رد على مقال “علمانيون بلا حلول”

رسلان عامر

(I)

هذا المقال هو رد على مقال “علمانيون بلا حلول.. عبير موسى نموذجا” للسيد علي الرباح، المنشور على “عربي بوست” في 2020/06/17، والذي تعرض فيه ببعض النقد لبحثي “مواقف العلمانية من مشاكل العصر المختلف” المنشور على موقع “مؤمنون بلا حدود”، ووضعني فيه في موضع التشكيك والشبهة بسبب نشري في هذه المؤسسة الممولة إماراتيا!

يقول الأخ علي عن العلمانية:
«رغم الكلام الذي يُكتب حول براءة العلمانية من الاستبداد وتنميط المجتمعات وقذفها في مستنقع الفوضى، ورغم إضفاء العقلانية على الممارسة العَلمانية، فإن الأيام تأبى إلا أن تدحض هذه الادعاءات. ففي جانب تحولت العلمانية في أوروبا والغرب عموماً إلى وحش يلتهم الحياة الإنسانية ويحل محلها الأصنام المادية “الأسواق، السلع، الدولة، اللذة.. إلخ”. وأضحت العلمانية العربية محط استهجان الكل خاصة بعد ثورات الربيع العربي، ففي مصر لم تدخل القوى العلمانية الساحة إلا متأخرة، بل طائفة كبيرة منها كانت ضد الثورة ولا زالت. وهي مَن دعمت الانقلاب العسكري، ولعل الوجوه التي تظهر على الشاشات المصرية خير دليل؛ ولك أن تحكم بنفسك.
أما في تونس فقد كان الموقف واضحاً منذ البداية، وذاك لأن النظام المخلوع كان نظاماً علمانياً حكم العباد بالحديد والنار، ولما خلعته الإرادة الشعبية، أقسم أتباعه على الانتقام من الثورة بثورة مضادة».

هذا كلام تقريري مجاني يقفز فوق الحقائق ولا يمت إلى الواقعية والعقلانية الموضوعية بأية صلة!
المجتمعات الغربية الراهنة فيها الكثير من العيوب الكبيرة والصغيرة بالتأكيد، ولكن هل نشكل نحن كمجتمعات عربية إسلامية البديل الأفضل لها؟!
تلك المجتمعات تسبقنا رغم كل علاتها في كل شيء وببون جد شاسع، في العلم والثقافة والصناعة والاقتصاد والسياسة والتنظيم وحقوق الإنسان والحقوق والحريات المدنية والإعلام والفن والرياضة، وقبول الاختلاف، والقوة العسكرية، وهلم جرى…فماذا لدينا مقابل كل ذلك؟
لدينا التخلف المستفحل الشامل!
ومقابل “علمانيتهم” التي تحقق فيها كل ذلك لدينا “الدين”، الذي ما زالت فيه قبلتنا في الماضي وقدوتنا في السلف، وهو اليوم قد أصبح الحصن الذي يحتمي فيه التخلف ويسود التطرف وينمو التعصعب، وتفقس وتترع الحركات التكفيرية، وفيه.. ما تزال تتصارع بشكل متوحش الملل والنحل، وما تزال المرأة عورة ناقصة العقل والدين، وما تزال تسود “ذهنية الفرقة الناجية”، وما يزال المختلف كافرا، وما يزال الذهن الغيبي يهمش العقل ويستهزئ حتى بالحقائق العلمية، وما تزال فيه “المؤسسة الدينية” بشكل عام حليفة للديكتاتورية الحاكمة وعونا للسلاطين في قمع واستغلال شعوبهم.
وهذا كله لا وجود له في النظم العلمانية، التي تساوي بين كل أشكال الاختلاف والتنوع الإنساني، وتراعي حقوقهم ولا تقمع حرياتهم.. ولا تضع نفسها قطعا في مواجهة العلم، كما تفعل الذهنية الغيبية التي تدوسه عندما يتناقض مع قصصها الوهمية.
وهذه العلمانية.. التي يتهمها الأخ بأنها وحش يلتهم الحياة الإنسانية ويحل محلها الأصنام المادية هي جزء جوهري لا يتجزأ ولا ينفصل قطعا عن حركة النهضة الحديثة التي أخرجت أوروبا من ظلمات القرون الوسطى، وشكلت نواة وقاطرة الحضارة العالمية الراهنة، فهل يجهل هو ذلك، أم أنه يبكي على تلك الظلمات؟ فإن كان ذلك فله نِعم العزاء في حاضرنا العربي الذي ما نزال فيه نغرق في بربرية لا تختلف عن بربرية القرون الوسطى!

