رحلتي مع الإسلام!

العرب من وجهة نظر يابانية

(بقلم د. يوسف البندر)
لقد كُنتُ مسلماً، متديناً، ملتزماً، لا اقرأ إلا القرآن، ولا أتلو إلا الصلاة، أنتمي لأسرةٍ مسلمة، وُلِدتُ في بلدٍ يدين بالإسلام، وترعرعتُ فيه، وصليتُ في جوامعهِ، ودرستُ في مدارسهِ وكلياتهِ، وتشبعتُ بالتعاليم الإسلامية، والفقه، والشريعة، منذ نعومة أظفاري، فكل ثقافتي من تلك البيئة، وكل عاداتي من ذلك المحيط، وكل التقاليد والأعراف قد ورثتها كابراً عن كابر، ومن جيلٍ إلى جيل!
فكُنتُ منهمكاً في قراءة القرآن يومياً، مواظباً على الصلاة بكل جوارحي، دؤوباً على الصيام بكل قواي، مثابراً، متواصلاً، عاكفاً، فختمتُ القرآن بأكملهِ أكثر من سبعين مرة خلال خمسِ سنوات فقط،!
لكن في بداية عام 2010 جنحتُ إلى طريقٍ آخر، واتبعتُ منهجاً جديداً، فقررتُ أن أبدأ في قراءة تفسير القرآن، وأسفار التاريخ، وكُتب السيرة، ومجلدات السُنن والحديث! لأنني، في الحقيقة، واجهتُ صعوبةً في فهم بعض كلمات القرآن، ومشقةً في تفسير جزءٍ من عباراته، وتعسراً في إدراك قسمٍ من نصوصه، وكُنتُ حينها أيضاً، جاهلاً في تاريخ هذا الدين ونبيهِ وأصحابهِ!
ففي تلك المرحلة من حياتي، قررتُ أن اقرأ تاريخ أجدادي، تاريخ ديني، تاريخ قرآني، تاريخ نبيي، تاريخ المعارك والحروب، تاريخ الغزو والدمار، تاريخ القتل والذبح، تاريخ السلب والنهب، تاريخ الرق والجواري، تاريخ السبي والإماء، تاريخ الدولة التي أُسستْ في رمال الصحراء!
فبدأتُ أقرأ جزءاً من كتابٍ ما، ثم أنتقل إلى جزءٍ من كتابٍ آخر، في نفس اليوم، ربما ثلاثة إلى أربعة كُتب! فكنتُ أقرأ مئة صفحة من كتاب تفسير القرآن للطبري يومياً، فأكملته بعد ستة أشهر تقريباً، وجزءاً من كتاب البداية والنهاية للمؤرخ ابن كثير، وجزءاً من كتاب السيرة للمؤرخ ابن هشام، حيث كان اليوم مُقسّماً على عدة كُتب، حتى أُنهي هذه الكتب، لأبدأ بكتبٍ أخرى!
وهكذا داومتُ على البحثِ في أسفار التاريخ، وواصلتُ الليل بالنهار قراءةً وتنقيباً، وفحصاً وتدقيقاً، ونبشاً وتفتيشاً، فإستأنفتُ وإسترسلتُ وإستطردتُ، فكُنت أقضي أكثر من خمس عشرة ساعة يومياً في القراءة، وعلى مدار سنوات، فصار يومي عبارة عن كُتبٍ وأوراق، وقراطيس وأقلام، حتى وجبات الطعام الثلاثة قد تحولتْ إلى وجبتين فقط، لكسب الوقت، فتعودتُ على ذلك حتى أصبحتْ عادةً مُلازمة لي!
فتتبعتُ الكلمات والمعاني، وتقصيتُ العبارات والجُمل، وتأملتُ فحوى القول، وفكرتُ بمغزى الكلام، فلم أهمل صفحةً، ولم أغفل ورقةً، ولم أستهينُ بكتابٍ، ولم أستخفُ بحديثٍ، ولم أتكاسل يوماً، ولم أتقاعس لحظةً!
فمرتْ الساعات، ومضتْ الأيام، وإنقضتْ الليالي، وطُويتْ السنوات سريعاً، فكُشِف المستور، وأُفشيّ المكتوم، وأُشيع المكنون، وبانتْ الأسرار والخفايا! فأصبح الكذب مكشوفاً، وأضحى الظلم جلياً، وبات الجور واضحاً! فعرفتُ ما وراء الستار، وأدركتُ ما خلف الكواليس!


أنا لا أدعي بأني مختصٌ في التاريخ، لكني متأكد بأني قرأتهُ بإمعان ودقة، وإفراطٌ وإتقان، وإجادة وإحكام، مستخدماً العقل والمنطق، لا القلب والعاطفة، في تحليل احداثهِ البشعة، ونقد شخصياتهِ السمجة، وإنْ كانتْ مقدسة عند الآخرين!
بعد أن أنهيت رحلتي بين هذا التاريخ وذاك التاريخ، صُدِمتُ بمئات الأسئلة التي اُثيرتْ، وبدأتْ تصرخُ وتستغيث، وتصيحُ صياحاً شديداً، مطالبة بأجوبةٍ منطقية، وتفسيراتٍ مُقنعة، لجرائم هذا التاريخ، لكن بلا جدوى ولا فائدة!
فقررتُ أن أكتبُ ما توصلتُ إليه، وأنشر الحقيقة الغائبة، والتاريخ المُغيّب، عسى ولعل ما أذكره هنا في صفحتي يدفع البعض للتأمل والتبصّر، والتفكّر والتدبّر، والبحث والتقصي، وإدامة النظر، وإعمال العقل!
دُمتم بألف خير!

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.