سمير سعيفان: تجربتي مع أيمن اصفري

Samir Seifan

تابع تجربة عملي مع شركة بتروفاك
تجربتي مع أيمن اصفري
ذكرت في بوست سابق أنني بدأت عملي مع شركة بتروفاك في سورية بالاتفاق مع أيمن اصفري في شهر ايلول 1996، وكان يومذاك المدير التنفيذي للشركة ومقره لندن، وأيمن مهندس من مواليد 1958 تلقى تعليمه الجامعي في الولايات المتحدة الأمريكية عبر منحة دراسية، وحصل على شهادة في الهندسة المدنية ثم حصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، وهو الإبن الأكبر للدكتور أديب الأصفري من إدلب وكانت عيادته في حلب حين وفاته المبكرة سنة 1983، والدكتور أديب من الأطباء الأوائل في سورية، وعائلتهم من العائلات المعروفة في ادلب، وكان من مؤسسي حزب البعث العربي 1947، وسمي لفترة قصيرة عضوًا في المجلس الوطني الذي شكل بعد آذار 1963،. ثم أرسل سفيراً لعدد من الدول، ثم عاد لممارسة الطب في حلب. وبالمناسبة فمن أسس حزب البعث ليس ضباط انقلاب 8 آذار بل كانوا أبناء مدن وأبناء عائلات وسطى ممن تلقوا تعليمهم في الغرب وحملوا معهم مفاهيم ليبرالية وقومية مثل ميشيل عفلق من دمشق وصلاح البيطار من دمشق ومنيف الزرار ولد بدمشق ونشأ في عمان، وشبلي العيسمي من السويداء واديب الأصفري من ادلب وفيصل الركبي من حماه و جلال السيد من دير الزور وغيرهم. وحين قيام انقلاب 8 آذار سمي اديب الأصفري في المجلس الوطني الذي تشكل بعد الانقلاب ثم عين سفيرًا في اكثر من دولة ولكنه بعد ذلك ابتعد عن السلطة وعن حزب البعث وعاد لممارسة مهنته في الطب في حلب الى حين وفاته.
عمل ايمن في عمان، وهناك تعرف على مارون سمعان واتفقا على تأسيس شركة بتروفاك انترناشيونال مع بعض الشركاء الامريكان كأحد الشركات الشقيقة لبتروفاك المحدودة في تايلر في الولايات المتحدة وكانت شركة صغيرة ما لبثت بتروفاك أن اشترتها فيما بعد حين تحولت بتروفاك الى مجموعة كبيرة تضم عدة شركات تتولى أعمال التصاميم الهندسية لقطاع النفط والغاز واعمال تنفيذ المشروعات وهو الذراع الأكبر لبتروفاك بعد أن تضخمت، إضافة لاعمال التدريب على المهن النفطية، كما أنها تستثمر في بعض الحقول مثل رومانيا وتستمر في معمل غاز في الجزائر وغيرها، وأصبح لها فروع ومكاتب في 35 دولة في العالم ومشاريع تمتد من خليج المكسيك الى بحر الشمال في بريطانيا – ابردين الى رومانيا وروسيا والامارات والسعودية وقطر وسوريا والجزائر والعراق وماليزيا وغيرها.


كان أيمن هو ديناموا الشركة وهو من وقف خلف نجاحها السريع، بينما كان مارون سمعان متفرغًا للتنفيذ، وكان مروان شديد ،لبناني، من اوائل المهندسين الذين عملوا مع بتروفاك وتقدم بها الى ان اصبح في أحد أهم مفاصلها التنفيذية بعد ان ابتعد مارون سمعان عن ادارة الشركة واهتم في استثمارات اخرى قبل ان يتوفى قبل عدة سنوات.
تعد تجربة نجاح أيمن في بناء شركة بتروفاك تجربة نجاح مميزة حين قاد السير بها من شركة صغيرة برأسمال مليون دولار إلى شركة كبيرة اصبحت تعد واحدة من أكبر مئة شركة في بريطانيا ووصلت قيمتها السوقية ذات مرة حتى 9 مليار دولار ولكنها اليوم تراجعت كثيرًا لعدة أسباب.