إني أستهجن جدا كيف أنه يتحدث عن تنميط العلمانية للمجتمعات وقذفها في مستنقع الفوضى، والمجتمعات الغربية اليوم زاخرة بكل أشكال التنوع والتعدد الثقافي، ومعظمها بفضل علمانيتها بلغت درجة كبيرة من الاندماج والسلم الاجتماعيين، ولم تعد مجتمعات مشرذمة إلى طوائف وقبائل وأعراق متصارعة بوحشية كما هو الحال في أشباه مجتمعاتنا البائسة!
كما أستهجن أكثر كيف يتهم العلمانية بأنها وحش يلتهم الحياة الإنسانية، ويحل محلها الأصنام المادية” كـ الأسواق، السلع، الدولة، اللذة.. وإلخ”، فأين ومتى وُجدت تلك الحياة الإنسانية المزعومة.. “الغير علمانية” التي ابتلعها وحش العلمانية واستبدلها بأصنامه؟ هل كانت موجودة في أوروبا القروسطية؟ أم هي موجودة اليوم في مستنقعات مجتمعاتنا العربية؟ “المستنقعات الحقيقية” التي لا يراها الأخ أو لا يريد أن يراها..ويرى الصورة مقلوبة لأسباب لا يعلمها سواه! كما أنه لا يرى أيضا أن العلمانية ليست القوة الوحيدة الموجودة في الغرب، وأن “الرأسمالية المتوحشة” هي الفاعل الأكبر هناك، وهي السبب الأكبر في نشر ثقافة اللاثقافة والاستهلاك! وإضافة إلى ذلك.. فهو يصف الأسواق والسلع بالأصنام، وبهذا الشكل يحولها إلى شر مطلق يضعها في حالة تناقض تام مع الخير، فهل يستوي الخير بدونها؟ وهل يمكن اعتبار الدولة الغربية الراهنة صنما؟ فإذا كانت هذه الدولة بكل ما بلغته من تقدم صنما، فماذا نقول عن “دول الطغاة خاصتنا”؟! وإذا كانت “الدولة” صنما.. فلم يصر الإسلاميون باستماتة على عدم فصل الدين عن الدولة؟ ولماذا كل هذا الصراع الضاري على السلطة، و”السلطة” هي أحسن ما يقال عن الدولة السلطانية عندنا؟.
وبالحديث عن “اللذة”، هل يعلم الأخ علي أن العلمانية ليس فيها قطعا أي “مذهب لذوي”، فهي منهجية عامة تقوم على الاعتراف بالواقع الموضوعي بكل أبعاده والتعامل معه اعتمادا على مركزية ومرجعية العقل وحده، وهي ليست فلسفة محددة ولا إيديولوجيا نسقية، وعندما نتحدث بـ “إعابة” عن “اللذة”، فالإسلاميون هم آخر من يحق له الحديث في هذا الموضوع، لأن جنتهم المأمولة التي يموتون ويقتلون الآخرين في سبيلها.. هي جنة تفيض بكل الملذات الحسية من حوريات وأنهار خمور وما شابه! فلماذا يحللون كل هذا لأنفسهم ويعلون شأنه إلى هذا الحد.. ويعيبون به سواهم؟!

