زيارة جديدة لموضوع الاقتصاد الإسلامي

بابكر فيصل/: موقع الحرة
تناولت في مقال سابق موضوع الاقتصاد الإسلامي وقلت إنه مجرد خدعة اخترعتها تنظيمات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وأوضحت أنه بحسب المفهوم العلمي لمعنى النظام الاقتصادي فإن العالم منذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم لم يعرف سوى ثلاثة أنواع من الأنظمة الاقتصادية: النظام الاقتصادي الرأسمالي والنظام الاقتصادي الاشتراكي والنظام الاقتصادي المختلط.
لفت انتباهي جدل جرى مؤخرا بين وزير الدولة بوزارة المالية والاقتصاد السودانية، مصطفى حولي، الذي يمثل حكومة الإخوان المسلمين، و”حزب التحرير الإسلامي”، حيث صرَّح الأول بأن “الاقتصاد المطبَّق في السودان إسلامي”، ولكن الأخير أصدر بيانا أكد فيه أن كلام الوزير “لا أساس له من الصحة، والقاصي والداني يعلم أن النظام الاقتصادي المطبق في السودان، وغيره من بلاد المسلمين، هو نظام رأسمالي، ولا علاقة له بالإسلام، لا في الأساس، ولا في الفروع”.
الذين يقولون بوجود نظام اقتصاد إسلامي عادة ما يأخذون بأحد الأنظمة الاقتصادية ثم يقومون بنسبته للإسلام
لا شك أن هذا الخلاف الكبير بين جماعتين من جماعات الإسلام السياسي حول طبيعة نظام الاقتصاد الإسلامي يؤكد ما ذهبنا إليه سابقا من أن الموضوع لا يعدو كونه محض شعارات لا وجود لها في أرض الواقع وإنما قصد منها استدرار عواطف جماهير المسلمين من أجل تحقيق مكاسب سياسية لتلك الجماعات.
غير أنني لا أسعى من خلال هذه السطور للعودة مرة أخرى لنفي وجود شيء اسمه الاقتصاد الإسلامي، ولكنني أهدف إلى زيارة الموضوع عبر تفنيد ادعاءات حزب التحرير الإسلامي حول الأسس التي يقوم عليها ذلك النظام الاقتصادي الذي لا يوجد إلا في خيال أتباع الحزب ولا مكان له في علم الاقتصاد المعاصر.


