سعي الحكومة التركية لتحويل كنيسة آيا صوفيا التي حوّلها أتاتورك إلى متحف في العام ١٩٣٤، إلى مسجد

المتحفية وسراب القوة

تتفاعل، في الآونة الأخيرة، مسألة سعي الحكومة التركية من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحويل كنيسة آيا صوفيا التي حوّلها أتاتورك إلى متحف في العام ١٩٣٤، إلى مسجد بالرغم من كونها مصنفة، منذ العام ١٩٨٥، ضمن لائحة التراث العالمي.
وقد شكلت هذه المسألة موضوعًا خلافيًا بين الدولتين التركية واليونانية، بحيث اعتبرت الأولى أن آيا صوفيا هي داخل الأراضي التركية، ولا يحق لليونان أن تملي على تركيا أي شرط بشأنها، بينما اعتبر وزير الخارجية اليوناني أن آيا صوفيا «لا تنتمي لا إلى اليونان ولا إلى تركيا» ولكنها إرث تاريخيّ مهم بالنسبة للمسيحية وللأرثوذكسية، ينبغي المحافظة عليه كما هو.

وفي السياق ذاته، تناول مسؤول العلاقات الخارجية في بطريركية موسكو التطورات المتعلقة بمستقبل آيا صوفيا، فأشار إلى أن «هذه الكنيسة، بالنسبة لملايين المسيحيين حول العالم، وخصوصًا الأرثوذكس، هي رمز بيزنطية ورمز الأرثوذكسية. فقد تم بناؤها في القرن السادس من قبل الامبراطور يوستينانوس ككنيسة أرثوذكسية، ولم تكن فقط معجزة العمارة في ذلك الوقت، ولكنها كانت أيضًا الكنيسة الأرثوذكسية الرئيسية للإمبراطورية الرومانية الشرقية. وهذه الكنيسة عزيزة علينا، نحن الروس، لأنه فيها شعر سفراء الأمير فلاديمير ، الذين حضروا الخدمة، أنهم لا يعرفون ما إذا كانوا “على الأرض أو في السماء”. ولما أخبروا الأمير فلاديمير بهذا الأمر، اتخذ قراره التاريخيّ بتعميد روسيا”.

وبناء على ما تقدم، شددّ سيادته على «أن أي محاولة لتغيير الوضع الحالي لآيا صوفيا، التي أصبحت الآن متحفًا، ستؤدي إلى فقدان التوازن الهش بين الأديان وبين الطوائف الموجودة حاليًا». كذلك أمل المطران بأن «تبقى هذه الكنيسة متحفا، وأن يكون الوصول متاحًا لجميع الراغبين بذلك، وألّا يأتي هذا النوع من الأحداث (الآذان داخلها) ليسبب توترا بين الأديان».

ربما يشكل هذا الكلام، الذي ورد ضمن برنامج تلفزيونيّ، أول تصريح رسمي يصدر عن مسؤول كنسي رفيع بشأن هذه المسألة، يذكّر بأهمية آيا صوفيا بالنسبة للعالم الأرثوذكسي، ويدعو إلى الحفاظ على وضعها الحالي، الذي يجعلها متاحة للجميع كمتحف. ولعل هذا الموقف، الذي يخرق الصمت الأرثوذكسي بشأن هذه المسألة، يأتي ليعوّض عن الصمت القسطنطيني، الذي يفرضه الأمر الواقع الذي تعاني من وطأته هذه البطريركية التي تُعتبر مؤسسة تخضع للقانون التركي، ويُحظَّر عليها التدخّل في الشؤون السياسية بحسب القانون الذي سمح لها بالبقاء في اسطنبول.

ولعل ما تقدم يدعو الأرثوذكس في العالم إلى تجاوز خلافاتهم من جهة، وإلى التركيز على جوهر رسالتهم، والانصراف إلى رعاية الإنسان بدلًا من تركيز كل جهودهم على بناء الحجر، الذي لا يصمد بوجه تقلبات التاريخ.
وحبذا لو يقودهم هذا الواقع الذي وصلت إليه أعظم كاتدرائية عرفها تاريخهم، والتي باتوا غير قادرين اليوم إلا على المطالبة بالمحافظة عليها كمتحف، إلى استخلاص العبر بأن مجدهم الحقيقي لا يأتي من السياسة، بل من عراء الذي عُلّق على خشبة من أجلهم.

ولعل كنيسة روسيا، التي تتهيأ لافتتاح أكبر كاتدرائية للقوات المسلحة، مدعوة بشكل خاص الى أن تتعلم ليس من خبرة القسطنطينية فحسب، لا بل من تاريخها القريب خلال المرحلة الشيوعية الذي برهن أن الكاتدرائيات العظيمة معرّضة كلها للإقفال أو الهدم، وأن لا شيء أبقى من الإيمان الذي يحمله الشعب الذي يُخلص لمسيحه الفقير.

لقد مرت القسطنطينية وموسكو، في بدايات القرن العشرين، في ظروف كادت تقود إلى اضمحلالهما، ولكنهما اليوم تكرران الأخطاء نفسها وكأنهما لم يتعلما شيئًا من تاريخهما الذي تعمّد بدموع المؤمنين وبشهادة القديسين. فهل يدرك الأرثوذكس أن المتحفية التي يقيمون فيها لا تُنبت إلا المتحفية، وأن لا شيء أبقى مثل البناء على صخرة الإيمان التي لا تتعايش مع أصنام جنون العظمة والنزاعات العرقية والخلافات على السلطة وسراب القوة في عالم يتدهرن ولا يفتش إلا على كلمة حياة؟

المصدر : كلمات وخواطر Kalimat w Khawater

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.