سياف الزهور- قطار الشرق السريع

 من يستعرض ما مرّ على هذه الأمة من أزمات وتحديات ولحظات حاسمة ومنعطفات تاريخية، وكيف تمت إدارتها واستغلالها لمصالح شعوبها، يتأكد بما لا يقبل الشك، من أن اسرائيل لو مسكت التراب لتحول بين يديها إلى ذهب. وأن العرب لو مسكوا الذهب لتحول بين أياديهم إلى تراب، وغير قابل للزراعة أيضاً.

***

يُمنّ الله علينا بأزمات وتحديات يحسدنا عليها حتى أعداؤنا.

أزمات بسيطة شفافة متكاملة، تشتهيها لنفسها أكثر الدول هدوءاً واستقراراً في العالم. عناصر قوتها واضحة كعين الشمس، ونقاط ضعفها لا تكاد تذكر، وفرص نجاتها مضمونة: شعب متعاطف. دول اقليمية منشغلة، والدول الكبرى متفهمة، والأمم المتحدة جاهزة، وفجأة:

كلمة عابرة من هنا، وتعقيب متناقض من هناك، وخطاب تاريخي غير متوقع، وتصريح رسمي لا يود ذكر اسمه، وتنبه اقليمي، وسنارة أميركية، وطعم انكليزي. وتدخل المنطقة في إحدى الدوامات إياها…

رحلات استطلاعية، جولات أفق، زيارات مكوكية، صفقات أسلحة، قطع غيار واحتياجات إيرانية، مناورات تركية، تحركات أطلسية، تحذيرات روسية، فمبادرة مغربية، ومناشدة خليجية، واستجابة مصرية، ودعوة طارئة للجامعة، ومثلها لمجلس التعاون الخليجي، والمؤتمر الإسلامي، ولجنة القدس. وهنا تفتح المحطات الفضائية أبوابها وخزائنها:

الرأي الحر، الرأي الآخر، الرأي المستقل. الرأي المعاكس. وجهة نظر، نقاط على الحروف. ما قل ودل. بصراحة . اضواء على الأخبار. أخبار تحت الأضواء. البعد الايديولوجي. البعد السيكولوجي… فتختلط السياسة بالأدب بالدين بالتاريخ بالاقتصاد…

والقضية الفلسطينية باللبنانية، بالسودانية بالجزائرية بالصومالية بالأفغانية وانهيار الاتحاد السوفياتي والقضية الشيشانية.

وشمال العراق بجنوب اليمن، بالحرب الأثيوبية – الاريترية، ومنابع نهر النيل ومشاكل القرن الافريقي وإعادة هيكلة الجامعة العربية، وتوسيع مجلس الأمن.

ومحو الأمية بالطب العربي، بمكافحة الإرهاب والمخدرات، باتفاق الطائف، واتفاق النفط مقابل الغذاء.

وقضية لوكربي بأيلول الأسود، بمعركة الكرامة وتحويل روافد نهر الأردن، وسرقة مياه الليطاني بهجرة الأدمغة والتطهير العرقي ولجنة تفاهم نيسان.

وخطر العولمة والكيل بمكيالين والتوطين وإعادة ترسيم الحدود بالانفجار السكاني ومجزرة قانا وإعادة إعمار البلقان.

وكل هذا مع الرياضة والمسابقات والإعلانات وعروض الأزياء، بحيث لا يعود يعرف للأزمة السياسية رأس من ذَنَب!!

وفي النتيجة، نكون من ركاب الدرجة الأولى في قطار الأحداث، بل وفي مقدمة الصفوف. هذا يتودد إلينا، وذاك يسترضينا ويستنير برأينا، ونحن نبعد الصحافة والمراسلين وننهر المصورين، ونرفض الإدلاء بأي تصريح أو تلميح بما نريد وما لا نريد، وفجأة، وبمثل لمح البصر، نقذف خارج القطار من الأبواب والنوافذ والسقف… إلى العراء… حيث هذا يبحث عن نظارته، وذاك عن غطاء رأسه، وآخر عن توصياته وأوسمته!!

