سلسلة يرنامج “أقرب الى الحقيقة”: الجزء الأول – هل نفسك عبارة عن وهم؟

closer to truth

سلسلة يرنامج “أقرب الى الحقيقة”

أعداد و تقديم : روبرت لورنس كوهن 07 Sep – 07 Dec – 2016
ترجمة بتصرف: مازن البلداوي 28 Feb -2022
تمهيد
نزولا عند رغبة و طلب بعض الأصدقاء و القراء للأستزادة من الترجمات الخاصة بموضوع “الروح” وما يتعلق بها من مداخلات و ملابسات و مفاهيم حيث تعد واحدة من المواضيع الأكثر أهمية في حياة الأنسان منذ فجر التاريخ. و حيث ان محاولات كثيرة جرت على مستوى البحث العلمي الخاص بموضوع الحياة وما بعدها، فقد استحوذ موضوع الروح على الجزء الأكبر من هذه البحوث رغبة من الأنسان لسد رغباته الفضولية لمعرفة المستقبل او ماهية الحالة التي سيكون عليها بعد الوفاة.
وبعيدا عن موضوع الآراء و المفاهيم المرتبطة بالمعتقدات الدينية التي تنطلق من الصياغات الموجودة في الكتب الخاصة بتلك الأديان سماوية كانت أم أرضية وعلى مختلف توجهاتها فإننا نحاول هنا جاهدين طرح المفاهيم و التجارب و الآراء الخاصة بموضوع “النفس/الذات” و مفردة “الروح” وما يتعلق بها من وجهة نظر الباحثين في الحقول العلمية و بحوثها المحيطة بدراسة الأنسان و وجوده في الحياة و ما بعد الحياة منطلقين بذلك من مقولة “ان ليس هنالك حقيقة مطلقة” الا بالقدر الذي يتعلق بالفلسفة او المعتقد الذي يؤمن به الفرد او مجموعة معينة من الأفراد في بيئة ما على سطح الكرة الأرضية. و حيث أني فقدت اشخاص اعزاء عليّ جداً وفي اوقات كنت بأشد الحاجة فيها لوجودهم معي فقد وجدت ان تكريس الوقت للحديث عن هذا الموضوع هو أمر مهم جدا ومن خلال الكتابة عنه او طرح المواضيع التي تتناول المفردات المذكورة اعلاه حيثما استطعت رصد الحديث عنها حول العالم ووضعها بين يدي الناس ممن يسوقهم فضول المعرفة للتعرف على المزيد من المعلومات بهذا الخصوص اينما تيسرت.
مقدمة
لقد قمت باختيار سلسلة مقالات تتألف من أربع أجزاء نشرها “روبرت لورنس كوهن” من خلال برنامجه التلفزيوني “أقرب الى الحقيقة” الذي بثته قناة
PBS
التلفزيونية الحكومية الأميركية وله نسخة موجودة على الأنترنت حيث يعتبر “روبرت” مبتكر ومعد و مقدم البرنامج اضافة الى كونه المنتج المنفذ للبرنامج الذي يتميز بعرض آراء و تجارب أكثر المتخصصين في مجال “الذات/النفس و الروح” حول العالم للأجابة على اكثر التساؤلات حيرة و استفسارا لدى الناس.
في الحقيقة ان الكتابة عن “روبرت” و نشاطاته كثيرة و متنوعة سأحاول ان اذكر بعضها هنا و اترك الباقي لمن يود الأطلاع عليه من خلال متابعته على الأنترنت. يعدُّ روبرت “مستثمراً مصرفياً” معروفا على مستوى العالم أضافة الى كونه كاتبا و محررا لما يقرب على الثلاثة و الثلاثين كتابا أهمها ما كتبه عن الزعيم الصيني الراحل “جيانغ زيمن” تحت عنوان “الرجل الذي غير الصين”. وعمل روبرت كذلك مستشارا ماليا و مخططا أستراتيجيا لعدة مؤسسات في (لوس انجلس، بكين، و طوكيو)، اضافة الى عمله كمستشار دولي على الصعيد المالي وصعيد التقنيات المتطورة لحكومات الولايات المتحدة الأمريكية ، أسرائيل، ألمانيا و الصين بين عامي 1981-1989.كما قام بتدريس علم النفس في معهد
“ماسوتشيستس للتكنولوجيا” MIT
وقام في جامعة “جنوب كاليفورنيا” بتدريس مادة التشريح ووظائف الأعضاء، فقد حصل على بكالوريوس في بيولوجيا الأنسان من جامعة “أنتوني هوبكنز” و حصل على شهادة الدكتوراة في “التشريح و وظائف الدماغ” من “جامعة كاليفورنيا” وهي جامعة حكومية.
فهذه التوليفة من الثقافة و المؤهلات المذكور بعضها اعلاه تضعنا امام شخصية مركبة الثقافة و متنوعة المصادر و آليات الفهم العاملة على صياغة الأستنتاجات و الخلاصات للعمل الوظيفي المحيط بالدماغ البشري وآليات عمله و الكيفيات التي يمكن ان يتمحور حولها في ميكانيكية صياغة الأفعال او التصورات و من ثم وضعها بشكل ادبي لائق يتناسب مع الخبرة المهنية للكاتب او المقدم لمثل هذا البرنامج.
أرجو التفضل بالعلم بأن هنالك فيديوهات يوتيوب باللغة الأنكليزية ملحقة بالمقالات المنشورة، يستطيع الباحث او القارىء متابعتها على الأنترنت ان رغب بذلك مع الشكر.

