رسالة مفتوحة للسيد سيرجي لافروف وزير خارجية الاتحاد الروسي

لافروف والماركسية البوتينية

د. عبد الحميد فجر سلوم
مرحبا.. بريفيِّت .. Привет ..
أوجِّهُ هذه الرسالة عبر أشهر الصحف الإلكترونية العربية من لندن، وأعرفُ أنَّ لديكم جهات تُتابعُ كل ما يُكتَب بها يوميا..
** من حقّنا أن نعتَبْ.. بل من حقِّنا أن نغضب**
أوّلا: جبالنا اشتعلت في بدايات أيلول بالحرائق، وعلى مقرُبة من قواعدكم العسكرية في الساحل، وأمام أنظاركم، وبدلَ أن تُرسِلوا حالا طائرة إطفاء ضخمة إلى مطار حميميم، كما تلك التي أرسلتموها إلى إسرائيل في تشرين الثاني عام 2016 ، وكما تلك التي أرسلتموها إلى تركيا في حزيران 2020 ، فقد اكتفيتم بالفرجة على ألسنة النيران وهي تأكل الأخضر واليابس، ونَقلِ أخبارها عبر وكالة سبوتنيك، وعبر فضائية ” روسيا اليوم” .. فهل يُعقَل أنه لم يطلُب منكم ذلك ولا مسؤول سوري؟.
ثانيا: نعاني منذ سنوات من نُدرَة الغاز والبنزين، وروسيا أكبر مُنتج ومُصدِّر للنفط وللغاز في العالم، وأنابيب الغاز (مشروع قوّة سيبيريا) وصلت للصين بطول 3000 كم.. وإلى ألمانيا عبْرَ خط ( السيل الشمالي2 أو نورد ستريم 2 ) لتُغذِّي شمال أوروبا.. ووصلت إلى تركيا عبر خط الأنابيب الجديد (تُرْك ـ ستريم) لِتُغذِّي جنوب أوروبا، فكمْ تبعُد سورية عن تركيا؟. ألمْ يكُن مُمكنا تزويد سورية كل فترة في ظل هذه الظروف الاستثنائية والصعبة، بباخرة مليئة بالغاز تنطلق من خزّاناتكم في تركيا إلى سورية؟. ومثلها باخرة مليئة بالنفط كل فترة لأجل البنزين والمازوت؟..
ثالثا: توقّع كثيرون، وأنا منهم، أن تزفُّوا لنا بُشرى حين زيارتكم لدمشق في 7/9/2020 أن هذه البواخر المليئة بالغاز والنفط ستصلُ إلى سورية قبل مُغادرتكم لها.. بل كم كان جميلا منكم، لو أن هذه البواخر سبقت زيارتكم بيومٍ أو يومين.. بدل أن ” نُبشَّرْ ” بُشرى أشبهُ بطبخة البحص الشهيرة، بأن الأحوال سوف تتحسن بعد أيام وأشهر، أي بعد إنجاز المشاريع الروسية الأربعين المُزمعة في سورية، أي بعد سنتين أو ثلاثة.. لا أعرف كم سوري سوف يموت في غضون هذا الزمن..

هل سمعتم بتلك الأم السورية التي كانت على ظهرِ مركبٍ في طريقها إلى قبرص، فتاهَ المركب في عرضِ البحر، وانعدمَ لديهم الطعام والماء، فمات طِفلها من الجوع، فرمتهُ في الماء وقلبُها يتقطّع؟. هذا عار على كل البشرية..
رابعا: لدى زيارة وفدِكم إلى دمشق في 7 أيلول 2020 ، تحدّث نائب رئيس وزرائكم ” يوري بوريسوف ” في المؤتمر الصحفي، وقال: إن سورية وروسيا تربطهما علاقات شراكة في مُختَلف المجالات ويجري العمل على تعزيزها.. فأَلا تقتضي أصول هذه الشراكَة أن تقفوا مع الشعب في ظلِّ هذه الكارثة المعيشية التي يعيشها، وتُخفِّفوا عنه؟. نحنُ نتحدّث عن صداقة وأنتم تتحدّثون عن شراكَة، والشراكة لا تعني الصداقة، أما الصداقَة فتعني كل شيء..
خامسا: تحدّث السيد بوريسوف عن أكثر من أربعين مشروع روسي جديد ( ويجب التوقُّف عند كلمة جديد) أي هناك مشاريع قديمة، فماذا استفاد الشعب السوري من تلك المشاريع، وماذا سيستفيد من المشاريع الجديدة؟. هذا هو السؤال.. ما نراهُ أن الأحوال المعيشية تتردّى كل يوم أكثر.. نريد أن نلمسَ تحسُّنا، ولو طفيفا، في مستوى معيشة الشعب، وليس فوائد فقط لروسيا..
سادسا: مهما قدّمتم لسورية، لا توفونها حقّها.. فمِن أراضيها استعادت روسيا دورها العالمي الذي كان في برّاد الجُثث.. وباتَتْ لها قواعد جوية وبحرية وبرية ومنتجعات خاصّة شرق المتوسط بمُحاذاة أوروبا، وهذا كان حُلُما في الماضي ..
وفوق أراضيها جرّبتم أكثر من 500 سلاح روسي جديد، بِتجارُب حيّة وميدانية، أكسَبتْ جيشكم خبرة واسعة، وتفاخَرَ رئيسكم بذلك، وزادت مبيعاتكم للأسلحة.. فهل سورية هي فقط لتجربة الأسلحة الجديدة والصواريخ الباليستية، وللمكاسب التجارية والاقتصادية والاستثمارات؟. وماذا عن حياة شعبها المعيشية والاجتماعية؟. ألَا يهمُّكم ذلك؟. أم تُطبِّقون علينا المثل الشعبي: انطُرْ يا (كْد…ش) حتى ينبُتْ الحشيش..
من اليوم وحتى ينبُت الحشيش قد لا يعيش (الكْد…ش). إنّهُ يحتاج للحشيش اليوم قبل الغد كي يأكل ويعيش.. يا ليتكم تُدركون ذلك.. فالموتُ يسيرُ والناس تسيرُ خلفَهُ وهي جائعة، ومن يبقى خلفَهم من الأهل والأحبة لا يملكون سوى الدموع ، بعد أن احترقت الأحراش والغابات وأشجار البلُّوط والأرز والسنديان، التي كانت تُزوِّدنا بأكسجين الحياة.. وبعد أن سرَق الأشرار، الأفاعي أولاد الأفاعي، نفطُنا وقمحُنا وزيتون بلادنا.. وأجزاء واسعة من أراضينا..
نعم مأساةُ بلادي جزءا من مآسي العالم ولكن فاقتها جميعا.. إنها مأساةٌ خرساء حبلت بها رؤوس الأفاعي والعقارب والثعابين، وولّدتها عندنا..
وإلى شعبيَ المكلوم الذي لا يرى سوى شبَحُ الفقر والغلاء مُنتصِبا أمامه، فليس لكُم سوى الدموعُ والابتسامات..الدموع التي تُريح النفوس والصدور.. والابتسامات التي تزرع الأمل والتفاؤل.. فجميعنا مُتيَّمون بِعشقِ سيِّدة واحدة جميلة ورائعة اسمها سورية.. نركعُ جميعا أمام قُدسيةِ كعبتها.. إنها الحياة التي تغمرُ وجداننا وعقولنا وضمائرنا وتفكيرنا بالوعود والآمال.. وما أقولهُ بلسانٍ واحدٍ يقوله الآلاف بألسنةٍ عديدة..
مع خالص الاعتبار
كاتب سوري ووزير مُفوّض دبلوماسي سابق

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.