ايمن ليبرالي في تفكيره وآرائه ومن المتبرعين لحزب المحافظين البريطاني، ولديه علاقات وطيدة مع قيادة الحزب وقد امتلك طريقة الإنكليز في التعامل، فهو يمتاز بالصراحة والمباشرة فيما يود قوله أو فعله. وقد كانت علاقة أيمن بالسلطة السورية تشبه علاقات جزء كبير من السوريين، ففي سورية لا يمكنك العمل خارج العلاقة مع الدولة ومؤسساتها، فقطاع النفط والغاز هو ملكية للدولة بشكل كامل، فكانت شركة ليد هي مقاول الأعمال المحلية التي تحتاجها كل شركة أجنبية تعمل في سورية، وكانت شركة ليد هي الأكبر والأقدر والأكثر نفوذًأ في لعب دور في ربح المشروعات وفي حل المشكلات التي تواجهها الشركة الأجنبية مع البيروقراطية السورية، وكانت ثمة شركات محلية اخرى مثل شركة عويس وشركة كناما وشركة جورج حسواني وربما بضع شركات صغيرة أخرى. كما كانت لأيمن علاقات مع بعض المسؤولين الكبار في الدولة السورية ووصلت علاقاته لبعض الوقت للرئيس بشار الأسد.
ولكنه من جهة أخرى كان يأسف دائمًا سرا من أن تكون قيادة سورية بهذا المستوى من الفساد والاستبداد والفشل.
وأذكر انني حين وقعت على بيان المثقفين السوريين (بيان ال 99 سنة 2000) وكنت اتوقع ان يغضب أو ربما افقد عملي، ولكني فوجئت بأنه لم يهتم، ولم يعارض ولم يفاتحني بالموضوع رغم الضجة التي ثارت حول البيان حينها. وخلال احاديث كثيرة بيننا حول سوريا كان يبدي آراء نقدية،
فهمت موقفه فيما بعد عندما علمت أنه كان قد ابتعد عن سورية مذ كان شابًا، متأثرًا بوفاة والده وكانت أجهزة الأمن قد اعتقلت والده سنة 1981 لأنه كان يعالج مصابين من الإسلاميين في احداث تلك الفترة، دون ان يبلغ الأمن عنهم، فقد كان يقوم بمهمته الإنسانية كطبيب، ومسألة إخبار أجهزة الأمن ليست مهمة الطبيب، ولكن الأمن اعتقله وأهانه وقد تأثر هو بذلك كثيرًا كما تأثر أيمن بذاك الاعتقال، وقد توفي أديب الأصفري بعد اعتقاله سنة ١٩٨٢ او ١٩٨٣ لا اعلم.
في 2001 تشكلت بمبادرة من فواز الأخرس الجمعية السورية البريطانية وكان ايمن احد اعضاء مجلس إدارتها وكان فواز الأخرس رئيس مجلس الإدارة، ولكن ايمن انسحب بعد عام احتجاجًا على توجهات الجمعية بإدارة الأخرس لتسخير الجمعية للترويج للنظام وليس لمساعدة سورية على الإصلاح الإداري والاقتصادي والسياسي كما توهموا في البداية.
حين أسس رامي مخلوف شركة الشام القابضة طلب من أيمن أن يكون أحد المساهمين بها، ولكن أيمن لم يرغب بالمشاركة في الشركة القابضة لمعرفته أنها شركة سلطة ولن تكون شركة تعمل وفق قواعد السوق بل وفق قواعد رامي مخلوف. وحول ما تردد من أن رامي مخلوف او نزار الاسعد كانا شركاء في شركة بتروفاك لم يكن صحيحا”، فلم يكن من مصلحة بتروفاك أن يكون لأي شخص له علاقة ببيت الأسد شريكًا في بتروفاك فهذا يعطيها صبغة تلحق بسمعتها الأذى وتمنع عنها مشروعات في دول اخرى في العالم.
خلال إحدى زياراته 2003 التقى أيمن اصفري ببشار الأسد، وكان انطباع ايمن عنه أنه مهذب، وتكرر اللقاء مرة أو مرتين اخريين بين 2004 و 2005 لا أذكر، ولكن نقاشات أيمن معه حول قضايا الاقتصاد والإدارة والإجراءات المقترحة لتحسين الأوضاع ومناخ الاستثمار كانت تذهب ادراج الرياح، وكان أيمن يناقش معي الأفكار التي كان سيناقشها مع بشار الأسد في لقائه، وذلك بحكم اطلاعي التفصيلي على الأوضاع في سوريا وكون أيمن لسنوات عديدة كان بعيد عن سورية. وكنت أحضر لأيمن نتيجة النقاش عرضًا مكتوبًا لما يريد أن يعرضه من أفكار حول قضايا الإصلاح الاقتصادي والإداري يرغب بمناقشتها مع بشار الأسد وكان أيمن بعد كل لقاء يخبرني بما دار في اللقاء.
