زواج مدنى موحد ضرورة للدولة المدنية الحديثة

د . منى حلمى

أتابع ردود الأفعال التى صاحبت قضية زواج المسلمة ، من غير المسلم ، التى قالت بها مؤخرا د . آمنة نصير ، حيث أوضحت : ” أنه لا يوجد نص صريح يحرم زواج المسلمة من غير المسلم ” .
لم تكن ردودا منطقية ، تجادل ، وتستمع ، وتتأمل الواقع المتغير ، بل كانت
قنابل من الهجوم متعدد الجهات ، والأبعاد ، والأهداف ، صاحبته رصاصات من
الاستهزاء ، والتهكم ، والافتراءات . ووصل الحد الى تقديم بلاغات لمنع د . آمنة نصير ، من اعلان أرائها فى الاعلام ، لأنها تثير البلبلة ، وتنشر الفتن ، وتقسم المجتمع المتماسك ، وتهدد الأسرة المسلمة ، وعزوة المسلمين ، وخطر على اسلام الوطن ، ومعتقداته الراسخة الصالحة لكل البشر ، ولكل زمان ، ولكل
مكان ، وأنها أنكرت وخالفت ” المعلوم من الدين بالضرورة ” ، مما يوقعها
تحت طائلة ” ازدراء الأديان ” .
رجال الدين ، على اختلافهم ، اتفقوا على رد الفعل نفسه ، أن فتوى
د . آمنة نصير ، كلام فارغ ، ينم عن الجهل ، وعدم ادراك لعواقب الأمور . هذا بالطبع غير التعليقات الغاضبة المتهمة ، السائرة على النهج نفسه ، فى مواقع التواصل الاجتماعى ، والتى أصبحت مخترقة بجنود الدولة الدينية ، وأصحاب الارهاب الفكرى ، وأصحاب اللغة المتخصصة فى الشتائم ، والألفاظ البذيئة .
اذا كانت د . آمنة نصير ، امرأة مسلمة ، محجبة ، أستاذة العقيدة والفلسفة ، بجامعة الأزهر ، ونائبة فى البرلمان المصرى ، وينالها كل هذا الهجوم المتعدد ،
من أشخاص يعتقدون أنهم ” أفضل ” ، و ” أعلم ” ، و ” أكثر ادراكا ” ، منها
فى التفكير ، ومقاصد الدين ، وحماية الاسلام ، والأسرة المسلمة ، وعزوة
المسلمين ، فأين اذن الأمل فى اعمال العقل ، وتجديد الخطاب الدينى ، وتحقيق
مكارم الأخلاق ؟؟.