الجزء الأول – هل نفسك عبارة عن وهم؟

تعد هذه المقالة بمثابة الجزء الأول من سلسلة مقالات تتكون من اربعة أجزاء تتناول بحث موضوع “النفس او الذات البشرية” اعتمادا على الحلقات التلفزيونية التي قدمها “روبرت لورنس كوهن” في برنامج “أقرب الى الحقيقة” التي أخرجها و أنتجها “بيتر غيتزلس” أضافة الى الفيديوهات التي عرضت على قناة اليوتيوب (closertotruth)
والخاصة بذات الموضوع. لقد قام “روبرت” بمشاركة المحتوى مع موقع (صوت خبير العلوم الحي) في عام 2016.
يقول روبرت…..
لقد احتفلت أمي للتو بعيد ميلادها المئة، الا ان هذه السيدة الأنيقة المفعمة بالحياة و البليغة التعبير والتي كانت تستشعر الفخر في حديثها و تصرفها مع لمسة من الغرور والكبرياء، لم تعد اليوم قادرة على المشي او التحدث بشكل طبيعي على الرغم من انها مازالت تستطيع التعرف على افراد أسرتها وتراها تبتسم عندما يزورها أحفادها او عند القيام بطلاء أظافرها ناهيك عن انها تعبر عن استيائها بعبارات قوية ولاذعة احيانا عندما يحاول احدهم مساعدتها في تأدية حركاتها الجسدية. و تراها كذلك بوجه عبوس عندما تستشعر(بشكل صحيح قطعيا) بان المحيطين بها يتحدثون عنها وتضم كف يدها بقوة وبالمشاركة مع تعابير وجهها لتعبّر عن الأحباط الذي يصيبها نتيجة عدم قدرتها على التواصل شفاهيا مع أولاءك المحيطين بها.
هل مازالت والدتي تعدُّ “ذاتاً / نفساً” (سنستخدم كلمة “النفس” او “الذات” هنا للتعبيرعن ماهية الشخص) ؟ ~ نعم بالطبع مازالت هي هكذا، ولكن من الجائز ان لاتكون هي ذات “نفسها” القديمة، الا انه على الرغم من تضاؤلها فأنها مازالت تعدُّ “نفساً”.
دعونا نتسائل هنا عن أقرانها ممن يعيشون في وحدات الرعاية الخاصة بضعيفي الذاكرة ويتمتعون بالمساعدة من قبل آخرين للقيام بوظائفهم اليومية، خاصة اذا ما علمنا ان بعضهم يعاني من حالة “زهايمر متقدم” ولم يعد باستطاعته التعرف على أحبائه كما هي حال والدتي. فهل مازال هؤلاء الأشخاص يعدّون “نفوسا”؟ ومتى يتوقف الشخص عن عدم كونه “نفسه او ذاته”؟ (الأمور العشرة الغامضة الكبرى حول العقل).
اذا في كل الأحول ماهي “الذات/النفس”؟ وما معنى ان تكون “نفساً”؟ وما هي متطلبات كينونة “النفس”؟
يعد السؤال عن ماهية “الذات” احد الأٍسئلة الأزلية الدائمة. وعلى الرغم من سهولة وصف “الذات” الا ان عملية التعبير عن محتوى ومعنى شيفرتها يعد ضربا من الجنون حيث ان جزءاً من تعريف هذا المعنى يعود الى “فلسفة العقل” وجزء آخر يعود الى “بيولوجية الدماغ”، لذا فهي توليفة مركبة من فكرتين صعبتي الأدراك والفهم قليلا، اولهما هي ” فلسفة البقاء” (وهو تعبير عن كيفية استمرار بقاء الأشياء عبر الزمن) و ثانيهما هي “علم النفس البيولوجي” الخاص بوحدة “الذات” وتعني (الكيفية التي يُشعرنا بها الدماغ بفرديتنا ) من مثل.. انا ارى، اسمع و أشعر. كيف تتمكن عدة مفاهيم منفصلة على التواصل مع بعضها و تتحد لتكوّن صورة انطباعية موحدة بشكل مستمر؟ كيف تتجسد الخصائص الواعية لتكوّنني ….. أنا!؟
ارجو ان تقم بمشاهدة صوراً قديمة لك، دعنا نقول انها صور مدرسية. ثم قم بالنظر الى المرآة. قطعا اننا نستطيع القول ان هذين الفردين هما في الحقيقة شخص واحد. لكن كيف يمكن ان يكون هذا؟ فهما لا يبدوان متشابهين و ذكرياتهما مختلفة وان اكثر الخلايا التي شكلّت جسم ذلك الصبي لانجدها اليوم في جسم هذا الشخص البالغ. أنا أشعرذاتياً بأنني نفس الشخص الذي كان يذهب الى المدرسة الثانوية وذهب الى الكلية و شكّل أسرة وكافح من خلال العمل الوظيفي لحدّ هذه اللحظة التي أنظر فيها الى تلك المرآة. لقد مرت السنون و تراكمت الخبرات و تعددت الذكريات.

هل هنالك شيء اسمه “أنا”؟
ويستمر روبرت كوهن قائلا:
لقد قال “جون سيرل” وهو فيلسوف مهتم بمجال اللغة، العقل وعلم الأجتماع ويدرّس في جامعة كاليفورنيا الواقعة في بيركلي، خلال لقائي به في سلسلتي التلفزيونية “أقرب الى الحقيقة”، ان المشكلة في تعريف الذات هي اننا نشعر بأنني “أنا” ولكنه ممن الصعب جدا ان نثبت ذلك بطريقة فلسفية لأن كل خبراتي السابقة قد تغيرت، وتغيرت جميع أجزاء جسمي وكل الجزيئات الكائنة في جسمي قد تغيرت أيضا.