في لقاء أيمن مع بشار الأسد سنة 2006 كان أيمن قد سمع باعتقال ميشيل كيلو، وسألني أيمن عن ميشيل وحدثته عنه ومن يكون، وخلال لقاء أيمن مع بشار الأسد قال له بشار ما معناه: يا أيمن أنت سفير لسورية في العالم “بالمعنى المجازي طبعًا”، ولكن أيمن رد على الأسد بصراحته قائلًا أن اعتقال ميشيل كيلو يجعل مهمة أيمن كسفير لسورية صعبة لأن الاعتقال يسيء لسمعة سورية، هنا امتقع وجه بشار وأظهر شخصية أخرى وأنهى اللقاء على عجل. ثم لم يعد يستقبل أيمن فقد غضب منه غضبًا شديدًا لمجرد ذكر ميشيل كيلو. وفي سنة 2009 حينما خرج ميشيل من السجن قال بشار لأحدهم: أخبروا أيمن اصفري أننا أطلقنا سراح صاحبه ويقصد ميشيل كيلو، ولم يجر لقاء آخر بينهما حتى سنة 2010 حين انتهاء معمل غاز ايبلا وذهب بشار لافتتاحه وكان أيمن موجود بحكم أن بتروفاك هي الشركة المنفذة.
في 2005 اسس ايمن مؤسسة الأصفري وهي مؤسسة غير ربحية، واطلق برنامج في سورية لإعطاء 10 منح سنويًا للطلاب السوريين المتفوقين في الثانوية العامة، للدراسة في الجامعة الأمريكية وكان يتحمل كافة النفقات من قسط الجامعة المرتفع قرابة 25 الف دولار لكل طالب كل سنة إضافة لنفقات الإقامة، وكان يصر على اخذ افضل الطلاب، ولم يكن يقبل واسطة من أحد، وكان يرى أن سورية بحاجة لكادرات علمية مكونة بشكل جيد، وكان يرى الجامعات السورية وهي تتدهور، وكان يريد ان يتخرجوا من جامعات مرموقة كالجامعة الأمريكية في بيروت ولم يقبل فكرة تعليمهم في الجامعات السورية الخاصة، وكان الطلاب يرغبون دائمًا بدراسة الطب او الهندسات، ولكنه كان يتمنى أن يختاروا أيضًا العلوم الإنسانية لأن سورية بحاجة لهذه العلوم كثيرًا. وكنت أنا من يدير هذا البرنامج في سورية. وفي دورة سنة 2008 تقدم للمنحة ابن مصطفى ميرو وابن أخيه، وبالطيع ادخلناهم في ذات المسار من مقابلات وأوراق الخ وكانوا متفوقين من حيث العلامات، ولكني ضمنيًا وضعت فيتو عليهما، اذ كنت ارى انه من الوقاحة ان يتقدم ميرو للحصول على منحل دراسية وهو المعروف بفساده الكبير، واخبرت ايمن بالفيتو ووافق على ذلك. وبعد حين اتصل بي مصطفى ميرو يسأل عن نتيجة المنحة ولكني اخبرته أنه لم يتم اختيارهما للمنحة وكان يعتقد أن مجرد اسمه يكفي لقبولهما. ومنذ 2010 حول أيمن المنحة الى دراسات الماستر في الجامعات البريطانية أو غيرها بدلًا من دعم دراسات المرحلة الجامعية الأولى، وفيما بعد توقفت مؤسسة الأصفري عن تقديم منح مالية للطلاب مباشرة وحولت دعمها الى تمويل يقدم لمنظمات أخرى تقدم المنح الدراسية للطلاب السوريين والفلسطينيين.
في 2005 ناقش معي أيمن فكرة تأسيس مركز دراسات في بيروت للترويج للديمقراطية وقيم المجتمعات الحديثة في العالم العربي، ولكن بقيت مجرد فكرة، وانتقل النقاش الى تأسيس مركز دراسات حول سورية وأن يؤسس في بريطانيا، وكنت قد عرفت أيمن بسفير سوريا الجديد في لندن آنذاك الدكتور سامي الخيمي، وتحدثنا في أشياء كثيرة ومنها تأسيس مثل هذا المركز. وبعد بضعة شهور كان البروفيسور رايموند هنيبوش استاذ العلاقات الدولية في جامعة سانت اندروز في اسكتلندا في زيارة للسفير الخيمي وكان يتساءل عن سبل تمويل مركز دراسات حول سوريا، وهنا قام سامي بتعريف أيمن بهنيبوش حيث تم الاتفاق على تأسيس مركز دراسات سوريا في جامعة سانت أندروز سنة 2006 وكان مجلس الأمناء يتكون من هنيبوش وأيمن أصفري وسامي الخيمي وسمير سعيفان وربما شخصان آخران لم أعد أذكر من هما. وكانت غاية المركز هي تعريف العالم بسورية وانتاج دراسات وأبحاث عنها، إذ ان الكتب والأبحاث حول سوريا باللغات الأجنبية وخاصة السورية كانت شحيحة آنذاك والعالم لا يكاد يعرف الكثير عن سورية.
