رسائلُ أم مساجلاتٌ شعريّة؟!

بقلم: د. سامي إدريس
هذا هو استفهامُ العارفينَ السّالكينَ، لا يَنتظرُ إجابةً، بل يأتي تأكيدًا على حقيقةِ الدّهشة في الشِّعر، وفي توظيفٍ جديدٍ لقصيدةِ النّثر، ممّا يُثيرُ تساؤلاتٍ في ماهيّةِ الرّسائل وكونيّةِ القصيدة، فإذا سلّمْنا أنّ العنوانَ هو عتبةُ النّصّ، نكونُ اهتديْنا إلى نوعيّةِ الكلامِ الباذخِ المُذهل، والمُقام في حضرةِ الشِّعرِ الرّومانسيّ، والاستعاراتِ المَجازيّةِ المُستحدثةِ المُحَلّقةِ الّتي تتعدّى حدودَ الخيال، ويَتماهى القارئُ معها وبها، وتأكّدَ لنا أنّ اختيارَ الشّاعريْن هذهِ الطّريقة للتّواصل، لم تكنْ وليدةَ خطّةٍ مُسبَقةٍ، لكنّها تلقائيّة الشّعراء تعرفُ أنّ الدّهشةَ والإدهاشَ والذّهولَ هي أكسيرُ الشِّعر.
وفي العنوان الثانويّ تتكشّفُ لنا نقطةٌ ليستْ عبثيّةً، وهي الواو العاطفة بدل (إلى)، أعني “رَسَائِلُ وَهِيب نَدِيم وِهْبِة وَ آمَال عَوَّاد رضْوَان”، وليسَ إلى آمال عوّاد رضوان. لكن هذا النّوعُ الأدبيّ، أي فنّ الرّسائل الّذي أخذ يتراجعُ في أدبِنا الحديث، جاء هنا على شكلِ رسائل، جُعِلتْ قصيدةُ النّثر لحمتَها وسُداها، فالمتعارفُ عليهِ أن تكونَ الرّسائلُ نثرًا، وأن يكونَ فيها موضوعٌ للنقاش وأغراضٌ والرّدّ عليها، وقد يحتدمُ الخلافُ في الرّأي والرّأي الآخر.
ولكنّ الرّسائلَ هنا جاءتْ كلُّها شعرًا سائغًا وليسَ أيَّ شِعرٍ، إنّه قصيدةُ النّثرِ المُتأمّلةِ في الأعماق، وقد لاحظتُ أنّ الرّسائلَ وقَعتْ تحتَ عنوانيْن كالتّالي: رسالة وهيب نديم وهبة، و.. ردّ آمال عوّاد رضوان، وهذا ينقضُ ما قلناهُ عن العنوانِ الثّانويّ. كذلك نلاحظ أنّ جميعَ قصائد (الرّسائل) نثريّةٌ بليغة، فيها استرسالٌ ماتعٌ، معنى ذلك؛ أنّها تجاوزتِ المعنى التّقليديّ للرّسائل، حيث يكونُ للرّسالةِ غرضٌ أو أغراضٌ مُحدّدة، كرسائل محمود درويش وسميح القاسم، ورسائل أنسي الحاج إلى غادة السّمّان، ورسائل جبران ومي زيادة (الشّعلة الزّرقاء)، وأصبحَ هدفُها المساجلةَ الشِّعريّةَ، لأنّ الشّاعريْنِ لا يريدانِ هذا النّوعَ من التّراسُلِ التّقليديِّ الّذي يكونُ البوْحُ، والمُكاشفةُ، ونقلُ المعلوماتِ، والتّعبيرُ عن أغراضِ الرّسالةِ أساسًا له.
