رسالة إلى المُشكِّك-ة في الكتاب المقدَّس


بقلم✍️ رياض الحبيّب، خاصّ: مفكّر حُرّ
…….
نقرأ في كلّ من لوقا 4: 18 وإشعياء61: 1 وإشعياء42: 7 {رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ المَساكِين، أرسَلَني لأَشفِيَ المُنكسِرِي القُلُوب، لأُنادِيَ لِلمَأسورين بالإطلاق ولِلْعُمْيِ بالبَصَر، وأُرسِلَ المُنسحِقِينَ في الحُرِّيّة}+ فقلت في نفسي: لعلّ الرّبّ أرسلني أيضًا لأُبَشِّرَ المُشكِّك-ة في الكتاب المقدَّس والسُّذَّج- مَساكِين العقل

أمّا بعد فقد كثرت في أيامنا المفعمة بحب الاطّلاع عبر وسائل التواصل الاجتماعي شكوك في الكتاب المقدَّس، يمكن تلخيص بعضها بأن “كاتب التوراة شخصية خرافية” وأنّ أحداث التوراة “افتقرت إلى وجود وثائق تاريخية من خارج الكتاب المقدَّس” هذه بالإضافة إلى افتراءات غبية على الكتاب المقدَّس صدرت عن أنصاف المثقفين المعروف عنهم أنهم “أخطر من الجهلة” ومنها ما معناه “أنّ العبرانيّات- اليهوديّات- سرقن الذهب من المصريّات لبناء العجل الذهبي” وبين المشكّكين والمفترين أسماء لشخصيات معروفة ومحترمة ومن حَمَلة “شهادات أكاديمية” ولهم أنصار كثر بحسب علامات الإعجاب سواء على مقالاتهم وعلى مقاطع فيديوهاتهم، بما في هذي وتلك من جهل وافتراء. فلمّا شاهدت مقطع فيديو على يوتيوب لأحدهم شككت في حيازته شهادة “دكتوراه” ابتداء بالدقائق الأولى التي مضت على كلامه، فتوقفت عن المشاهدة ذاهبًا إلى التحرّي عن سيرته المدوَّنة على ويكيبيديا؛ فوجدتُ أن شهادته صادرة عن جامعة أميركية وهمية، شأنه شأن كثيرين من حملة شهادات غير معترف بها إلّا في البلدان المتخلِّفة غالبيّتها حضاريًّا والمغيَّبة عقليًّا أيضًا. فنادرًا ما وجدت سعة الاطّلاع والإحساس المرهف والضمير الحيّ، قطعًا بين فئة الأقلّيّة- الفئة التي ما تزال تعاني من اضطهاد الأغلبية ومن التهميش ومن السخرية



ولقد علمنا تاليًا بوجود مؤرخين كتبوا عن صلب المسيح، مثالًا: يوسيفوس اليهودي، فلم نسمع عن مؤرخ عاش قبل حوالي 3500 سنة ولا عن وجود كتاب تاريخي أصلا! أمّا الآثار القديمة فأنها تعرضت لتقلبات الطقس وتحديات الطبيعة، إلّا الكتاب المقدَّس إذْ بقيَ محفوظًا! فوصل إلينا هذا الكتاب لأن ربّه قال للنبي إرميا: {أحسنت الرؤية، لأني أنا ساهر على كلمتي لأُجريَها}+ إرميا1: 12
لكن لماذا لا تكون التوراة هي الوثيقة التاريخية الوحيدة في ذلك الزمن البعيد بعد أن صادق عليها السيد المسيح له المجد بقوله: {لا تظنّوا أنّي جئتُ لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمِّل}+ متّى5: 17 أي ما جاء السيد المسيح لينقض شريعة موسى ولا نبوّات الأنبياء عنه إنما جاء ليُكمِّل! وبقوله أيضًا لليهود: {لأنكم لو كنتم تصدّقون موسى لكنتم تصدِّقونني، لأنّهُ هو كَتَبَ عني}+ يوحنّا5: 46 ونقرأ في إنجيل لوقا24: 27 {ثم ابتدأ- يسوع- من موسى ومن جميع الأنبياء يفسّر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب} وأيضًا في الأصحاح نفسه: {وقال لهم: هذا هو الكلام الذي كلّمتكم به وأنا بعد معكم: أنه لا بدّ أنْ يتمّ جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير}+ لوقا24: 44