على أية حال.. العلمانية هي كما سلف القول جزء متكامل من حركة التاريخ العصري الحديث وهي لا تنفصل عن كل التطورات التي ظهرت في الغرب الحديث وفي طليعتها الفكر العقلاني الحر والعلم الحديث، وهي منهج واقعي يصيب أتباعه ويخطئون كبشر، أما الأديان كلها بل استثناء، فهي إيمانات غيبية أنتجها العقل البشري في طوره اللاعقلاني، وهي لا تستمر إلا في مثل هذا العقل البدائي، ولكي تستمر فلا يمكنها إلا أن تقيد وتكبل العقل، وكل المقولات الدينية اليوم ليس لها أي حضور في أي ميدان علمي، ولا هي تدخل في أي مذهب فلسفي يقوم على حرية التفكير، ويسود فيه العقل، ومع ذلك فهذه الإيمانات الغيبية تتوهم امتلاكها القداسة والحقائق الكاملة المطلقة!
و العلمانية كمنهج هي ببساطة تعني الاعتماد على العقل في التعامل مع الواقع، وهي لا تخرج من إطار أي منهما، وبالتالي فليس فيها أي مكان للغيبيات والماورائيات، ولهذا تفصل العلمانية الدين عن الدولة.. والسبب هو غيبية وماورائية وإيمانية الدين!
ذاك فرق جوهري بين العلمانية والدين، الفرق الجوهري الآخر بينهما.. هو أن العلمانية ليس لديها “دفتر قياسات محددة لقياس صلاحية البشر” وتصنيفهم إلى مؤمنيين أخيار وكافرين أشرار، ففي العلمانية كل الناس المختلفين متساوون في الحقوق الإنسانية، ورغم أن العلمانية لم تستطع أن تمنع الدول التي تطبق فيها من الاعتداء والشر، فمبادئ العلمانية نفسها لا تدخل قطعا كمحرك لأي شر من هذه الشرور، وأتحدى أي إسلامي أو خصم آخر للعلمانية أن يأتي بأية “جملة” تحث على العدوان على الغير من “النظام الداخلي للعلمانية” إن وَجد مثل هذا النظام، أما الدين فمبدأ التكفير فيه قائم في أساسه وصلبه، وبموجبه كانت الكنائس تقتل “المهرطقين” وكان المشرعون الإسلاميون يقتلون “الزنادقة”، وإسلاميا محاربة الكفار، حتى في ديارهم، تعتبر جهادا، والجهاد فريضة، وهذا من وجهة نظر غير إسلامية يعتبر اعتداء سافرا على الغير المختلف!

(II)

