سقا الله أيام المخابرات المحترمة التي كانت تأتيك وتشحطك ب-نصاص- الليالي

تتطور الحياة في شتى الميادين يوماً بعد آخر، وتتغير الكثير من الطرق والمناهج والأساليب، والاستراتيجيات والتكتيك، وحتى “التكتيك الاستراتيجي” و”استراتيجية التكتيك” تغيرا على نحو هائل وغير مسبوق، وأيضاً الحروب، ونمط شن الحروب، بحيث كدنا ننسى النمط القديم من الحروب التقليدية التي يلاقي فيها جيشان وجهاً لوجه، ويبدآ بالتراشق بشتى صنوف الأسلحة حتى يقضي أحدهما على الآخر ويبسط سيطرته ونفوذه عليه..

علم الاستخبارات نفسه تطور بشكل هائل مع ثورة المعلومات والاتصالات الرقمية، وتغيّرت كل طرق عمله، وبات “المتصل إليكترونيا” مكشوفا وعارياً وأمامه، وكل من لديه اتصال “إليكتروني” بات نزيل و”سجين” جهاز استخبارات ما يراقبه ويرصده على الطالعة والنازلة ويعرف كل تحركاته ومتى نام وأطفأ جهازه الإليكتروني الذي يصله ويوصله بأجهزة استخبارات أخطبوطية، ومن هنا هذا التشجيع على “التسجيل” والانضمام لمنصات التواصل الاجتماعي، وهذه العروض الإنترنتية الدسمة والسخية وكلها عبارة عن “أفخاخ” لاصطيادك ووضعك تحت المراقبة 24/24 ساعة، والفرق هنا أن كل شيء يتم برضائك وحماسك المنقطع النظير لدخول مختلف “أفرع” الاستخبارات.

والاستخبارات هذه، التي كان يسميها عرب الصحراء، ودواعش الرمال، بـ” العيون” و”العسس” وهو-أي التعبير- البديل الموضوعي لكلمة المخبرين المستخدمة اليوم في بعض أجهزة الاستخبارات المتخلفة، والتي ما زالت تعتمد على “التحقيق” مع الناس، وكتابة التقارير الكيدية عنهم، فـهذه “المهنة” انقرضت عملياً في العالم الأول، وتمت أرشفتها ووضعها على الرف في أجهزة الاستخبارات الحديثة والمتطورة وانقطع، ويا حرام، رزق “المخبرين” نهائياً في عوالم متقدمة حيث بات “التجسس الإليكتروني” والتنصت، والتصوير، والتوثيق الإليكتروني، وتجميع الـ “المعطيات” يحل بالمقام الأول. لا بل وضعت الكاميرات في كل ركن وزاوية لرصد تحركات الناس ومراقبة الناس بالشوارع جماعياً وبالثانية والدقيقة، وكم من جريمة وعملية تم كشفها بسرعة البرق باعتماد على هذه الآليات التجسسية المتطورة دون إرسال رجل أمن لتعقب مجرم أو قاتل ولص.

ومن طرائف الاستخبارات “السيبرانية” والفيسبوكية أنك أنت تذهب بجلالة قدرك لهم، وبيديك ورجليك، وتشتري “لابتوب”، أو هاتفا ذكياً وتروح لعندهم طالباً “التسجيل” (الاعتراف)، وإعطاءهم كل بياناتك”استمارات أمنية” (على أيام زمان سقا الله أيام المخابرات المحترمة يوم كانوا يأتوك برتل بيجوات ستيشن وبيك آبات وشي 50 عنصر ليشحطوك لتعترف لهم بماذا تفكر ومع من كنت هههه)، وتفصح طواعية عن مواليدك واسم أمك وأبيك ورقم هاتفك وأين درست وتقيم ومن هم أصدقائك وما هو تخصصك ودراستك، ومن ثم تطلعهم-أي للمخبرات- الفيسبوكية على محادثاتك السرية وعلاقاتك الغرامية وصورك الشخصية و”الحميمية”، ويطلب منك تحديد مكانك الـ “الموقع” الذي تسهر فيه والمطاعم التي ترتادها والأماكن التي تزورها فتفعل ذلك كله عن طيب خاطر وأنت تلتقط صور، ويا للغباء، الـ”سيلفي” وترسلها لهم لكي تتم إضافتها لملفك الزاخر بماذا لذ وطاب لأجهزة الاستخبارات الإليكترونية وماذا تحب من أنواع الطعام والمعكرونة والفواكه والعطور والنساء والسيارات وأنواع الجوارب والملابس الداخلية التي اشتريتها لأم العيال، ومن هو فنانك المفضل والفيلم والمسلسل الذي تتابعه وتخبرهم عنهما على الفيسبوك وأنت تشاهدة مع ال “مجموعة”، وحتى أنك تقول لهم بـ”ماذا تفكر” وما في ذهنك وداخلك وتكتبه لهم وتشاركه مع أصدقائك والمجتمع الدولي كله وتطـّلع عليه الأمم المنفرطة التي ستعلم وقتها يماذا تفكر و”تهدس” و”تهجس” و”تهلوس” وأنت جالس في غرفتك الساعة الثالثة صباحاً وهذا ما عجز عنه أدهى أجهزة الاستخبارات سابقاً، وتقول للناس أنك أنت “ماشي” بالسوق أو ذاهب بمهمة عائلية لشراء ترويقة فتة من عند أبو عبدو الحمصاني الذي تلتقط الصور عنده وتطلعهم عليه وهذا ما لا يفعله أسوأ جهاز أمني بالعالم مع “رواده”…