لكن بالأضافة الى جميع تجاربي الخاصة، استطيع القول ان ليس هنالك “ذات”.(الأمور السبعة الغامضة للجسم البشري)
و حسب “سيرل” فأن بامكاننا المحاولة لإيجاد تعريف “استمرارية الذات”، اي “الذات” التي تبقى في حين تتغير الجوانب الأخرى لشخص ما بواسطة استمرارية الجسد (او الذاكرة، الشخصية، وما الى ذلك..). لكننا نجد أن أيا من هذه المعاييرلا يكفي، لأنه يمكن تغيير أي منها أو جميعها، أو حتى استئصالها ، وما زلنا نشعر بذاتنا المستمرة والموحدة.
قال سيرل: “عليك أن تفترض “الذات” حتى تفهم السلوك العقلاني ونريد أن نجد”روحًا” في نهاية المطاف هنا … ولكن بالطبع، فإننا لانستطيع ايجاد أي من هذا.
ويتوافق فيلسوف العقل البريطاني “كولن ماكغين” مع المعطيات التي تحدث عنها “سيرل” حيث يقول، ان التباس الفهم لدينا حول “الذات” في حقيقته يعود الى جهلنا وقلة معلوماتنا حول الدماغ. ويستطرد قائلا ان “الذات” امر حقيقي و لكن هذه الذات يجب ان تتمركز في الدماغ، ويجب ان تكون وحدة (اتحاد) الذات بمرور الزمن تتصرف بموجب ماهو موجود في الدماغ ذاته. نحن لانعلم كيف يجري هذا ولكن يجب ان يكون الأمر بهذه الكيفية.
واعرب “ماكغين” عن اسفه لأننا لانملك وصفا واضحا “للذات/النفس” الى اليوم واستطرد قائلا، ان مفهومنا “للذات” محدود جدا لغاية اليوم لأننا اعتدنا تداوله من خلال وجهة النظر الشخصية الأولى التي تتمثل بقول “أنا”، الا اننا في الحقيقة لانعرف ماذا تعني هذه الـ “أنا” على الأطلاق إلا إنها وصفٌ يمثل الحالة العقلية للفرد. ويخشى “ماكغين” ان النظريات الخاصة بـ “الذات/النفس” تبدو ضعيفة جدا لتمثل مفهوم “الذات” باعتبارها “التعريف الشخصي أو الهوية القائم/ة عبر الزمن”. وان كل مانعرفه هو ان الفرد (او أنت مثلا) في زمن لاحق ترتبط سببياً بشخصية ذلك الفرد (أنت مثلا) في زمن سابق، مما يجعل هذه الحالة لا تمثل الحالة القائلة بأن الفرد المعني (انت مثلا) موجود عبر الزمن.
الا ان “ماكغين” رفض تعريف “الذات” على أنها صنف من الكيانات الخارقة للطبيعة “بصورة مصغرة لشيء غير مألوف للأنسان وخارج عن دائرة معارفه له القدرة على تحقيق مآثر غريبة”. يعتقد الناس ان لهم القدرة على فعل جميع الأشياء الغريبة، والأمور الخارقة للطبيعة عندما تستطيع “الذات” ان تتواجد منفصلة عن الدماغ كما قال “ماكغين”، ويستطرد قائلا…. انا اقول بأن “الذات/النفس” قابعة و متجذرة في الدماغ، الا اننا لانملك الا فهما بسيطا جدا لهذه الحالة يتمثل في فكرة “أنا”. انا لااستطيع حتى ان اتخيل الأجابة للكيفية التي يمكن بها لذات واعية غير مادية ان تتجذر في دماغ مادي التكوين؟ بأي آليات يمكن ان تكون هذه التركيبة!.