يقول الأخ رباح أيضا أن القوى العلمانية في مصر لم تدخل ساحة الثورة إلا متأخرة، وما أذكره جيدا أن الذين دخلوا متأخرين هم الأخوان المسلمون بعد أصبح واضحا أن الثورة ستنتصر، فسارعوا لجني الغنائم.
كما يقول أن فئة كبيرة من العلمانيين كانوا ضد الثورة ودعموا الانقلاب العسكري!
هناك من كان ضد الثورة المصرية لأن له مصلحة مرتبطة بالنظام السابق، وحين تكون المصلحة هي المحرك والفيصل، فليس من المنطق ولا العدل اتهام العلمانية، أما بخصوص وقوف بعض العلمانيين ضد الثورة ودعمهم للانقلاب العسكري، وهذا لا يمكن إنكاره، فالسؤال هو لماذا فعلوا ذلك، هل لأنهم مغرمون بالديكتاتوريات الفاسدة؟! أم أنهم كانوا يختارون أسوأ الشرين، عندما كانوا يرون أن “الإسلام السياسي” سيكون هو بديل هذه الديكتاتوريات، وهو أشد البدائل سوءا.. وأسوأ من الديكتاتوريات الراهنة نفسها! العلمانيون ليسوا حاقدين على الدين.. ولكنهم يتذكرون جيدا تفجير الكنائس واغتيال السائحين الأجانب واغتيال المفكرين الكبار على غرار الدكتور فرج فودة.. وتكفير آخرين على غرار الدكتور ناصر حامد أبو زيد، وهلم جرى، وهذا كله من فعل الإسلاميين السياسيين، ولهذا يقف العلمانيون بصرامة ضد حكم أي حزب إسلامي.. كي لا يسود الإرهاب التكفيري في المجتمع!
أما زعم الأخ علي عن ذلك بـ “أنهم مستعدون للتحالف مع الشيطان لمنع أي حزب إسلامي من الحكم ولو بتعريض أوطانهم للخراب كما حدث في مصر وليبيا”! فهذه فرية شديدة الفجاجة، ففي مصر لم يحدث شيء من هذا، وإن كان بعضهم دعم انقلاب السيسي فليسوا وحدهم من فعل ذلك، فالسلفيون والأزهر أيضا فعلوا ذلك، وهذا يتحمل الإخوان المسلمون الجزء الأكبر من المسؤولية عنه، فهم لم يتركوا لأنفسهم صاحبا، وخلال فترة حكمهم جعلوا “أخونة الدولة” شغلهم الشاغل، فهدروا فرصة تاريخية للانتقال الديمقراطي، وحقيقةً هم ما كانوا يريدون الديمقراطية، بل كانوا يريدون امتطاء ظهرها للوصول إلى السلطة والاستفراد بها! هذا عن تجربة الإخوان في مصر، فماذا سنقول إذا عن تجربة الإسلاميين وبطلتهم “طالبان” في أفغانستان؟ أو عن تجربتهم في السودان، أو حتى عن حكم الملالي في إيران؟! وهل ثمة بين هذه الأمثلة من الحكم الإسلامي أي مثل لا تقشعر له الأبدان وتربأ من مرآه الأبصار، وهل بينها أي نظام يستطيع أن يضع نفسه في مواجهة ومنافسة حقيقية مع الليبراليات الغربية.. التي يحلم أكثرية شباب “ديار المسلمين” بالهجرة إليها، رغم نعتهم لها بالكفر والفسوق؟ وإن أتيحت لبعضهم مثل هذه الفرصة الذهبية، فجلهم لا يتواني عن الانغماس والاستمتاع بملذات الفسق والفجور إلى الحد الأقصى، وكأن الفضيلة الإسلامية عند الشباب المسلم الراهن مصممة حصريا للعمل فقط في ديار المسلمين، ولكنها تطرح جانبا في ديار الكافرين الفاسقين!
وبالحديث عن التحالف مع الشياطين.. هناك من يرى أن في مباركة الإسلاميين لتدخـّل الناتو في ليبيا لإسقاط القذافي، وهذا ما حصل على لسان الشيخ القرضاوي، تحالفا جليا للإسلاميين مع الشيطان.. وتدميرا لليبيا! فما رأي أخينا بذلك؟!
أما قوله أن العلمانية أصبحت محط استهجان الكل خاصة بعد ثورات الربيع العربي، فلا أدري عن أي كل يتحدث، اللهم إلا إذا كان يعني كل الإسلاميين السياسيين والمتأسلمين ورجال دين السلطات، وهؤلاء لا غرابة في مواقفهم، لأن العلمانية هي نقيض عصبياتهم ومصالحهم المقنعة بالدين! فأين هو موقعاً بينهم؟!

وبالنسبة لنعت نظام المخلوع بن علي بالعلمانية، فهذا مدعاة للضحك، فالطواغيت العرب لم يتركوا شعارا إلا وتسلحوا به للتغطية على ديكتاتورياتهم الفاسدة المجرمة، من الوطنية، إلى العروبة، وتحرير الأراضي العربية المغتصبة، والصمود والتصدي، والمقاومة والممانعة، والاشتراكية، وحتى الإسلام نفسه.. والعلمانية ليست استثناء، وهي ليست مذنبة عندما يجعلها طاغية ما قناعا لطغيانه.. كما يجعل سواه سواها أقنعة لحكمه الجائر الفاسد!