يقول حزب التحرير في بيانه إن “سياسة الاقتصاد في الإسلام هي ضمان تحقيق الإشباع لجميع الحاجات الأساسية لكل فرد، إشباعا كليا، وتمكينه من إشباع الحاجات الكمالية بقدر المستطاع، وقد حدد الإسلام الحاجات الأساسية في المأكل، والملبس، والمسكن، لكل فرد من أفراد الرعية، والتطبيب، والتعليم، والأمن، لمجموع الناس”.
الحديث الطوباوي أعلاه لا يمثل شيئا سوى أمنيات ورغبات متوهمة لم تتجسد في نظام اقتصادي يمكن أن يسمى إسلاميا سواء في الماضي البعيد أو الحاضر الماثل، فهو مجرَّد كلام إنشائي عام يمكن أن يصدر عن أي جهة، ذلك لأن المدارس الفكرية الاقتصادية عبر التاريخ هدفت لإشباع حاجات البشر الأساسية، لكن الخلاف الرئيسي بينها ظل كامنا في الكيفية التي يتم بها إشباع تلك الحاجات، وهو السؤال الذي لم تتم الإجابة عليه من قبل حزب التحرير الإسلامي.
النظم الاقتصادية الثلاثة التي ذكرناها (الاشتراكية والرأسمالية والمختلطة) سعت لإشباع حاجات البشر عبر صياغة أنواع مختلفة من العلاقات والقواعد والمؤسسات التي ترتكز على منظومات معقدة من الآليات الإدارية والإنتاجية التي تحكم التفاعل بين حاجات البشر والموارد الاقتصادية المتاحة، وهو الأمر الذي يفتقده ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي، حيث يكتفي دعاته بإطلاق مقولات وشعارات يعجزون عن تجسيدها في أرض الواقع لأنها لا ترتقي لأن تشكل نظاما بالمعنى المذكور.
ولهذا السبب فإننا نجد أن الذين يقولون بوجود نظام اقتصاد إسلامي عادة ما يأخذون بأحد تلك الأنظمة الثلاثة ثم يقومون بنسبته للإسلام بعد أن يقتطعوا بصورة انتقائية بعض الآيات القرآنية والأحاديث التي تؤيد أحد تلك الأنظمة، وهو ما يفسِّر ادعاء الوزير السوداني بأن النظام المطبق في بلده إسلامي، في الوقت الذي يعرف فيه كل من لديه إلمام بسيط بعلم الاقتصاد أن ذلك البلد يطبق اقتصاد السوق الحر (الرأسمالية) ولا شيء سواه.
ومن ناحية أخرى، فإن أهل الإسلام السياسي لا يكتفون بتبني أحد الأنظمة الاقتصادية المذكورة ونسبته للدين الحنيف استنادا إلى القرآن والسنة، بل إنهم يستخدمون الآيات والأحاديث أيضا لتحريم بعض الأنشطة التي تقع في إطار المعاملات الاقتصادية والمالية التي تتضمنها تلك النظم مثل سعر الفائدة والجمارك والضرائب.
فقد جاء في بيان حزب التحرير أن الإسلام “حرَّم المكوس “الجمارك”، والضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات، باعتبارها أكلا لأموال الناس بالباطل، ودخولا في أسعار المسلمين بإغلائها”، ويستشهدون على تحريم الجمارك بالقول المنسوب للنبي محمد: “لا يدخل الجنة صاحب مكس”، كما أنهم يقولون بحرمة الضرائب غير المباشرة استنادا إلى الحديث: “من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليُغليه عليهم فإن حقا على الله تبارك وتعالى أن يُقعده بعظم من النار يوم القيامة”.
النظام الاقتصادي الإسلامي ليس سوى وهم كبير يعيش في أذهان دعاته ولا وجود له في أرض الممارسة والواقع
إن القول بتحريم الجمارك والضرائب غير المباشرة يعكس جهلا كبيرا بطبيعة النظم الاقتصادية المعاصرة، ذلك لأن الجمارك وغيرها من الرسوم المالية والضرائب تشكل القسم الأكبر من إيرادات الخزينة العامة التي تستخدمها الحكومات في تحريك الاقتصاد وتمويل المشاريع التنموية، بالإضافة لحماية المنتجات الوطنية من المنافسة الأجنبية، وبالتالي فإنه يصعب تصور الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها الدولة مسؤوليتها تجاه المواطن دون تحصيل تلك الرسوم.
مناداة حزب التحرير بتحريم الجمارك والضرائب غير المباشرة لا يمثل سوى وجهة نظر أحادية في تفسير آيات القرآن والأحاديث النبوية، حيث أن هناك العديد من تيارات الإسلام السياسي، ومن بينها جماعة الإخوان المسلمين، التي لا تعتبر أن الجمارك جزءا من المكوس المحرمة، ذلك لأن غرض جبايتها من الأفراد ليس إغلاء أسعار السلع أو نهب أموال المواطنين، بل هو إعادة إنفاقها لصالح المجتمع ككل من خلال تمويل المشروعات الحكومية العامة وتقديم الخدمات مثل التعليم والصحة وغيرها.
إن عجز دعاة نظام الاقتصاد الإسلامي عن الاتفاق حول المحددات النظرية وفلسفة وأهداف ذلك النظام، فضلا عن فشلهم في صياغة العلاقات والقواعد والمؤسسات والآليات التي تحكم عمله، يُعضد وجهة نظرنا القائلة إن ذلك النظام ليس سوى وهم كبير يعيش في أذهان دعاته ولا وجود له في أرض الممارسة والواقع.

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.