#زياد_الصوفي: تفاصيل نهار عادي بسجن تدمر في نظام #الاسد

الكاتب السوري زياد الصوفي

بعد ما خلصت حفلة الاستقبال، و بعد ما انتهت رحلة النظافة و موس الحلاقة على أجسامنا ، و بعد ما خلصنا من مرحلة الذل الاولى بالطريق الى حالة ذل تانية.. إجا دور فرزنا نحنا الزائرين الجدد على الزنازين بحسب التهم الموجهة إلنا..
البسنا تيابنا و ساقونا بصف واحد باتجاه الساحة الرئيسية المشؤومة، الساحة اللي بتنطبخ فيها كل العقوبات و بتتنفّذ على أيدين بعض الساديين الاسديين اللي بعتقد بيختاروهون عالمسطرة لتشابههم بكلشي…
بديت يومها اكتشف ملامح السجن ، و اهتم بكل التفاصيل الموجودة فيه، فمروراً عبر الساحات و بالطريق للساحة الرئيسية و بوحدة منها، بشوف مساجين متجمعين بصدر الساحة منتظرين بلهفة و بعيون مرتعبة شي معين، بعرف مع مرور الوقت أنو هالمنطقة هيّة المكان المخصص لانتظار المساجين اللي عندهون زيارة..
على يمين هالصف زنزانة مفتوحة عالآخر، و المساجين اللي فيها واقفين برّا باستسلام غريب ما بحياتي شعرت فيه..
شباب و رجال كبار عم يقرو الجريدة على باب هالزنزانة، و صوت التلفزيون طالع من جوا..
استغربت كتير هالمشهد، و قلت بقلبي خي أخيرا شفت شي بيطمّن بهالسجن، و ما كنت بوقتها عرفان انّو هالزنزانة للمحكومين إعدام و قاعدين فيها بانتظار تنفيذ الحكم، و ما كنت على علم لوقتها انو في تعليمات لإعطاءهم جرائد يومية و السماح الهون بتلفزيون على اعتبار انو عم يقضوا اللحظات الاخيرة من حياتهون..
منوصل عالساحة الرئيسية للسجن، و كان بانتظارنا مساعد بدي يصرخ و يسب بشكل لا إرادي و كأنها جزء من تأدية عملو :
– هنتو الحيوانات الجداد؟؟ ايه جعلو لا أهلا و لا سهلا..لو مانكن مجرمين ولاد كذا أبتدخلو لهون..
اسمعو علي يا ولاد الكلب: أحاديث جانبية ممنوعة، أحاديث مع المحكومين إعدام ممنوعة أو بوعدكن تنضبّوا معهون، أحاديث مع تجار و مهربين المخدرات ممنوعة..
و بلهجة تحدّي و بصوت عالي بعد ما أطربنا بلائحة الممنوعات صرخ :
– و يا ربكن تنسوا هالكلام..
و هوّة قال هالكلمة، و كأنو عطا كلمة السر للعناصر المتربصة و الناطرة ببواريدها و خيزراناتها على طول الساحة و عرضها..
– و يا ربكن تنسوا هالكلام ..


و ركضو العناصر من كل قرنة على صوت واحد و مسبة وحدة بالخيزرانات و بدو يضربونا باليمين و الشمال ، و بأي مطرح بتنزل فيه خيزرانات الحقد.. لحقني من هالحفلة خيزرانتين على ضهري ضلّيت معلمة لوقت طويل بعد هالحفلة..
– هالقتلة منشان ما تنسو الممنوعات اللي قلتلكن ياها ، فهمانين يا أخوات الكذا ؟؟
بيبدا فرز الشباب، و بيجي حظي ونصيبي بالزنزانة رقم ٦بالساحة رقم 5 ..
كان بانتظاري عرّيف الزنزانة أبو العبد شب من مصياف، استقبلني بمحبة و قلي انت هون بأمان إذا بتسمع شو بطلب منك، رح نعيش سوا هون و الله اعلم ايمات انت بتمشي او انا بمشي ، و رح نشرب كاس هالموت كلنا سوا و بالتساوي..
بالساحة رقم ٥ ، شباب لابسين تياب زرقا موحدة عم ينضفو أرض السجن كل الوقت، باسألو لابو العبد ليش هدول لابسين هيك و ليش هنن اللي عم ينضفو؟؟
بيقلّي انو هدول الشباب الفارين من خدمة الجيش، و بيتعاملو معهون هون أسوء معاملة..
النهار بيبدا بتدمر الساعة ستة الصبح..بتنفتح أبواب الزنزانات .. الفطور الساعة سبعة و نص، الغذا الساعة 12 و العشا الساعة 3.. و ممنوع بعد التلاتة الأكل أو الشرب أو تدخيل أي شي لجوا الزنزانة..بينقفل الباب الساعة 3 و نص ، و مننحبس جوا حيطان الزنزانة لتاني يوم الصبح..
علي يميني راغب من مضايا، و على يساري عبدالله من بانياس..
و الزنزانة عبارة عن مستطيل طويل بباب واحد مفتوح عالساحة، و أربع طاقات بالسقف منشان مراقبتنا..و لمبة صغيرة باتضل شاعلة ليل و نهار..
من الساعة 3 و نص الكل قاعد على فرشتو، و ممنوع أي حديث جانبي باستثناء صوت حكواتي الحبسة..
الحكواتي شخص بيعينو عريف الزنزانة منشان يحكي قصص و حكايات، هوّة الوحيد المخوّل بالحديث، و ممنوع حتى التعليق على حديثو أو حتى سؤالو..
عشر ساعات يومياً كنت مضطر أسمع لحديث طه هالشب الشامي من زملكا و هوّة عم يقص علينا حكايات و قصص كنت بتمنى أنو ما أسمعها لسخافتها و تكرارها بشكل يومي.. و المسكين مانو أسعد مني بهالمهمة بس مضطر إجباري عنو..
إجا الليل و بدي الترقيم..
العريف باكتشف بعدين أنو مضطر يقدّم خمس أسماء كل يوم الصبح لسوء السلوك أو هوّة بياكلها عن الكل..فالشباب اللي جوّا كانو عاملين ورديات للترقيم، كل يوم كنا نعرف مين طالع عالعقوبة من الصبح..دوري كان يجي كل خمسة أيام اطلع فيها عدولاب الصبح..
مرة من المرات طلعو الشباب الخمسة الصبح و اتأخرو بالرجعة.. لما رجعو بعد ساعتين، ما فيني أنسى منظرهون.. كل وجهون عم يدمي و تيابهون كلها مشرطة، بيحكولنا بعد ما دخلو أنو من سوء حظهون اليوم مدير السجن هوة اللي نفذ العقوبة بأيدو.. كان مناوب ليلتها و الهيئة سكران طينة و فش خلقو بخلق الله..
من يوم ما شفت هالمنظر، صرت بصراحة آكول هم دوري بالفلقة بالوقت اللي من قبل ما كنت حتى أحسب حسابها، أنّو كاس عكل الناس و اليوم حصتي..
هيدي تفاصيل نهار عادي بسجن تدمر، يوم متل كل يوم.. حبيت احكيلكون عنّو منشان تفهمو بالإيام الجاية أنو التفاصيل هية الحالة العادية بسجن تدمر ،أمّا اليوم العادي بدون تفاصيل هوة الاستثناء..

About زياد الصوفي

كاتب سوري من اللاذقية يحكي قصص المآسي التي جرت في عهد عائلة الأسد باللاذقية وفضائحهم
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.