هل تعتبر “الذات/النفس” وهماً ؟
يقول البعض ان لاغموض هناك لأن لاوجود لـ “الذات” وهي غير موجودة اصلاً.
يقول “روبرت” لقد سألت “سوزان بلاكمور” وهي متخصصة سابقة في “علم النفس التخاطري” اما اليوم فهي من المتشككين حول إمكانية ان يكون احساسنا الداخلي بالهوية الشخصية (والذي نبدو متأكدين جدا منه) وهماً لاغير؟
فأجابت… ليس هنالك سبباً يدعونا لنفترض بأن لنا استمرارية واقعية، لأنك اذا ما نظرت الى الجسد و الدماغ فلن تجد ان هنالك مجالا لشيء يدعى “الذات/النفس” وانها تقبع هناك ولديها مجموعة من التجارب والخبرات. لذا فالسؤال سيكون … مالسبب الذي يدعونا للشعور بتلك الطريقة؟
وحسب ما افادت به “سوزان” فأننا كبشر اخترعنا هذا الأحساس بأنفسنا، لأن “وهم استمرار البقاء يتواجد فقط عندما تبحث عنه”. ولهذا فأن جميع الأمور الخاصة بنا تتغير من لحظة الى اخرى، عندما نقوم بتوصيل كل نقاط تجاربنا ببعضها فأننا نستحضر احساسنا الداخلي بــ”الذات”. ولهذا فأنت تستطيع ان تتخيل هذا النوع من التدفق المستمر للوعي عندما تكون يقظاً، لكن في الحقيقة ان الأمر ليس كذلك على الأطلاق، و تستطرد قائلة …… ان هنالك العديد من الأمور التي تحدث بشكل متوازٍ وغالبا ما نذهب الى القول (أوه …. هذا انا) ونقوم باختراع قصة “الذات”، فهل نحن نعيش في (محاكاة كومبيوترية)؟
وأضافت “سوزان” في معرض حديثها، ان هذه المفردة المسماة “أنا” ماهي الا صيغة تمثل اعادة تجسيد لصيغة كانت موجودة قبل 30 دقيقة على سبيل المثال و ستكون هنالك صيغ اخرى في المستقبل وفي الحقيقة انها كلها ليست لنفس الشخص بل هي نتائج لأشياء تحدث في الكون. لذا فنحن نقول ان ليس هنالك “ذاتاً او نفساً” لتموت، لأنه ببساطة ان ليس هنالك “نفساً قبل الموت و بالتأكيد فلن يكون هناك “نفسا” لتستمر بالوجود بعد الموت. وقد بدت “سوزان” مبتهجة بعض الشيء بما اوضحته عن صيغة “الفناء” التي تطرحها الى الحد الذي دعاني لسؤالها ان كان موضوع عدم وجود “الذات” هو أمر مبهج بالنسبة لها؟
فأجابتني … انت تراني مبتسمة لأني اعتبر ان فهم التفسير الخاص بهذا الأمر امر رائع، بحيث انك تستطيع ابعاد موضوع الموت بصوره التقليدية عن ذهنك وتتقبل ان الكون يقوم بفعل الأشياء الخاصة به، وهذا لايعني بأني اقف ضد العالم ! لأن حقيقة الأمر أن ليس هناك شيء اسمه “الذات او النفس” على الأطلاق. و استطيع القول بأن ليس للموت تلك اللدغة التي نصفها باستمرار لأنه لايمثل الصورة التقليدية التي تصورها العلاقة القائلة بأنك (كنت موجودا و قد متَّ في لحظة ما). لأن الواقع يقول ان هنالك وضع جديد وقصة جديدة في كل لحظة تمر علينا.
