سوق اسمه المدرسة!


سناء العاجي/ كتبت في موقع الحرة
في حمام مغربي قابلتها. تشتغل مدلِّكة في حمام النساء.
عادة، أحب تبادل أطراف الحديث مع غرباء نقابلهم في مثل هذه الفضاءات. حدثتني عن عملها وعن أطفالها وعن “همّ الدخول المدرسي”، لأكتشف أنها، كالكثير من فقراء هذا البلد، اختارت، رغم العوز وقسوة الحياة، تسجيل أطفالها في مدارس تنتمي للقطاع الخاص، حتى تضمن لهم تعليما أفضل ومستقبلا تتوقعه أجمل.
ما معنى أن نصادف اليوم في المغرب جيلا جديدا من الآباء والأمهات، مهما كانت مستوياتهم المادية، فهم لا يتصورون تعليما لأبنائهم خارج القطاع الخاص، وذلك بسبب انعدام الثقة نهائيا في التعليم الحكومي؟
خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كان التعليم الخصوصي (وبالتحديد خلال مراحل التعليم الإعدادية والثانوية) حكرا على الكسالى ممن يلفظهم التعليم العمومي، فيلجؤون للتعليم الخصوصي أو نحو مؤسسات التكوين المهني (التي كانت، بدورها، رديفا للفشل الدراسي).
يتم تفقير الطبقات المتوسطة بسبب هذه السياسات
في نفس الوقت، كانت المدارس الحكومية فضاء للاختلاط الاجتماعي، حيث كان يدرس بها، في نفس الفصول، ابن طبيب وابنة مدير المدرسة وابن عامل بسيط وابن تاجر وابنة ميكانيكي.
اليوم، للأسف، أصبحت المدارس فضاءات للتموقع الاجتماعي. أبناء الأغنياء يدرسون في القطاع الخاص، في مدارس تصنف بدورها حسب المستوى الاجتماعي وحسب مستوى الأسعار (فيضمنون بذلك مستوى تعليميا جيدا وبالتالي مستقبلا أفضل)؛ بينما أبناء الفقراء يدرسون في مدارس حكومية، وهم فاقدو الأمل في أي مستقبل ممكن… لتتجدر وتتكرس الفوارق الطبقية… ولتختفي كل إمكانيات الاختلاط الاجتماعي.
مع مرور السنين، بدأت الطبقات الغنية والمتوسطة تسجل أطفالها في مدارس البعثات الأجنبية (البلجيكية والفرنسية والإيطالية والأميركية والإسبانية) أو في مدارس مغربية تنتمي للقطاع الخاص، ويتابع بعضها البرامج التعليمية الأجنبية. ثم، تدريجيا، انتقلت العدوى للطبقات الفقيرة التي تستطيع، بجهد كبير، وضع أبنائها في مدارس خصوصية بأسعار في متناولها. كل هذا صنع “سوقا” حقيقة للتعليم الخصوصي تتنافس فيها الأسعار لبيع منتج هو في النهاية… “تعليم شعب!”.
كل هذا الخلل جعل من قطاع التعليم الخصوصي قطاعا استثماريا بامتياز، يتوجه نحوه الكثير من نساء ورجال الأعمال… لأن الطلب موجود في “سوق” لم يعد يَقبل فيه بما يقترحه القطاع الحكومي إلا أولئك الذين لا يملكون بتاتا إمكانيات القطاع الخاص، الغالي منه والرخيص.


فهل من المعقول اليوم أن تفكر الحكومات في البنيات التحتية أكثر من تفكيرها في الإنسان نفسه؟ هل من المقبول اليوم أن يفقد المواطن، إلى هذا الحد، الثقة في منظومة التعليم في بلده؟ ثم، هل نستطيع أن نصدق وجود إرادة حقيقية للنهوض بالتعليم والاهتمام بكفاءات الشباب، في واقع كهذا؟
الذي يحدث اليوم أن الطبقات المتوسطة يتم تفقيرها بسبب هذه السياسات، حيث أنها تدفع ضريبة عن الدخل تقارب الـ 40 في المئة من الدخل الشهري؛ لكنها تضطر، مع ذلك، لدفع مبالغ كبيرة للقطاع الخاص فيما يتعلق بتدريس أبنائها وبناتها، وكذلك فيما يتعلق بالصحة وبالنقل (بما أن قطاع النقل العمومي داخل المدن هو بدوره كارثي).
كانت المدارس الحكومية فضاء للاختلاط الاجتماعي.. اليوم أصبحت المدارس فضاءات للتموقع الاجتماعي
في الزمن السابق مثلا، كانت أجيالنا تدرس في مؤسسات الحي وكنا نمشي جماعات لمدارسنا، على الأقدام. اليوم، بما أن الآباء والأمهات يختارون “أفضل المدارس” (وبالتالي أغلاها)، فهي لا توجد دائما بالقرب من مقر سكناهم. مما يضطرهم للبحث عن حلول للنقل: النقل المدرسي (المدفوع طبعا)، أو تكفل أحد الوالدين بنقل الأطفال حين تسمح له ظروف عمله بذلك أو البحث عن حلول أخرى بديلة، ودائما بمقابل.
بمعنى أن المواطن المغربي الذي ينتمي للطبقة الميسورة (لا نتحدث هنا عن أصحاب الثروات الضخمة) والمتوسطة، يدفع قرابة 40 بالمئة من مدخوله كضريبة على الدخل، الأمر الذي يفترض أن يخول له خدمات عمومية تحترم آدميته. لكن، وفي غياب هذه الخدمات أو بسبب جودتها الرديئة، فهو يضطر لدفع مبالغ كبيرة للتعليم الخصوصي والصحة الخصوصية والنقل الخصوصي… مما ينتقل به نحو نوع من الهشاشة الاقتصادية ويجعل منه مواطنا فقيرا!
ورغم كل هذا… يأتي عليك من يتحدث عن “الاستثناء المغربي!”.

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.