بعد نشر خبر تأسيس المركز المذكور في جريدة الحياة اللندنية تم استدعائي من قبل فرع فلسطين في الأمن العسكري، هذا رغم أن السفير السوري في لندن سامي الخيمي هو أحد المؤسسين، وتم سؤالي من قبل نائب رئيس الفرع عن هذا المركز والغاية منه ثم اخذني نائب رئيس الفرع الى مكتب رئيس الفرع ولا اذكر الإسم، ولكن كان هذا مجرد استفسار واستيضاح ونوع من التحذير لي “نحن نراقبكم فاحذروا”.. وطبعا” زودني رئيس الفرع بنصائحه أن أبقى يقظًا “فهولاء البريطانيين لهم مآرب خبيثه دائمًا”، ويبدو أن فكرة المركز لم تعجبه.
كان المركز يعقد ندوتين كل سنة في نيسان وفي تشرين أول تقدم بها أوراق ودراسات حول سوريا يقدمها باحثون سوريون وعرب واجانب يتم نشر بعضها، وقد نشر لي كتيب باللغة الإنكليزية بعنوان إشكالية الإصلاح الاقتصادي في سورية. وفي 2008 اردنا ان نقيم ندوة الخريف في دمشق، وكنا بحاجة لشريك سوري، وهكذا تم الاتفاق مع مركز الشرق الذي كان يديره سمير التقي ليكون الشريك المحلي، وعقدت الندوة في تشرين الأول لمدة يومين في فندق الميريديان بدمشق. وكنت أنا قد توليت تحضير البرنامج ودعوة المتحدثين السوريين إضافة للترتيبات اللوجستية، وكان من بين من دعوتهم لكتابة ورقة عن القضية الكردية في سورية الكاتب رستم محمود ؛ وقد قرأت الورقة قبل موعد الندوة وكانت تناقش المسألة الكردية في سورية بشكل موضوعي وتطرح مطالب معقولة، وهكذا اعددنا جدول الأعمال ووزعناه في صباح اليوم الأول من الندوة التي ستبدأ خلال ربع ساعة، ولم تمض بضع دقائق حتى جاء اعتراض من الحهات العليا في الأمن “وقيل انها أتت من علي مملوك وكان حينها رئيس جهاز أمن الدولة” اعتراض على إدراج مناقشة أي امر يتعلق بالأكراد في الندوة وطلب سحب الورقة. واضطررنا بالطبع لسحب جدول الأعمال واستبداله بجدول آخر بعد الغاء ورقة رستم من الجدول وغضب يومها رستم وكان معه عدد من رفاقه في الأحزاب الكردية، وانسحبوا من الندوة ولم يصدروا بيان احتجاج كي لا اتعرض لانى كوني انا من دعا رستم للمشاركة والحديث عن القضية الكردية.
كان حماس ايمن للثورة السورية كبيرة منذ يومها الأول، واذكر لقاءنا الأول في نيسان ٢٠١١ بعد انطلاق الثورة حين عقدنا ندوة للمركز، وقدم لنا ايمن الدعم لإقامة مركز دراسات في دبي يتولى الترويج للثورة، وكان يتابع باستمرار ويتحرك مع الحكومة البريطانية لدعم الثورة وتواصل مع الروس املا في ان يفهم موقفهم ويؤثر فيه، ثم حضر مؤتمر المعارضة في 2 و 3 تموز 2012 في القاهرة، ودعم نشاطي في 2012 لتأسيس حزب سياسي وعقدنا عدة لقاءات مع شخصيات سورية، ولكن جهودي توقفت لبعض الأسباب، ثم دعم قيام المنبر الديمقراطي ولم أشارك به لبعض الأسباب ولا اود ذكرها الان، ولكن المنبر سرعان ما انتهى بسبب الخلاف السريع بين سمير عيطة ويشيل كيلو، وفي ايار 2013 دعم ايمن المؤتمر التشاوري لتأسيس اتحاد الديمقراطيين السوريين ثم مؤتمره التأسيسي في الذي عقد في ٢٨ و ٢٩ ايلول 2013 وقد شاركت في التأسيس، وانتخبت سكرتير”ا للمكتب التنفيذي بينما كان ميشيل كيلو رئيس”ا للاتحاد، ولكن الاتحاد فشل بعد عام واحد من انطلاقته وسأكتب عن هذه التجربة ذات مرة.
بعد فشل جهود تأسيس حزب سياسي استمر ايمن يقدم الدعم الإغاثي والتعليمي عبر مؤسسة الأصفري في كل من تركيا ولبنان والأردن، وهومستمر في دعم مركز دراسات سورية في جامعة سانت اندروز.

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.