أما كلام الأخ الذي يذمّ فيه سلوك السيدة عبير موسي، وهو كلام ينم عن ذهنية ما تزال محكومة بفقه الطاعة وتعظيم السلطان ورفض الاختلاف والتعبير عن الرأي، فبدون الدخول في التفاصيل، أريد أن أسأله: هل خالفت السيدة عبير موسي القانون التونسي؟ أو هل خالفت معايير العمل البرلمان التونسي أو خرجت عن التقاليد البرلمانية العالمية؟! إذا كان ذلك قد حصل.. فلم لا تحاسب أصولا عليه؟
وهل لديه أي دليل حقيقي على الاتهامات الكبيرة والعديدة والخطيرة التي يتهم بها السيدة موسي، فيقول أنها تتواطأ مع جهات خارجية على مستقبل تونس وأمنها، وتقدم مصلحتها الشخصية على مصلحة وطنها تونس، وتسعى لعرقلة الانتقال الديمقراطي، وما شابه، فإن كان لديه فلماذا لا يتوجه إلى القضاء بهذه الأدلة ليحاكمها على ذلك، وإن لم يكن لديه سوى القيل والقال والقلاقل، فهو عندها من يستحق المحاسبة القانونية والأخلاقية على نشر الأكاذيب واتهام الناس بالأباطيل وتشويه سمعتهم.
أما افتراضه بأنني سأدافع عن طرحي ودراستي بالقول “أن عبير موسى ومن معها لا يمثلون العلمانية كما لا يمثل تنظيم داعش الدين الإسلامي، وأن هذه ورقة مهمة جداً بإمكان أي علماني الرمي بها إذا ما احتدم النقاش”، فسأكتفي بالقول أنني أستطيع تماما أن أقول نفس الشيء عن الإسلاميين بخصوص رمي “أوراق التبرؤ” هذه.. وبناء على ذلك سيجد الأخ علي نفسه متماهيا مع داعش مهما قال أنها لا تمثل الإسلام، وسيكون عندها مدانا بفظائع .. بينها من البون وبين كل ما يزعم أن عبير موسي تفعله.. ما بين القنطار والحبة وأكثر!

وبالنسبة للنقد الخاص بوصفي للعلمانية وقوله “قطعاً لن نصدق الرجل، خاصة أن المنبر الذي يتحدث منه والذي يسمى زوراً “المؤمنون بلا حدود”، تابع لدولة الإمارات العربية المتحدة، الدولة التي أفسدت على الشعوب العربية فرحتها..”
أرد عليه أن العلمانية ليست مرهونة قطعا بكلامي الخاص، فالفارق الهائل بين حسنات الأنظمة الغربية التي تشكل العلمانية جزءا أساسيا من بنيتها السياسية الاجتماعية وبين المجتمعات الإسلامية هو شهادة إيجابية كافية للعلمانية، أما الكتابة في منبر “مؤمنون بلا حدود”، وهو ليس الموقع الوحيد الذي أكتب فيه، فأنا أكتب في :”عربي بوست” مثلا، وكنت أكتب سابقا في “الهاف بوست عربي” وفي العديد من المواقع الأخرى! وليس مهما أين يكتب المرء بل المهم ماذا يكتب، وبالنسبة لـ “مؤمنون بلا حدود” أقول- بغض النظر عما في الكواليس- أنها على المستوى الثقافي كانت مؤسسة رائدة، وكتب فيها نخبة من مفكري العالم العربي كله، وهي لم تكن “جماعة مللية” ولا “حزبا سياسيا” و”لا حركة مؤلجة”، وكانت منبرا حقيقيا لنشر الفكر العقلاني والنقدي الحديثين.. ولبعث روح العصر في الموروث الإسلامي، ولا يتهمها بأنها منبر زور، إلا ذهن لا يميز بين العقل والجهل وبين الحق والباطل، وإرث المؤسسة ما يزال موجودا، وبإمكان أي عاقل منصف أن يطلع عليه ويحكم بعقله وضميره، ومقابل ذلك لدينا عربيا جحافل مجحفلة من (منابر) من الوسائل الإعلامية السلطوية التي تنشر فيوضا من الكذب والتضليل والتجهيل، والإسلاموية التي تنشر بدورها مثل ذلك من ضراب خطابات التعصب والتطرف والكراهية والعنف وتغييب العقل وتجاهل العلم وهلم، وكلا الفريقين غالبا متحالفان، فهل ثمة زور أو باطل بعد مثل هذا؟

أما حرب الإمارات المقدسة التي يتحدث عنها الأخ رباح، ويجعل المؤسسة المذكورة جزءا منها، واتهامه الإمارات بأنها أفسدت على الشعوب العربية فرحتها.
فعن أي فرحة يتحدث.. هل هي فرحة “انتصار الإسلام السياسي” الذي سرق -أو اختطف- ثورات الربيع العربي؟!
ولماذا علينا أن نصدق الأخ رباح.. في وقت يتهم فيه سواه السعودية وقطر وتركيا وإيران وأمريكا وأوروبا وروسيا وسواهم بتهم مماثلة؟!
نعم هناك تدخلات كثيرة تحدث في كل المنطقة العربية، وهناك مصالح متضاربة ومتناقضة تتصارع بعنف في هذه المنطقة المنكوبة، ولكن اتهام طرف محدد بعينه وشيطنته وتحميله الوزر.. ليس إلا عملا متحيزا مغرضا بعيدا عن موضوعية العقل وحيادية الضمير!