إنّ الخطابَ في العنوان” أَتُـخَـلِّـدُنِـي نَوَارِسُ دَهْشَتِكَ؟”، يَصلحُ أن يكونَ للمُذكّرِ كما للمؤنّث، حيث في قصيدة وهيب نجد الإجابة:
“وَتَسْأَلِين/ أَتُـخَـلِّـدُنِـي نَوَارِسُ دَهْشَتِك؟/ يَا الْغَرِيبَةُ”؟


لكنّ التّساؤلَ يبقى قائمًا، حيثُ يكونُ الخطابُ في بعضِ قصائدِ آمال بصيغة المؤنث!
إنّ هذه (الرّسائلَ) هي مناجاةٌ بينَ روحَيْن، نأى بها كليْهما عن التّكلّفِ، ولفَظا (الأنا) بعيدًا عن سماء الرّوح، وحلّقا في ملكوت العشقِ الرّوحيّ، وأنتَ تقرأ مُسترسلًا، فتجدُ نفسَكَ قد تماهيتَ مع روح النّصوص، إلى درجةِ الذّهولِ عن النّفس، وذلك ربّما يعودُ إلى التحامِ النّصوصِ وتَشابُهِ موْضوعاتِها، فمِنَ المُلاحظ أنْ لا تَفاوُتَ ولا حدودَ بين نصوص آمال ونصوص وهيب، وكأنّي بمصطفى صادق الرافعي يكتبُ ويَردُّ على نفسِهِ في (مِن وَحيِ القلم)، فأنتَ تستمعُ إلى الرّسالة، وقد اعتدتَ أنّ المُرسِلَ يقولُ معلومةً أو يسألُ عن حالٍ، فيُفصِحُ بذلك عن غرَضِهِ مِنَ الرّسالة.
ولكنَّ الرّسائلَ هنا مُتماهيةٌ في نفسِ الرّوحِ، واللّغةُ فيها جماليّةٌ غنائيّةٌ ساحرةٌ، لا انقطاعَ فيها ولا حدودَ بينها، اللّهمّ إلّا الإشارة إلى أنّ هذه لوهيب وتلك لآمال، فكأنّي بهما طائرانِ إلفانِ افترقا وتشتّتا، وظلّ كلٌّ منهما يَذكرُ الآخرَ ويُغنّي ويشكو له، أو قيثارةٌ كُسِرتْ وظلّتْ تبعثُ أعذبَ وأشجى الألحان، فليس هناك لقاءٌ فلسفيٌّ في مضمون هذه الرّسائل، حيثُ تناقشُ قضايا وجوديّةً كونيّة، أو قضايا سياسيّةً أو في الحبّ كموضوع، وقد يطرقُ أحدُهما بابًا في العشق الصّوفيّ ويذكرُ جلال الدّين الرّومي، ولكن هل يُجيبُهُ الآخرُ في نفس الموضوع؟
يقولُ الشّاعر وهيب: “الْعِشْقُ الْإِلهِيُّ .. وَقَيْسُ وَالْحَلَّاجُ/ يَعِيشَانَ .. فِي جَسَدِي!/ وَأَعُــــودُ إِلَـــــيْــــــكِ/ إلى قِــــــيَــــــامَــــــتِـــــــــي! ” (ص156)
وفي هذا المكانِ تُجيبُ الشّاعرةُ آمال في نفسِ الموضوعِ بشكلٍ مُحفّزٍ، حبّذا لو تكرّرتْ مثلُ هذه الإجاباتِ الرّائعِة عبرَ الرّسائل، وهنا تظهرُ على أنّها رسائلُ وليسَ مساجلات فحسب:
“أَيَا شَهِيدَ عِشْقِي الْأُلُوهِيِّ/ يَا مَنْ تُشْعِلُ فُصُولِيَ الْبَاهِتَةْ/ بِرَقْصَةِ عُصْفُورَةِ النَّارِ/ أَتَفْرِدُ أَجْنِحَةَ أَلْوَانِكَ/ لِلْأَمِيرَةِ الْأَسِيرَةْ؟/ فَدَتْكَ رُوحِي!… “
وقد تثيرُ آمال في قصيدةٍ لها قضيّةَ القدسِ وخذلانَ الحكّام العرب لها، ولكن لا يُناقشُ الأمرُ في رسالةِ وهيب الّتي تليها، وتقول آمال:
“أَيَا قُدُسَ الرُّوحِ/ يَا الْمَسْكُونَةُ بِالْمَآسِي الْمُلَوَّنَةْ/ فِي كَمَائِنِ الْإِثْمِ!/ هَا عَلَى عُنُقِكِ اشْتَدَّ نِيرُ الْمِحْنَةْ/ وَمَا فَتِئْتِ تَتَرَاخَيْنَ.. أَلَمًا وَتَسَوُّلا/ وَلَيْسَ مَنْ يَبْكِيكِ .. وَلَيسَ مَنْ يُعَزِّيكِ/ وَلَا مَنْ يُوارِي الثَّرى بَنِيكِ/ فَمَا أَنْجَدَكِ خِلَّانٌ وَلَا خَلَّصَكِ عُرْبَانُ”!
