رمضان أسبق من كورونا!

سناء العاجي

في المغرب، إلى جانب أخبار الجائحة، والتداعيات الاقتصادية، وأرقام العدوى، وعدد الاختبارات التي يتم إجراؤها يوميا؛ يمكنك، ذات صباح، أن تصادف خبرا مفاده “توقيف شابين في الثلاثينيات من العمر ضُبطا متلبسين بالإفطار العلني بين الأشجار”… بينما تتحدث مصادر أخرى عن إيقاف خمسة آخرين في أماكن متفرقة، بنفس “التهمة”.
الخبر ليس نكتة… ولا هو موضوع كاميرا خفية رمضانية. هو للأسف ترجمة للبؤس الحقوقي والقانوني… وحتى لبؤس المنطق الذي نعيش به ونتعايش معه؛ وذلك في وقت يمر فيه المغرب (كما العالم) بظروف استثنائية وبأزمة صحية عالمية تقتضي أن تركز الدولة جهودها في التصدي للجائحة صحيا واجتماعيا واقتصاديا.
ومع ذلك، تجد السلطات الوقت والفرصة، بل والتبرير المنطقي، لإلقاء القبض على أشخاص راشدين بتهمة عدم الصوم.
خارج “داعش”، أين تصبح عدم ممارسة فريضة دينية، موجبة لعقاب من طرف السلطة؟
ثم، لنعد لأبجديات القضية: هل نصَّ القرآن على عقوبة السجن (من طرف السلطة) أو العنف (من طرف الأفراد) في حق غير الصائم؟
هناك اليوم في المغرب فصل في القانوني الجنائي يعاقب بالسجن كلَّ شخص عرف بكونه مسلما (كيف يُعرَف بأنك مسلم؟ هل يكفي أن تولَد لأبوين مسلمين لكي تكون بدورك مسلما؟) ضبط متلبسا بعدم الصوم في الفضاء العام.
ليس دور الدولة أن تحرص على دخولنا الجنة. دور الدولة أن توفر الصحة والتعليم والأمن والبنيات التحتية. أن تضمن التعايش بين المواطنين على اختلاف معتقداتهم
وهذا يطرح مستويين من العبث، يفترض في الواقع أن يكونا مصدر ألم حقيقي لكل منا:
أولا، هناك اليوم جائحة صحية عالمية اسمها كورونا. هناك أفراد يخرقون الحجر ويعرضون حياتهم وحياة وصحة غيرهم للخطر. هؤلاء يحتاجون للمراقبة ما لم تكن لهم أعذار معقولة. في كل يوم نسمع عن بؤر جديدة للفيروس… نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لأن تقوم السلطات بدورها في فرض احترام إجراءات الحجر الصحي وتتبع المخالفين. أما من يصوم أو يفطر، فله علاقة مع ربه يجازيه أو يعاقبه عليها.
الحماية من جائحة كورونا أكبر من مراقبة معتقدات الآخرين.
هذا طبعا إن كان من المنطقي أساسا أن نراقب معتقدات الآخرين… قبل كورونا وخلالها وبعدها.
ما الذي يفرقنا عنها حين نعاقب بالسجن النافذ شخصا راشدا اختار ألا يطبق إحدى شعائر دين الأغلبية، حتى لو لم يكن له أي عذر شرعي؟
وهذا هو المستوى الثاني من العبث: لا مكان للفصل 222 من القانون الجنائي في دولة تحترم نفسها ومواطنيها. لا يمكننا أن نعبئ كل أجهزة الأمن والقضاء ومديريات السجون، ونحرم مواطنا من حريته ونمتهن كرامته… بسبب ممارسة (أو عدم ممارسة) دينية. ما الفرق بيننا وبين السلطات الدينية المتطرفة التي تعاقب الناس لأنها، من منظور منطقها الخاص، تراهم مخالفين للشريعة؟ ألسنا نُستَفَزّ من “داعش” التي تعتقل الناس أو تعاقبهم بسبب خصلة شعر ظاهرة أو صلاة لم تؤدَّ في وقتها؟ ما الذي يفرقنا عنها حين نعاقب بالسجن النافذ شخصا راشدا اختار ألا يطبق إحدى شعائر دين الأغلبية، حتى لو لم يكن له أي عذر شرعي؟
منذ متى كان دور الدول والحكومات، مراقبة تدين أو عدم تدين الآخرين؟
لعلنا نحتاج لتكرارها كثيرا، حتى يستوعبها العقل: ليس دور الدولة أن تحرص على دخولنا الجنة. دور الدولة أن توفر الصحة والتعليم والأمن والبنيات التحتية. أن تضمن التعايش بين المواطنين على اختلاف معتقداتهم.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، قد يكون مشروعا أن نعتبر أن للدرك والشرطة دورا أهم بكثير من تتبع وضبط “أشخاص راشدين يأكلون بين الأشجار!”.

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.