منذ نهايات عام 2014 ، منذ مطالبة الرئيس السيسى ، بضرورة تجديد
الخطاب الدينى ، لم يحدث انجاز واحد .
وكأن هذه المؤسسات المستأمنة على خير الوطن ، ونهضته ، وتقدمه ، لا يعنيها
خير الوطن ، ولا نهضته ، ولا تقدمه . ثبت بمرور الوقت ، وبكيفية تفاعلها
مع الأحداث ، أنها لا يعنيها ، الا ” الثبات ” ، و” تكرار السلف ” ، و ” معاداة
العقل المفكر ” ، و ” اتهام النقد المسالم ” ، و” رفع دعاوى ” ضد منْ يجرؤ
على السباحة ضد التيار .
أوضحت د . آمنة نصير ، أنه لا يوجد نص صريح ، يحرم زواج المسلمة ،
من غير المسلم ، طالما أ أن الزوج غير المسلم ، لا يمنع زوجته المسلمة من أداء كافة التزاماتها الدينية الاسلامية ، بالضبط مثلما الزوج المسلم لا يمنع زوجته غير المسلمة ، من الابتعاد عن دينها . كان يكفى هذا الضمان ، لكل منْ يهمه
” جوهر ” الدين ، و ” جوهر الاسلام ” ، أن يرحب بفتوى د . آمنة نصير ، وأن
يقف الى جانبها ضد شراسة الهجوم والاتهامات . واذا كان ” جوهر ” الدين ،
و” جوهر الاسلام ” ، لا يهمهم ، ترى ما الذى حقا يهمهم ؟؟. ما الذى حقا يحشد
كل هذا الهجوم متعدد الأطراف ؟؟. ما الذى يشكل الدافع الرئيسى وراء احكام الحصار حول هذه الفتوى وصاحبتها ؟؟.
نذكر عندما طالب الرئيس السيسى ، بالغاء الطلاق الشفهى ، ادراكا منه
أنه من العوامل الأساسية ، لتفكيك وتشريد وتعاسة الأسرة المصرية المسلمة ،
حيث بكلمة واحدة شفهية ، يطلق الزوج زوجته ، ويعرضها للمذلة والهوان ،
هى والأطفال ، خاصة اذا كانت فقيرة ، بلا عمل ، بلا مأوى . بهرتنى شجاعة
رئيس مصر ، الذى يضرب فى مقتل التوجه الذكورى لسلطة الرجل المطلقة فى قوانين الأحوال الشخصية ، وكنت متأكدة أن طلبه سوف يقابل بالرفض المطلق ،
من قبل المؤسسات الدينية الرسمية . وهذا ما حدث بالفعل . لا يهم كرامة الزوجات ، لا يهم مستقبل الأطفال ، لا يهم العدالة بين الزوج وزوجته فى
الحقوق . لا شئ يهم ، الا حماية ” سُلطة ” الرجل التى لا يخدشها شئ ،
والتى تفترس منْ يواجهها بكل الأسلحة ، دون هوادة . فحقوق الرجال ،
” مقدسة ” ، وحقوق النساء ” مدنسة “.
قراءة الواقع تؤكد لنا ، شئنا او أبينا ، أن تجديد الخطاب الدينى ، فى قوانين الأحوال الشخصية ، مستحيل ، وأنه أرض ممتلئة بالألغام ، تنفجر فى وجوهنا من حين لآخر . يقولون لنا جددوا ، ولكن بعيدا عن قوانين الزواج والطلاق . كيف ، وقوانين الزواج والطلاق والأحوال الشخصية ، هى القوانين الوحيدة ” الدينية ” ،
فى المجتمع ، وبقية حياتنا تنظمها القوانين المدنية ؟؟.
اذن الحل هو ، اقرار زواج ” مدنى ” ، موحد لكل المصريات والمصريين .
زواج مدنى ، يحقق العدالة بين الزوج والزوجة فى الحقوق ، زواج مدنى يتغير
بزيادة رقى وعى الناس ، وزيادة رغبتهم فى بناء أسرة سعيدة ، قوية ،
متماسكة .
الزواج المدنى ، لا يحقق فقط مبدأ ” المواطنة ” من الجذور ، ويضع الوحدة الوطنية ، مدعمة بأهم قانون فى الحياة ، لكنه أيضا ، حماية للحاضر والمستقبل ،
حيث يقطع الطريق الى الأبد ، لمنْ لا نعرفهم ، أو نعرفهم ، الذين يزايدون على الدين ، لاعاقة هذا الوطن من التقدم ، وحماية وجودهم ، ومصالحهم ،
وتسلطهم على العقول .
هؤلاء ، كم يكرهون الرقى الحضارى .. كم يكرهون العدالة .. وكم يكرهون النساء .
الشعب المصرى ، له لغة واحدة ، وتاريخ واحد ، له هموم واحدة ، ومناسبات
وطنية واحدة ، له برلمان واحد ، ورئيس واحد ، كيف ، ولماذا ، لا يكون له ،
قانون زواج مدنى واحد ؟؟. انه الطريق السريع المختصر ، لقوة الوطن ، وتماسك الأسرة المصرية ، وكسر الذكورية .

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.