ثم لا أحد يعرف التوراة وسائر كتب الأنبياء مثل شاول الطرسوسي الذي أصبح بولس الرسول، بعد أن اتّبع المسيح، وهو الذي حوّل اليونانيّين- أهل الآلهة الوثنية وأهل العلم والفلسفة في زمان بولس- كارزًا في مجامع اليهود التي في اليونان ولا سيّما تلك التي في تسالونيكي. وهل يوجد أذكى من اليهود في مواجهة مؤسّس المسيحية ورجُلها الأوّل- يسوع المسيح- وفي مواجهة رجُلها الثاني- بولس الرسول- وهل يوجد أدهى منهم؟ فكم أفحمهم المسيح بأقواله وأفعاله بل أخرسهم بقوله: {مَن منكم يبكّتني على خطيئة؟}+ يوحنّا8: 46

أمّا الدليل على أنّ موسى هو الذي كتب التوراة فموجود في سفر التثنية: {فعندما كمَّل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها، أمر موسى اللاويّين- كهنة العهد القديم- حاملي تابوت عهد الرب قائلا: خُذوا كتاب التوراة هذا وضَعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم، ليكون هناك شاهدًا عليكم. لأني أنا عارف تمرّدكم ورقابكم الصلبة. هُوَذا وأنا بعد حيّ معكم اليوم قد صِرتُم تقاومون الرب، فكم بالحري بعد موتي!}+ التثنية31: 24-27 هذا بالإضافة إلى مصادقة المسيح على صحّة التوراة فيما تقدَّم

وأمّا الافتراء على العبرانيّات فأقول باختصار شديد: ليس من الحكمة أن يختار الله شعبه من اللصوص. كما أنّ إله العهد القديم المعروف بقسوته على الخطأة لا يمكن أن يمرّر سرقة واحدة بدون حساب أيًّا كان السارق! وهدف القسوة على ذلك الإنسان البدائي غير الناضج معرفيًّا هو أن تبقى الحادثة عبرة له ولجيله والأجيال اللاحقة عبر التاريخ. تاليًا أننا لم نسمع أنّ ذهب المِصريّات كان عرضة للسرقة ممّن هبّ ودبّ، فمن أين حصل د. فلان الفلاني على هذي المعلومة؟ وكيف غابت معلومة كهذي عن الكتاب المقدَّس في وقت لم تغب عنه أخطاء أفظع من السرقة؟! كالقتل؛ وتحديدًا قصّة المصري الذي ضرب رَجُلًا عِبرانيًّا فضربه موسى فمات المصري (انظر-ي سِفر الخروج 2: ‏11-‏12) المؤكّد عليها في سِفر أعمال الرسل7:‏ 22-‏24
ـــــــــــــــــــــ
تمّت في الثامن من نوفمبر2018

About رياض الحبَيب

رياض الحبيّب ّخاصّ\ مفكّر حُر شاعر عراقي من مواليد بغداد، مقيم حاليًا في إحدى الدول الاسكندنافية. من خلفية سريانية- كلدانية مع اهتمام باللغة العربية وآدابها. حامل شهادة علمية بالفيزياء والرياضيات معترف بها في دولة المهجر، وأخرى أدبية. حظِيَ بثناء خاصّ من الأديب العراقي يوسف يعقوب حداد في البصرة ومن الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي في عمّان، ومارس العمل الصحافي في مجلة لبنانية بصفة سكرتير التحرير مع الإشراف اللغوي. بدأ بنشر مقالاته سنة 2008 إلى جانب قصائده. له نشاطات متنوعة. ركّز في أعماق نفسه على الفكر الحُرّ الراقي وعلى حقوق الإنسان وتحديدًا المرأة والأقلّيات وسائر المستضعَفين أيًّا كان الجنس والعِرق والاتجاه
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.