وقد يقولُ الشّاعرُ وهيب وهبة في قصيدةٍ إنسانيّةٍ وطنيّةٍ، مُعبّرًا عن ممارساتِ الاحتلالِ اليوميّةِ أروع تعبير:
“لِمَاذَا الْجُنُودُ عَادُوا/ وَسَدُّوا عَلَيْنَا مَفَارِقَ الْخَيَالِ؟/ لِمَاذَا جَعَلُوا الْحَوَاجِزَ/ وَالْجُسُورَ وَالْحُدُودَ بَيْنَ الْعِبَادِ؟/ وَوَحْدَكَ أنْتَ – إِنْسَانْ!/ وَوَحْدَكِ أَنْتِ – إِنْسَانْ!/ فَلِمَاذَا يَقِفُ بَيْنَنَا الطُّغَاةُ/ عَلَى بَابِ الْقَصِيدَة؟”
ولولا أنّ هذه القصائدَ أُرسِلتْ بينَ الاثنيْن، لَما دعَوْتُها (رسائل)، ولاقترحتُ تسميتها (مُساجلاتٍ شعريّة).
ويُلاحظُ أنَّ ما يَنقصُ هذه (الرّسائلَ) هو الانعتاقُ والتّحرّرُ مِن رؤيةِ المتلقّي وموقفِه، وتعريةِ الذّاتِ والشّغفِ والولوجِ في أحاديثَ حميميّةٍ عن تجاربَ عينيّة .. أسرار (ربما لم تكن)، فهذا الأمرُ مِن شأنِهِ في مثل هذه الرّسائلِ، أن يَجعلَها شائقةً لقارئها، مُحفّزةً لهُ على الاستمرارِ والبحث، لكنّ اللّجوءَ إلى مجازِ قصيدةِ النّثر، ربّما يكونُ حيلةً للتّعبيرِ عمّا لا يمكنُ قوْلُهُ مباشرةً، حيثُ ما يزالُ مجتمعُنا يُعاني من هذه القيود.
ويبقى التّساؤلُ: هل كان عشقًا أو حبًا، أم هي صداقة شعراء؟
وأنا أرى أن لا حياد في هذا الأمر، فلا بدَّ أن يكون عشقًا روحيًّا وحميميّةً وإلفةً ولقاء، فالرّسائلُ تأتي أصدقَ النّصوص وأقربَها من قلب كاتبها، وتكونُ مرآةَ قلبِهِ وروحِهِ، فهل قولُ وهيب يجيبُ على هذا التّساؤل: “فِي حَضْرَةِ مَوْلَانَا جَلَالِ الدِّينِ/ كَانَ فِي عَيْنيْكِ/ حُزْنُ الْغَابَاتِ الْغَجَرِيِّ الصَّاخِبِ (ص105).