في ختام مقاله يقول الأخ علي أن التجارب العَلمانية العربية بجميع تياراتها فشلت في بناء دول قوية، وهذا كلام جزافي محض، فمثل هذه التجارب لم تقم قطعا بعد لتفشل، والذي فشل بشكل ذريع هي تجارب الإسلاميين التي قامت في بعض الدول العربية، كما حدث في مصر.. والسودان.. وغزة مثلا!
كما يقول أنه يتفق مع الشعوب وحقها في أن تصوّت للإسلامي أو اليساري، فإن كان كذلك فلماذا يشيطن الدولة العلمانية الغربية، وهي دولة تصوت لها شعوبها، أم أنّ الغربيين قاصرون.. وعلينا نحن العرب الراشدين ألا نعترف بخياراتهم.. وأن نصبح أوصياء عليهم؟

وختاما أقول.. عن وصف الأخ للعلمانيين العرب” بأنهم علمانيون بلا حلول”.. بأن العلمانية ليست وصفة جاهزة تستورد من الخارج كما تستورد البيسي كولا أو الفياغرا!
العلمانية الحقيقية هي ليست حلا، ولكنها منهجية للحل.. وطريقة لإنتاج علاج لداء مستفحل عمره قرون، وإن كان العلمانيون بلا حلول، فماذا لدى الإسلاميين؟ إن كان العلمانيون لا يحلون.. فهذا ليس لأنهم ليس لديهم حلول، بل لأن الإسلاميين الذين ليس لديهم إلا المشاكل والمصائب لا يمكنهم قطعا أن يحلوا، ولكنهم لا يدعون غيرهم يحل!

*
‏17‏/11‏/2020

About رسلان عامر

نبذة عن الكاتب: مهندس سوري من موليد 1968.. متخرج من أو كرانيا عام 1994 باختصاص الطاقة الحرارية. يحمل ماجستير في الطاقات المتجددة 2007، و ماجستير في الإدارة عام2001، و دبلوم في الطاقة الشمسية عام 1999، ودبلوم تأهيل تربوي عام 1999 من جامعة دمشق. له كتاب مترجم عن الروسية منشور في دار الكلمة بدمشق، عام 2003 عن فلسفة الحب الطاوية الصينية. و يشارك اليوم في مجلات و مواقع رقمية سورية و عربية.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

1 Response to رد على مقال “علمانيون بلا حلول”

  1. س . السندي says:

    من ألأخر …؟

    ١: أولا في ظل العلمانية الغربية تستطيع أن تكون علمانياً أو ملتحياً أو رجل دين ، على شرط أن لا تتجاوز حقوق وحريات الاخرين ، وهذه حقيقة ساطعة لا يستطيع أن ينكرها أكبر دجال ملتحي وخاصة الذين يعيشون فيها ، فهل يستطيع العلمانيون التمتع في بلداننا بنفس حريات المتشددين والارهابيين ؟

    ٢: العلمانيون في بلداننا كانو أول المساهمين في ثورات الربيع العربي وأول ضحاياها ، وهذه أيضاً حقيقة ساطعة يستحيل نكرانها ، بعد أن تسلق على أكتافهم عصابات الاخوان المجرميين والمتأسلمين الارهابيين والمنتفعين منها باسم الحرية والديمقراطية ، والذين تأكد دعهم من قبل إدارة المجرم الشيعي المُلا „ حسين أوباما والحاجة كلنتون„ لصالح ملالي إيران وذيولهم ؟

    ٣: وأخيراً
    لنكن منطقيين {هل العلة في العلمانية أم العلة في تجار السياسة والدين من الارهابيين} الذين تأكدت إنهازيتهم ودورهم الخطير في افشال وتشويه معظم الثورات ، والتي كان مخطط لها من قبل قوى الشر العالمية والاسلامية الارهابية ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.