رباعيات إليوت الأربع

توماس ستيرنز إليوت , أو تي إس إليوت 1888 _ 1965 الحائز على جائزة نوبل في الأدب 1948 , مواطن أمريكي قدم الى بريطانيا عام 1914 وحصل على جنسيتها عام 1927 بعد زواجه من سيده بريطانيه . أشهر أعماله : الأرض اليباب , أغنية حب جي ألفرد بروفروك , الرجال الجوف , أربعاء الرماد , الرباعيات الأربع , مسرحية جريمة قتل في الكاتدرائيه , ومسرحية حفلة كوكتيل , ومقالة التقليد والموهبه الفرديه

الرباعيات الأربع هي أربعة تأملات مترابطة مع موضوع مشترك هو علاقة الإنسان مع الزمن ، والكون ، والإله . وصف فيهن إليوت فهمه للإلهيه داخل القصائد ، ومزج بين البروتستانتيه والكاثوليكية مع الأعمال الصوفية والفلسفية والشعرية في التقاليد الدينية والثقافية الشرقية والغربية على حد سواء ، مع إشارات إلى الهندوسيه وما قبل السقراطيين وكذلك القديس جون الصليب والقديسه جوليان من نورويتش

على الرغم من أن العديد من النقاد يجدون أن الرباعيات الأربع هي آخر أعمال إليوت ، إلا أن بعض نقاد إليوت المعاصرين ، بمن فيهم جورج أورويل ، كانوا غير راضين عن تدين إليوت في هذه الرباعيات وسنعرف السبب لاحقاً . لكن بعض النقاد الاخرين وجدوا أن الموضوعات الدينية جعلت القصيدة أقوى بشكل عام ، قراء إليوت وناقدوه الأخرون شعروا أنه في هذه الرباعيات تخلى عن الجوانب الإيجابية التي كانت موجودة في شعره السابق

نشر إليوت قصائده الأربع بشكل منفصل بين عامي 1935 _ 1942 ثم طُبعت القصائد الأربع في كتاب واحد عام 1943 والقصائد كلها تحمل أسماء مناطق موجوده داخل المملكه المتحده ولها علاقه مباشره مع إليوت نفسه , هذه الأماكن هي : برنت نورتون , إيست كوكر , دراي سلفيجز , ليتل غيدنغ

برنت نورتون هي أول قصيدة من الرباعيات الأربع قام إليوت بتأليفها حين كان يكتب مسرحية جريمة قتل في الكاتدرائيه , ونشرها أول مره عام 1936 في مجموعته الشعريه التي ضمت قصائده بين عامي 1909_ 1935 . بيرنت نورتون هو قصر ريفي في كوتسوولدز زاره إليوت , وكانت حديقة القصر بمثابة صوره مهمه داخل القصيده , أما من ناحية هيكل القصيده فهو يشبه هيكل قصيدة الأرض اليباب يضمنه إليوت حوارات قالتها شخصيات كتب عنها في مسرحية جريمة قتل في الكاتدرائيه . المسأله المركزيه في القصيده تدور حول طبيعة الوقت والبحث عن الخلاص , وحاجة الفرد الى التركيز في النظام الكوني والتعرف على الرب وطلب الفداء من المخلِّص . ركز مراجعو القصيده على تفردها وجمالها بينما إشتكى آخرون من أن برنت نورتون لا تعكس عظمة قصائد إليوت السابقه وأن إستخدام الموضوعات المسيحيه أضرَّ بالقصيدة جداً