(المقصودُ حُبٌّ صوفيٌّ كجلال الدين الروميّ)، فهل قارئُ هذه الرّسائلِ يَخرجُ بمعلوماتٍ عن سيرتِهِما الذّاتيّةِ مثلًا؟ عن الأجواءِ الأدبيّةِ المَحلّيّة؟ هل ثمّة ذِكرٌ لشخصيّةٍ ثالثة؟ هل هناك اهتمامٌ بالهمّ الوطنيّ العامّ ليُسجّلَ سيرةَ الوطن، أم تبقى تُهوّمُ في الخاصّ العاجيّ وربّما الصّوفيّ؟ اللّهمَّ إلّا ذِكر الأماكن ومسارح الأحداث المتخيّلة والواقعيّة: حيفا/ والكرمل/ وعكا/ ويافا/ والقدس.
تلجأ الشّاعرةُ آمال كثيرًا إلى الأساطيرِ العالميّة، مثل أسطورة نرسيس الّتي تُوظّفُها توظيفًا جميلًا، لكن يحتاجُ القارئُ إلى البحثِ عن هذهِ الأساطير، حتّى يهتدي إلى التّوظيفِ الأدبيّ، وقد تتلاعبُ بتغييرِ الأصلِ، لتُنتجَ نصًّا جديدًا هي صاحبتُهُ المُتفرّدةُ، كذلكَ يفعلُ وهيب.
وتظلُّ الحاجةُ مُلِحّةٌ إلى الإيقاع والموسيقى، حتّى في قصيدةِ النّثر، فانظرْ إلى قوْلِها: “أَتُرَاها الْحَمَامَةُ سَمِيرَامِيس/ فِي سُوق نينوى تَمِيسُ!؟”
باستخدامِها للحروفِ المَهموسةِ الّتي أضفتْ موسيقى على الكلماتِ فتراقصتْ، وطربَ القارئُ للتّناص والتّداعي التّاريخيّ.
وكذلك في قولها، كيف جعلتْهُ الموسيقى يَتطايرُ أثيرًا إلى الأرواح، بتكرارِ حرفِ الثاء الجميل و(الري) في آخر أساطيري فكأنّها القافية: “عَلَى ثَرَى أَثِيرِي/ حَطَّتْ عُصْفُورَةُ ضَوْءٍ/ تَهُزُّ عَرْشَ أَسَاطِيرِي!/ مِنْ ذَاكَ الْمَدَى/ رَفْرَفَتْ.. هَلَّتْ/ وَهَلَّلَتْ.. تُــنْـــبِـــيـــنِــي/ بِهَدِيَّةٍ مَخْتُومَةٍ.. بِعِطْرِ الشِّعر/ مُظَلَّلَةٍ بِوَحْيِ حَرْفِي/ “سَلَامِي لَكَ مَطَرا”.. ؟!”
رمزية الغريبة والغريب في نصوص الرّسائل:
“يَفْرُشُ سَرِيرَ الْقَصِيدَةِ لِلْغَرِيبَةْ”: شبيه التناص مع ديوان محمود درويش: (سرير الغريبة)، فما الّذي أراده وهيب وهبة بالغريبة، وإضافة السّرير للقصيدة بدل إضافتِهِ للغريبةِ عند درويش، ليخلقَ تناصًّا مُركّبًا جميلًا حقًا. كذلك ترِدُ كلمة (الغريبة) في سطور أخرى لوهيب:
“وَبَيْنَ مُغَنِّي النَّايِ .. وَأُغْنِيَاتِ الْغَرِيبَةِ/ تَعْزِفُ رِيحُ الْبَحْرِ” (ص51)
حَتَّى أَتَيْتِ أَنْتِ!/ أَتَيْتِ غَرِيبَةً .. مُكَلَّلَةً بِالْقَصِيدَةْ!/ عِنْدَهَا اسْتَبْدَلْتُ النَّايَ بِالرَّبَابَةْ” (ص52)
“وَتَسْأَلِين/ أَتُـخَـلِّـدُنِـي نَوَارِسُ دَهْشَتِك؟/ يَا الْغَرِيبَةُ” (ص61)
“قُلْتُ وَرَائِحَةُ أَصَابِعِ الْغَرِيبَةِ تَسْكُنُ دَمِي:”(ص98)
يبدو الأمرُ في مفارقةٍ، فالغريبةُ هي هي القريبة من روحِهِ الّتي تسكنُ دمَهُ، ولكنّها تبقى غريبةَ الرّوح، كالطّائرِ الّذي لا يستطيعُ الاستقرارَ على غصنِ شجرةٍ أو أيّ مكانٍ آخر، ويظلُّ أبدًا في تحليقٍ مستمرّ.