وأشهر وأكبر جهاز استخبارات معروف بالعالم اليوم هو “الفيسبوك” الذي “يعتقل” حوالي 2 اثنين مليار من البشر يعرف كل شيء عنهم، ومن هنا يلغي ويحظر أي حساب غير معروف أو محدد الهوية، لا بل يقوم ببيع بيانات “نزلائه” لدول وأجهزة استخبارات ووكالات وهيئات لها مصلحة بمعرفة كل شيء عن مجموعات بشرية أو أفراد ما، ولهذا الجهاز الأخطبوطي الإليكتروني فروع كـ”الواتس آب” و”أنستاغرام”، وأجهزة أخرى بذات القوة والانتشار، كـ”تويتر”، وغوغل، و ” لينكيد إن”، و”ياهو”(المختص بالبريد ومعرفة مراسلاتك)، وسواها الكثير من “الأجهزة” و”الأفرع” الأمنية كل حسب تخصصه واهتماماته بشخصك الكريم…
ببساطة، أنت اليوم مجرد سجين إليكتروني مؤبد، وتشحط نفسك بنفسك، دون أن ترتكب أي جرم على الإطلاق..

About نضال نعيسة

السيرة الذاتية الاسم عايش بلا أمان تاريخ ومكان الولادة: في غرة حقب الظلام العربي الطويل، في الأراضي الواقعة بين المحيط والخليج. المهنة بلا عمل ولا أمل ولا آفاق الجنسية مجرد من الجنسية ومحروم من الحقوق المدنية الهوايات: المشاغبة واللعب بأعصاب الأنظمة والجري وراء اللقمة المخزية من مكان لمكان الحالة الاجتماعية عاشق متيم ومرتبط بهذه الأرض الطيبة منذ الأزل وله 300 مليون من الأبناء والأحفاد موزعين على 22 سجناً. السكن الحالي : زنزانة منفردة- سجن الشعب العربي الكبير اللغات التي يتقنها: الفولتيرية والتنويرية والخطاب الإنساني النبيل. الشهادات والمؤهلات: خريج إصلاحيات الأمن العربية حيث أوفد إلى هناك عدة مرات. لديه "شهادات" كثيرة على العهر العربي، ويتمتع بدماغ "تنح"، ولسان طويل وسليط والعياذ بالله. ويحمل أيضاً شهادات سوء سلوك ضد الأنظمة بدرجة شرف، موقعة من جميع أجهزة المخابرات العربية ومصدّقة من الجامعة العربية. شهادات فقر حال وتعتير وتطعيم ولقاح ناجح ضد الفساد. وعدة شهادات طرد من الخدمة من مؤسسات الفساد والبغي والدعارة الثقافية العربية. خبرة واسعة بالمعتقلات العربية، ومعرفة تامة بأماكنها. من أصحاب "السوابق" الفكرية والجنح الثقافية، وارتكب عدة جرائم طعن بشرف الأنظمة، وممنوع من دخول جميع إمارات الظلام في المنظومة البدوية، حتى جيبوتي، وجمهورية أرض الصومال، لارتكابه جناية التشهير المتعمد بمنظومة الدمار والإذلال والإفقار الشامل. يعاني منذ ولادته من فقر مزمن، وعسر هضم لأي كلام، وداء عضال ومشكلة دماغية مستفحلة في رفض تقبل الأساطير والخرافات والترهات وخزعبلات وزعبرات العربان. سيء الظن بالأنظمة البدوية ومتوجس من برامجها اللا إنسانية وطموحاتها الإمبريالية البدوية الخالدة. مسجل خطر في معظم سجلات "الأجهزة" إياها، ومعروف من قبل معظم جنرالات الأمن العرب، ووزراء داخلية الجامعة العربية الأبرار. شارك سابقاً بعدة محاولات انقلابية فاشلة ضد الأفكار البالية- وعضو في منظمات للدفاع عن حقوق الإنسان. خضع لعدة دورات تدريبية فاشلة لغسل