***

في مطلع الستينات، عندما نصح الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة أخوته الزعماء العرب وأبناءه الفلسطينيين بقبول قرارات التقسيم الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1948 ، ومن ثم العمل بشعاره الشهير: خذ وطالب… أقاموا الدنيا وأقعدوها على رأسه من المحيط إلى الخليج. فجيّشوا الجيوش ورفعوا اليافطات وسيّروا المظاهرات، واستنفروا الصحف والاذاعات والجوامع والجامعات، وأشبعوه شتماً وتحقيراً واتهاماً بالخيانة والعمالة والمروق والجنون. وبعد أقل من عشر سنوات، صارت قرارات التقسيم حلماً من أحلام ألف ليلة وليلة. أما الآن فهي نوع من الخيال العلمي.

وصار شعاره الشهير على أياديهم، لا خذ وطالب، بل أعط وطالب… وبأوسمة أيضاً. وعلى هذا الأساس قد لا يكون الشعار المطروح على أية طاولة في المستقبل هو الأرض مقابل الأمن، أو الأرض مقابل السلام، بل الأرض … مقابل الفضاء.

باختصار بعد كل أزمة أو محنة أو مفاوضات… اسرائيل تأكل الموز، ونحن نتزحلق بالقشور. نحن نشتري أوراق اليانصيب وهي التي تربح من دون أن تكلف نفسها عناء النظر إلى لوائح السحب.

وهذا طبيعي جداً، لأن العربي يجلس إلى طاولة المفاوضات، في مدريد أو أوسلو، أو واشنطن، وعلى ظهره ألف قضية وحلف وطائفة ومجزرة ومؤامرة. وعشرة آلاف غزو وخيمة ومخيم. بينما الاسرائيلي يجلس قبالته على نفس الطاولة وليس على ظهره سوى حمّالات البنطلون!

***

ولذلك فإن الأمة العربية في واقع الحال، لا تشبه إلا سيارة باص ريفية هرمة موديل الأربعينات أو الخمسينات، مخلخلة الدواليب، مرقعة الإطارات، متآكلة الطلاء، مخلّعة الأبواب، ممزقة المقاعد، بلا مكابح أو دولاب احتياطي، أو قطع غيار، وبلا مصابيح أمامية أو خلفية وبدون نمرة، والسائق بدون رخصة. وركابها يتكدسون فوق بعضهم البعض على المقاعد وبينها، وعلى السطح والرفاريف وعلى المؤخرة وغطاء المحرك ، وهم يهزجون ويمرحون ويلوحون للمارة بحرارة، وهي تترنح بهم ذات اليمين وذات الشمال على طريق جبلية وعرة بين الصخور الناتئة والوديان السحيقة نحو هاوية لا يعلم إلا الله قرارها.

ومع ذلك كتب على مقدمتها ومؤخرتها وعلى جميع جوانبها: عين الحسود فيها عود. أو: عين الحاسد تبلى بالعمى.

About محمد الماغوط

محمد أحمد عيسى الماغوط (1934- 3 أبريل 2006) شاعر وأديب سوري، ولد في سلمية بمحافظة حماة عام 1934. تلقى تعليمه في سلمية ودمشق وكان فقره سبباً في تركه المدرسة في سن مبكرة، كانت سلمية ودمشق وبيروت المحطات الأساسية في حياة الماغوط وإبداعه، وعمل في الصحافة حيث كان من المؤسسين لجريدة تشرين كما عمل الماغوط رئيساً لتحرير مجلة الشرطة، احترف الفن السياسي وألف العديد من المسرحيات الناقدة التي لعبت دوراً كبيراً في تطوير المسرح السياسي في الوطن العربي، كما كتب الرواية والشعر وامتاز في القصيدة النثرية وله دواوين عديدة. توفي في دمشق في 3 أبريل 2006.
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا, كاريكاتور. Bookmark the permalink.

Leave a Reply