الرباعيه الثانيه هي إيست كوكر التي إستعملها إليوت وسيله ليعود الى كتابة الشعر بعد إنقطاع حوالي 5 سنوات , أتم كتابتها عام 1940 وكانت الحرب العالمية الثانيه قد إشتعلت منذ عام , وهي مكتوبه على غرار رباعيته الأولى برنت نورتون وطبعت في عيد الفصح عام 1940 في صحيفة نيو إنجلش ويكلي . يشير العنوان إلى إيست كوكر وهي قرية وأبرشية مدنية في منطقة سومرست الجنوبية في سومرست ، إنجلترا . أقرب بلدة لها هي يوفيل ، على بعد ميلين من الشمال . يبلغ عدد سكان القرية 1666 نسمة تربط إليوت مع أغلبهم صلة قرابه . بعد وفاة إليوت وحرق جثته , الى اليوم توجد جرة رماده في أبرشية هذه القريه . تناقش القصيدة الوقت والاضطراب داخل الطبيعة نتيجة اتباع الإنسانيه العلم فقط وليس الإيمان الإلهي . تؤكد القصيده على وصف القادة بأنهم ماديون وغير قادرين على فهم الواقع . الطريقة الوحيدة للبشرية للعثور على الخلاص هي من خلال السعي وراء الإله والنظر إلى الداخل وإدراك أن الإنسانية مترابطة . عندها فقط يمكن للناس فهم الكون

بدأ إليوت كتابة دراي سيلفجز في نهاية عام 1940 خلال الغارات الجوية على لندن ، وتمكن من إنهاء القصيدة بسرعة . تضمنت القصيدة العديد من الصور الشخصية المرتبطه بطفولة إليوت حيث أمضى وقتاً طويلاً وهو يلعب على سطح صخرة على ساحل البحر ، وأكدت على صورة الماء والإبحار بمثابة استعاره للبشرية . وفقاً للقصيدة ، هناك علاقه داخل كل إنسان تربطه بالبشرية جمعاء . إذا قبلنا الانجراف الى البحر فقط ، فسننتهي حين تكسرنا الصخور وتكسر معنا مَن نحن مرتبطون بهم . نحن مقيدون بالوقت ، لكن البشاره المسيحيه أعطت البشرية أملاً في أن تتمكن من الهرب . هذا الأمل ليس جزءاً من الحاضر. ما يجب علينا فعله هو فهم أنماط البشر والسلوك وطبيعة الإيمان الموجودة في الماضي من أجل معرفة أن هناك معنى يمكن العثور عليه عن طريق الخلاص والمخلِّص . هذا المعنى يسمح للمرء بتجربة الخلود من خلال لحظات التأمل

ليتل غيدنغ وهي رابع هذه القصائد بدأ إليوت بكتابتها مباشرة بعد إنتهائه من دراي سيلفجز لكنه مزّق الكثير من مسوداتها لأنه لم يكن راضياً عنها , كان مريضاً متعباً ولم يتم القصيده حتى سبتمبر 1942 وهي مثل سابقاتها الثلاث موضوعها الرئيسي هو الزمن ومكان البشرية فيه , وتدعو الى توحيد الأمم مع الحضارة الغربيه , وفي مناقشتها للحرب العالمية الثانيه فهي تنص على أن لا خيار ثالث للبشريه أما الإيمان بالرب والخلاص من الحرب وإما تفجير لندن . حب الرب يسمح للبشريه بإستعادة نفسها والهرب من جحيم الحرب , يستشهد إليوت على ذلك بعبارات من الأم جوليان التي عاشت بين عامي 1342 _ 1416 وكتبت أول كتاب صوفي تكتبه إمرأه باللغة الإنكليزيه ( الكشف عن الحب الإلهي ) حيث تصف نهاية القصيده كيف حاول إليوت مساعدة العالم عن طريق الشعر بإقناعهم بالإيمان كطريق للخلاص كما فعلت الأم جوليان من قبل

رباعيات إليوت الأربع تمتليء بالرموز الدينيه , ليست المسيحيه فقط , ولكن الهندوسيه والماهابهارتا من خلال تضمين قصيدة دراي سيلفجز مشاهد من معارك الماهابهارتا يصور بها إستعاراته لمعاناة البشريه وصراعها من أجل البقاء