وفي نصٍّ مختلفٍ لآمال: “أَنَا الْغَرِيبُ الْمَجْهُولُ الْمُوَسْوَسُ/ رُدِّي لِي/ سَاحِرَتِي الصَّغِيرَةَ.. مَارُوشْكَا ..!” (ص46)
اسمُ ماروشكا جاء تناصًّا لتعليلِ الغربة والغريبة، وذلك من الرّوايةِ الرّائعةِ (أرهقتني المكسيك يا ماروشكا) تأليف ديراو داتسيدا، حيثُ فيها تنشأ علاقةُ حبٍّ غريبة، بين شابّ جزائريّ وشابّةٍ جزائريّةٍ من أصولٍ روسيّة.
تكرارُ كلمة (أبجديّتي ) ومُشتقّاتها بكثرةٍ يُذبلُ بريقَها ورونقَها (ص40،43،48، 53)،
ولكن تكرارَ الفعل أرسُم كثيرًا، حتّى حسبتُهُ ممّا لا يمكنُ بدونِهِ في المعجم الشِّعريِّ جاءَ جميلًا دائمًا.
هناكَ تكرارُ مفرداتٍ مِن المُعجم الجبرانيّ: الأبديّة، المَحبّة، الحكمة (ص71، 72).
وتقول الشاعرة آمال عواد رضوان: أَيَا مُشَاكِسًا .. سُنُونُوّاتِ النِّدَا/ أَيَا مُخَاتِلًا .. مِظَلَّاتِ النَّدَى/ وَيَا هَذَا الْغَرِيبُ/ “أَيُصْلِحُ الْعَطَّارُ.. مَا الدَّهْرُ أَفْسَدَا”؟
هنا عمدت الشّاعرةُ إلى البيتِ الكلاسيكيّ الّذي راح مثلًا: “وَهَل يُصلِحُ العَطّارُ ما أفسَدَ الدَّهرُ، وطوّعتْهُ ليكونَ في سطرٍ شعريٍّ أشبهَ بالبيت الكلاسيكيّ والقافيةِ والجناس في (النِّدا/ النَّدى).
كذلك: ” صَهْصَهَتْ بِهَا.. أَجْنِحَةُ الْأُنْسِ/ زَاهِدَةً.. بِعُنْفُوَانِ اللَّعْنَةْ/ وَقَهْقَهَتْ لَهَا مِمْحَاةُ الْعُمْرِ”.
بين صهصهت وقهقهتْ جمالٌ ترادفيّ موسيقيّ، كذلك ورَدَ الجناسُ غيرُ التّامِّ وتبادُلُ الحروف في: “أَيْنَ الْمَفَرُّ/ مِنْ فَرَاشَاتِ الْقَزِّ/ حِينَ/ مُكَهْرَبَةً بِالذُّعْرِ.. بِاللَّذَّةِ/ تَفِزُّ.. مِنْ صَوَامِعِ الرُّوحِ؟/ أَيْنَ الْمَفَرُّ/ مِنْ دُرُوبِنَا الْوَعِرَةْ/ حِينَ.. عَلَى غَيْرِ هُدًى/ تَتَحَسَّسُنَا.. تَتَلَمَّسُنَا/ وَ.. / تَتَوَرَّدُ اشْتِعَالًا غَجَرِيًّا؟”
وقول وهيب:
“لِمَاذَا أَقُولُ أَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ تَفْقِدُ الْكَثِيرَ حِينَ تُقَالُ؟ (ص10، ص32).