الدماغ والتطهير الثقافي في وزارات التربية والثقافة العربية، وتخرج منها بدرجة سيء جدا و"مغضوب عليه" ومن الضالين. حاز على وسام البرغل، بعد أن فشل في الحصول على وسام "الأرز" تبع 14 آذار. ونال ميدالية الاعتقال التعسفي تقديراً لمؤلفاته وآرائه، وأوقف عدة مرات على ذمة قضايا فكرية "فاضحة" للأنظمة. مرشح حالياً للاعتقال والسجن والنفي والإبعاد ولعن "السنسفيل" والمسح بالوحل والتراب في أي لحظة. وجهت له عدة مرات تهم مفارقة الجماعة، والخروج على الطاعة وفكر القطيع. حائز، وبعد كد وجد، وكل الحمد والشكر لله، على عدة فتاوي تكفيرية ونال عشرات التهديدات بالقتل والموت من أرقى وأكبر المؤسسات التكفيرية البدوية في الشرق الأوسط السفيه، واستلم جائزة الدولة "التهديدية" أكثر من مرة.. محكوم بالنفي والإبعاد المؤبد من إعلام التجهيل الشامل والتطهير الثقافي الذي يملكه أصحاب الجلالة والسمو والمعالي والفخامة والقداسة والنيافة والعظمة والأبهة والمهابة والخواجات واللوردات وبياعي الكلام. عديم الخبرة في اختصاصات اللف والتزلف والدوران و"الكولكة" والنصب والاحتيال، ولا يملك أية خبرات أو شهادات في هذا المجال. المهام والمسؤوليات والأعمال التي قام بها: واعظ لهذه الشعوب المنكوبة، وناقد لحياتها، وعامل مياوم على تنقية شوائبها الفكرية، وفرّاش للأمنيات والأحلام. جراح اختصاصي من جامعة فولتير للتشريح الدماغي وتنظير وتشخيص الخلايا التالفة والمعطوبة والمسرطنة بالفيروسات البدوية الفتاكة، وزرع خلايا جديدة بدلاً عنها. مصاب بشذوذ فكري واضح، وعلى عكس منظومته البدوية، ألا وهو التطلع الدائم للأمام والعيش في المستقل وعدم النظر والتطلع "للخلف والوراء". البلدان التي زارها واطلع عليها: جهنم الحمراء، وراح أكثر من مرة ستين ألف داهية، وشاهد بأم عينيه نجوم الظهر آلاف المرات، ويلف ويدور بشكل منتظم بهذه المتاهة العربية الواسعة. مثل أمته الخالدة بلا تاريخ "مشرف"، وبلا حاضر، ولا مستقبل، وكل الحمد والشكر لله. العنوان الدائم للاتصال: إمارات القهر والعهر والفقر المسماة دولاً العربية، شارع السيرك العربي الكبير، نفق الظلام الطويل، أول عصفورية على اليد اليمين.
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا, كاريكاتور. Bookmark the permalink.

1 Response to سقا الله أيام المخابرات المحترمة التي كانت تأتيك وتشحطك ب-نصاص- الليالي

  1. س . السندي says:

    لما الاستغراب والعجب ، كنت ذات يوم عابراً بصديق كندي قادم من شرقنا التعيس جسراً يربط بين كندا وأمّريكا في منطقة “شلالات نياكرا السياحيةً التي تقع على حدود البلدين ” ؟

    وماهى إلا ثواني معدودة حتى طن هاتف كان مَعَه ، ففتحه فوجد فيه عبارة تقول “مرحباً بك في أمريكا ” ؟
    فقال وهو مستغرب ومندهش وغير مازح “وألله يبدو أننا مراقبون” ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.