دعونا نذهب الى الفيلسوف “دانييل دانت” من جامعة تفتس في ولاية ماسوتشوستس الأميركية بهذا الخصوص لنجده يقول…. ان مفهومنا حول “الذات/النفس” ماهو الا وهمٌ اخترعته خبرتنا الحياتية في هذا العالم. وقدم بهذا الخصوص مقارنة تشبيهية قائلا: اننا نشعر احيانا بجاذبية تجاه شخص ما، وهذا امر محسوس وليس ماديا ولا يتواجد في الواقع لكننا نتعامل معه على انه شيء حقيقي، لذا فأننا نقوم بنفس الشيء تجاه موضوع الأحساس البشري المعقد محاولين ان نجعل كل مايحيط بنا امرا متماسكا حول نقطة معينة، وهذه هي “الذات”… حيث تمثل مركز ثقل السرد، لاغير.
وأضاف “دينيت” قائلا ان الذي يشكّل “الذات/النفس” هو مجموعة من الذكريات و المشاريع، من الرغبات و الخطط، من الأشياء التي نحبها او نكرهها كإطار سايكولوجي لنا. طيب، مالذي يحافظ على ماذكرناه متماسكاً مع بعضه البعض؟ (المترجم: اضطررت هنا الى مشاهدة الفيديو الخاص بهذه الفقرة لأكون اكثر دقة في وصف المقصود). انها العمليات التي تجري في الدماغ والتي تميل الى بغض عدم الأتساق والتوافق بين الأشياء، ولهذا عندما تظهر التناقضات فأنك إما ان تقوم بعزل الشيء المتناقض مع الموجود لديك او انك تقوم باختلاق قصة ما لتبرير ذلك التناقض.
اذا فكيف للنفس ان تستمر في التواجد على مر الزمن على الرغم من التغيرات التي تحصل للجسد البشري و الدماغ الخاص به؟
ان الفكرة القائلة بأن الذي يبقى هو الجوهر الصغير، المميز اللامتغير لهذا الشيء المسمى “الذات” تبدو فكرة واهنةً بعض الشيء لإعتبارها اجابة او حلا لمشكلة تعريف “الذات” وتبدو كمن يستخدم ورق هدايا لتغليف المشكلة مدعيا حلّها كما يقول “دينيت”. والأهم من ذلك هنا،هو مالذي يجعلك متأكدا جدا بوجوب وجود أجوبة لتلك الأسئلة؟. ان القناعة بوجوب وجود اجابة واحدة صحيحة ماهو الا بقايا الأستبداد الميتافيزيقي (ماوراء الطبيعة) وعلينا ان نرفضه.
فيعود روبرت ليخبر دان قائلا…….. آسف “دان” فاني لا استطيع ان ارفض هذا الشعور. احساسي بذاتي وهو يمثل احساسي الداخلي بهويتي الشخصية ووحدتها عبر الزمن يبدو حقيقيا. فهل انا أخدع نفسي؟