إنَّ هذا شبيهٌ بالتناص مع قصيدة نزار قباني (إلى تلميذة) “
“كلماتنا في الحب .. تقتل حبنا/ إن الحروف تموت حين تقال..”
وأخيرًا، فإنَّ هذا التوظيف الجديد لقصيدة النّثر جاء فتحًا ماتعًا، سيثير تساؤلات كثيرة!

About آمال عوّاد رضوان

سيرةٌ ذاتيّةٌ- آمال عوّاد رضوان/ فلسطين آمال؛ ليست سوى طفلةٍ خضراءَ انبثقتْ مِن رمادِ وطن مسفوكٍ في عشٍّ فينيقيٍّ منذ أمدٍ بعيد! أتتْ بها الأقدارُ، على منحنى لحظةٍ تتـّقدُ بأحلامٍ مستحيلةٍ، في لجّةِ عتمٍ يزدهرُ بالمآسي، وما فتئتْ تتبتـّلُ وتعزفُ بناي حُزْنِها المبحوحِ إشراقاتِها الغائمةَ، وما انفكّتْ تتهادى على حوافِّ قطرةٍ مقدَّسةٍ مفعمةٍ بنبضِ شعاعٍ، أسْمَوْهُ "الحياة"! عشقتِ الموسيقى والغناء، فتعلّمتِ العزفَ على الكمانِ منذ تفتّحتْ أناملُ طفولتِها على الأوتار وسلالم الموسيقى، وقد داعبتْ الأناشيد المدرسيّةُ والتّرانيمُ حنجرتَها، فصدحتْ في جوقةِ المدرسةِ، إلى أنِ اتّشحَ حضورُها بالغيابِ القسريّ مدّة سنوات، لتعاودَ ظهورَها في كورال "جوقة الكروان" الفلسطينيّة! كم عشقتْ أقدامُها المعتّقةُ بالتّراثِ الرّقصَ الشّعبيّ، وكانَ لخطواتِها البحريّةِ نكهةً مائيّةً تراقصُ ظلالَ شبابٍ طافحٍ بالرّشاقةِ في فرقةِ دبكةٍ شعبيّةٍ، إضافةً إلى نشاطاتٍ كشفيّةٍ وأخرى عديدة، تزخرُ بها روحُ فتاةٍ تتقفّزُ نهمًا للحياة! أمّا لمذاقِ المطالعةِ والقصصِ والرّواياتِ فكانَت أسرابُ شهوةٍ؛ تحُطُّ فوقَ أنفاسِها حدَّ التّصوّفِ والتّعبّد، منذُ أن تعلّقتْ عيناها بسلالم فكِّ الحروفِ، وكانَ للقلمِ المخفيِّ في جيبِ سترتِها وتحتَ وسادتِها صليلٌ يُناكفُها، كلّما شحَّ رذاذُ نبضِهِ في بياضِها، فيفغرُ فاهَهُ النّاريَّ مُتشدِّقًا بسِحرِهِ، كأنّما يحثّها لاحتضانِهِ كلّما ضاقتْ بهِ الأمكنةُ، وكلّما تعطّشَ إلى خمْرِها، فتُحلّقُ به في سماواتِ فيوضِها، وما أن تصحُوَ مِن سكرتِها، حتّى تُمزّقَ ما خطّتْهُ ونسجَتْهُ مِن خيوطِ وجْدِها، لتمحوَ كلّ أثرٍ يُبيحُ للآخرَ أن يُدركَ ما يعتملُ في نفسِها، ولأنّ مكانةً سامقةً وأثرًا جمًّا ومهابةً للأدب، تخشى أن تتطاولَ إليهِ، أو تُقحمَ نفسَها في ورطةٍ لا خلاصَ منها. ما بعدَ الفترةِ الثّانويّةِ حلّتْ مرحلةُ منفاها عن طفولتِها الزّاهيةِ، حينَ استلبتْها مخادعُ الدّراسةِ الجامعيّةِ الثّلجيّةِ مِن أجيجِ نشاطاتِها، ومِن ثمّ؛ تملّكتْها مسؤوليّاتُ الزّواجِ والأسرةِ ومهنة التّدريس، واقتصرَ دورُها الأساسيُّ على مرحلةٍ جديدةٍ؛ هو بناءُ عالمٍ محبّبٍ آخر بعيدًا عنها قريبًا جدًّا منها، الأسرةُ بكاملِ مسؤوليّاتِها الجمّةِ، وفي الوقتِ ذاتِهِ وبفعل سحر الأمومةِ، نما في قلبِها عشقٌ جنونيٌّ للعطاءِ، رغمَ طراوةِ الحياةِ وقسوتِها، وكانَ بخورُ الذّكرياتِ يعبقُ بكبريائِها، ويُمرّغُها بعطرِ الطّفولةِ الهاربةِ! ما بينَ رموشِ نهاراتِها ووسائدِ لياليها، ساحتْ آمال في عُمقِ بُوارٍ لا يَحدُّهُ خواء، تارةً، تأخذُها سنّةٌ مِن سباتٍ في استسقاءِ الماضي، وتارةً، تستفيقُ مِن قوقعةِ أحاسيسِها الذّاهلةِ، حينَ تهزُّها الفجوةُ الدّهريّةُ بينَ الأنا والآخر والكون، وبينَ مجونِ الضّياعِ المُزمجرِ فتنةً، وبينَ حاناتِ الخطايا المشتعلة كؤوسُها بلا ارتواء، والوطنُ يرتعُ في شهقاتِ ألمٍ تعتصرُ أملاً مِن كرومِ المستحيل! لم تفلحْ شفافيّةُ الواقعِ المُرّ حلوُهُ، ولا مهرجاناتُ الحياةِ مِن صَلبِها على أعمدةِ مدرّجاتِ ومسارحِ الحياةِ، بل التجأت بصمتٍ وهدوءٍ إلى كهفِ الأبجديّةِ، واعتكفتْ فيهِ كناسكةٍ تحترفُها فتنةَ التـّأمـّلِ، حيثُ تصطفي نيازكَ حروفٍ متلألئةٍ بالنّضوج، كادتْ تسقطُ سهوًا في محرقةِ الألمِ، أو كادتْ ترجُمها إغواءاتُ الدّروبِ بحصًى يتجمّر، لكنّها حاولتْ أن تلتقطَ بأناملِ خيالِها تلك الحروفَ اللاّسعةَ الكاويةَ، كي ترطّبَ وجدَ آمالِها الموشومةِ بنشيجِ خلاصٍ قد يأتي! كم تماوجتْ في طُهرِ روحِها شعاعاتُ إيمانٍ، صاخبة بفصولِ التّوغّلِ وبوجوه الجمال في غدٍ دافئٍ، وكم نقشَتْها أنفاسُها تنهيدةً منحوتةً ومُشفّرةً، على شاهدةِ عمرٍ يلاحقُها، ويُولّي في صحْوتِهِ، ولا يلوي على التفاتةٍ تكتظُّ بالحسرة! "سحر الكلمات" هو عجوزي المستعارُ، وراعي انتظاراتي المؤجّلةِ بفوّهةِ مغارتِهِ الخضراء، يحرسُ بتمائمِهِ ومشاعلِهِ عرائشَ كرومي، عندما تسلّقتْ عليها دوالي قلبي وذاكرتي المنهوبةُ، ونصوصي الوجدانيّةُ المكدّسةُ على رفوفِ فسحاتٍ تعذّرَ التقاطُها، وبعشوائيّةٍ لذيذةٍ انفرطتْ قطوفُ أساريرِها على أطباقِ البراءة عبْرَ صفحاتِ النّت، لتؤبّدَ دهشةَ صمتٍ عبَرَتْ كالرّيح، فوقَ ظلالِ الفصولِ والعمر، إلى أنْ كانتْ ومضةٌ مخصّبةٌ بأحضانِ سحابةٍ متنكِّرةٍ، تراذذتْ من جلبابِها "آمال عوّاد رضوان"، ومنذُها، وآمال لمّا تزل آمالُها حتّى اللّحظة تتلألأُ بـ : *1- بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّج/ كتاب شعريّ/ آمال عواد رضوان/ عام 2005. *2- سلامي لك مطرًا/ كتاب شعريّ/ آمال عواد رضوان/عام 