين، مركز النور، الملتقى العربى ، مجلة الفوانيس القصصية، اكاديمية ايجيبت رايت الادبية، موقع حزب العمل المصرى، موقع البديل، واتا، واتا الحرة، مجلة العربى الحر، سين، اورنينا للثقافة العامة ، ديوان العرب، طنجة الادبية، جريدة الكرنك، جريدة البداية، الشبكة العربية العالمية، الجرنال، أنهار، شبكة اخبار الناصرية، رابطة ادباء الشام ، أصوات الشمال، التحرر الوطنى، بحزانى، رقيب نيوز، صوت العروبة، صوت العراق، كتابات، ينابيع العراق، دنيا الوطن، الحرية، مواجهات، الديوان، الوسط اليوم، موقع التجديد العربى، النهار الاخبارية، مجلة اتحاد كتاب الانترنيت المغاربة، صحيفة الوادى، مجلة روزاليوسف، فيتو، ثقافات، ثوابت عربية، أنفاس، تللسقف، معكم.. وغيرها. - الجوائز 1- حاصل على المركز الاول فى مسابقة جريدة العربى الناصرى عن قصة "6حكايات عن قصص قصيرة جدا". 2- حاصل على العديد من الجوائر من المواقع والمنتديات.
This entry was posted in الأدب والفن, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.