المترجم:
حاولت في هذا الجزء الأول من السلسلة ان اضع المسميات بابسط صورة ليتم فهمها بأقرب مايكون الى حقيقتها حيث قد يبدو البعض منها غريبا على بعض القراء نتيجة لعدم تواصلهم مع مثل هذه المواضيع كثيرا. و قمت بالأطلاع على الحديث الذي دار بين كاتب المقالات و الأشخاص المعنيين الذين قابلهم لأتمكن من وضع الصياغات المناسبة لما تم طرحه من أسئلة و أجابات من وجهة نظرهم. ان هذه المقالات تعكس وجهات نظر باحثين في العلوم الخاصة بالمفردات المذكورة اعلاه كجزء مستمر من محاولات الأنسان معرفة الغموض الذي يلف الكثير من الأمور المحيطة به وبعيدا عن الأجابات المختصرة التي قد توفرها بعض الصيغ الجاهزة و تكتفي بقولها الجامد فقط بهذا الصدد.

ألتقي معكم قريباً مع الجزء الثاني من هذه السلسلة وهو بعنوان (هل تستطيع نفسك ان تنجو من الموت؟).

*للتواصل مع مازن البلداوي:
الرجاء وضع كاميرا جهاز هاتفك النقال مقتبل أحد رموز الــ
QR ادناه:

qr

About مازن البلداوي

مازن فيصل البلداوي كاتب عراقي يحاول بذل الجهد في تعريف مواطن الوجع الأنساني و أسبابه عن طريق التحليل و تشخيص الأسباب و طرح الحلول اينما امكن ذلك يعمل حاليا كأستشاري تطوير اعمال على المستوى الدولي لدى احدى الشركات حاصل على شهادة الماجستير في إدارة أصول البنى التحتية من مدرسة باريس للأعمال مسجل كمحلل بيانات الأعمل و مرخص من قبل الأكاديمية الأميركية للأدارة المالية AAFM حاصل على شهادات تخصص في ادارة مشاريع المياه من BAMI-I حاصل على شهادات تخصص من جهات اخرى للمزيد:يرجى مراجعة البيانات على الرابط التالي:
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.