2007. *3- رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقود/ كتاب شعريّ/ آمال عوّاد رضوان/ عام 2010. *4- أُدَمْوِزُكِ وَتَتعَـشْتَرِين/ كتاب شعريّ/ آمال عوّاد رضوان/ عام 2015. *5- كتاب رؤى/ مقالاتٌ اجتماعية ثقافية من مشاهد الحياة/ آمال عوّاد رضوان/ عام 2012. *6- كتاب "حتفي يترامى على حدود نزفي"- قراءات شعرية في شعر آمال عواد رضوان 2013. *7- سنديانة نور أبونا سبيريدون عواد/ إعداد آمال عوّاد رضوان/ عام 2014 *8- أمثال ترويها قصص وحكايا/ إعداد آمال عوّاد رضوان/ عام 2015 وبالمشاركة كانت الكتب التالية: *9- الإشراقةُ المُجنّحةُ/ لحظة البيت الأوّل من القصيدة/ شهادات لـ 131 شاعر من العالم العربيّ/ تقديم د. شاربل داغر/ عام 2007 *10- نوارس مِن البحر البعيد القريب/ المشهد الشّعريّ الجديد في فلسطين المحتلة 1948/ عام 2008 *11- محمود درويش/ صورة الشّاعر بعيون فلسطينية خضراء عام 2008 صدرَ عن شعرها الكتب التالية: *1- من أعماق القول- قراءة نقدية في شعر آمال عوّاد رضوان- الناقد: عبد المجيد عامر اطميزة/ منشورات مواقف- عام 2013. *2- كتاب باللغة الفارسية: بَعِيدًا عَنِ الْقَارِبِ/ به دور از قايق/ آمال عوّاد رضوان/ إعداد وترجمة جَمَال النصاري/ عام 2014 *3- كتاب استنطاق النص الشعري (آمال عوّاد رضوان أنموذجًا)- المؤلف:علوان السلمان المطبعة: الجزيرة- 2015 إضافة إلى تراجم كثيرة لقصائدها باللغة الإنجليزية والطليانية والرومانيّة والفرنسية والفارسية والكرديّة. *محررة الوسط اليوم الثقافي الشاعرة آمال عواد رضوان http://www.alwasattoday.com/ar/culture/11193.html الجوائز: *عام 2008 حازت على لقب شاعر العام 2008 في منتديات تجمع شعراء بلا حدود. *عام 2011 حازت على جائزة الإبداع في الشعر، من دار نعمان للثقافة، في قطاف موسمها التاسع. *عام 2011 حازت على درع ديوان العرب، حيث قدمت الكثير من المقالات والنصوص الأدبية الراقية. *وعام 2013 منحت مؤسسة المثقف العربي في سيدني الشاعرة آمال عواد رضوان جائزة المرأة لمناسبة يوم المرأة العالمي 2013 لابداعاتها في الصحافة والحوارات الصحفية عن دولة فلسطين. وبصدد طباعة كتب جاهزة: *كتاب (بسمة لوزيّة تتوهّج) مُترجَم للغة الفرنسيّة/ ترجمة فرح سوامس الجزائر *كتاب خاص بالحوارات/ وستة كتب خاصة بالتقارير الثقافية حول المشهد الثقافي في الداخل *ستة كتب (تقارير ثقافيّة) حول المشهد الثقافي الأخضر 48: من عام 2006 حتى عام 2015
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.