نعود الى جورج أرويل وعدم رضاه عن تدين إليوت في هذه الرباعيات . حين تحل كارثة كبرى بأي مجتمع فبسبب الخوف تحصل أنواع متعدده من حالات النكوص , مجتمعات بأكملها تنكص إجتماعياً فتتخلى عن السائد في حياتها اليوميه من عادات وتقاليد وتعود لتعيش بما كان سائداً في حياة آبائها وأجدادها . غيرها من المجتمعات تنكص أخلاقياً فتنسى القيم والمباديء وتستحل كل شيء من أجل تحقيق مصالحها متانسية العيب والحرام واللائق وغير اللائق . ومجتمعات غيرها تنكص دينياً ( ولو ظاهراً ) فنراها تبالغ في التعبد والحديث عن الدين تطمح به الخلاص بمعجزة إلهيه , مع أن حياتها السابقه واللاحقه مليئة بالفواحش , إليوت واحد من هؤلاء وأورويل يعرف ذلك ولهذا كان يسخر وينتقد تدين إليوت في رباعياته

الباحثه التاريخيه كارول سيمور جونز 1943 _ 2015 أصدرت عام 2001 كتاباً بعنوان ( ظل مرسوم _ حياة فيفيان إليوت ) تحدثت فيه عن مأساة حياة زوجة الشاعر وردّت لها إعتبارها عن حياة مهينه الى أبعد الحدود عاشتها مع زوجها . الزوج كان مثلياً تزوج سيده بريطانيه فقط من أجل الحصول على الجنسيه . قال عن ذلك : أقنعتُ نفسي بأني أحبّها، فقط لأني أردتُ أن أقطع على نفسي سبيل الرجوع إلى أميركا، وأن أبقى في إنكلترا . ولم يعاشر زوجته غير مره واحده اخيره ثم عاد الى مثليته , كانت تنام على سريرهما , بينما ينام هو على سرير وضعه في المطبخ , وشجعها على أن تدخل في علاقة حميمه مع صديقه برتراند راسل استمرت 3 سنوات , ما دفعها الى الإدمان والإنهيار النفسي والعقلي ثم الدخول الى المصحه حيث ماتت بعمر 58 سنه . حسب ما ذكرت سيمور جونز في كتابها فإن فيفيان صرحت قبل وفاتها بأن برودة إليوت وصمته كانا مسؤولين عن مرضها ودمارها , حيث بلغت ذروة المواقف بينهما حين أراد تطليقها لأنها ( عاهره ) متناسياً تعلقه ببرتراند راسل وشكره له لأنه ساعده في مجالات كثيره من بينها إيجاد عمل له

حياة تي . إس إليوت مليئه بالمتاهات التي يغطيها بالكذب في كل مراسلاته التي تنشر الآن . أبشع كذباته بحق زوجته جاءت بعد وفاتها حيث قال : أردت تذكر موقف طيب واحد أرثيها به فلم أتذكر . لم يبقِ إليوت مثلبة لم يرتكبها من أجل تلميع نرجسيته الإبداعيه أفلا يحق لجورج أرويل السخريه من تدينه المزيف ؟؟

د. ميسون البياتي

About ميسون البياتي

الدكتورة ميسون البياتي إعلامية عراقية معروفة عملت في تلفزيون العراق من بغداد 1973 _ 1997 شاركت في إعداد وتقديم العشرات من البرامج الثقافية الأدبية والفنية عملت في إذاعة صوت الجماهير عملت في إذاعة بغداد نشرت بعض المواضيع المكتوبة في الصحافة العراقية ساهمت في الكتابة في مطبوعات الأطفال مجلتي والمزمار التي تصدر عن دار ثقافة الأطفال بعد الحصول على الدكتوراه عملت تدريسية في جامعة بغداد شاركت في بطولة الفلم السينمائي ( الملك غازي ) إخراج محمد شكري جميل بتمثيل دور الملكة عالية آخر ملكات العراق حضرت المئات من المؤتمرات والندوات والمهرجانات , بصفتها الشخصية , أو صفتها الوظيفية كإعلامية أو تدريسة في الجامعة غادرت العراق عام 1997 عملت في عدد من الجامعات العربية كتدريسية , كما حصلت على عدة عقود كأستاذ زائر ساهمت بإعداد العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الدول العربية التي أقامت فيها لها العديد من البحوث والدراسات المكتوبة والمطبوعة والمنشورة تعمل حالياً : نائب الرئيس - مدير عام المركز العربي للعلاقات الدوليه
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.