راسب في رمضان

استبشرت خيراً قبل أكثر من ألفٍ وأربعمائة سنة. ذلك في رمضان العام الثاني للهجرة، يوم صدرت أوامر إلهيّة بتشريع الصيام، وتأملت في العدالة خيراً لأن المُترفين سوف يشعرون بجوع المساكين ويفهمون المغزى من الصيام، مُستخلصين العبرة من التشريع الكريم هذا، خصوصا حينما تناديهم أجوافهم من ضور الجوع والعطش.
ونتيجةً لذلك سوف يتسارع أرباب العمل المُترفين باتخاذ قرارات كريمة باتجاه التكافل الإجتماعي، فيضاعفون أجور عملنا وننعم بالإستحقاق المادّي ونصبح في شيءٍ من البحبوحة، لنوثّق علاقة حميميّة مع صاحب محل البقلاوة والكنافة الرمضانية وربما نتعرّف على أصدقاء جُدُد، من أمثالِ الحاج كريم أبو الكباب الّذي طالما استفزّنا دُخّان شِواءِ منقلِه أسفل الشقّة، وأبداً سوف لن تكون هذه المأكولات حكراً على الأغنياء بعد الشهر الفضيل هذا.
صِمْتُ وصام الناس وانتهى الرمضان الأول من السنة الثانية للهجرة لكن لم يتغيّر الحال، لا كنافة ولا كباب.
بات الشكُّ ينتابني بعد ذلك من جدوى صيامي، خصوصاً أنّ الأغنياء لم يلتفتوا إلينا بعد انتهاء الشهر الفضيل، لكن الصبر عبادة وكان رجائي في الرمضان القادم الذي شهدنا هلاله بعد عامٍ، ثم تبعه الثالث والرابع و….السابع حتّى العاشر بعد الألف وصولاً إلى رمضاننا القادم بالعدد 1441 و الحال هو ذات الحال لا كباب ولا كنافة ولا مال، ولم تتوسّع علاقاتي الاجتماعية إلى أبعد من كُشكِ صديقي القديم، صبري أبو الفلافل.
بدأت أبحث عن الخلل، حيث لا زكاةُ فِطرةٍ أشْبعَت فقيراً ولا صومُ غنيٍّ أطعمَ يتيما، فزادت أسئلتي:
لماذا لم يتكافل المسلمون ؟
لماذا لم يرفع أرباب العمل أجور العمّال ؟
لماذا لم تتدخّل الحكومات في الموضوع، ولماذا شيوخ الدينِ صامتين؟


لماذا ولماذا، ولماذاتٌ كثيرة تصرخ بدون صدى. ربما لأنّ الأغنياء يَحيون نهار رمضانهم في الليل، وكلّ ما يفعلونه يأكلون ويشربون من المغرب إلى الفجرِ، ثُمّ ينامون في النهارِ. لا يجوعون ولا يعطشون، لأنّ هناك من يعمل ويجوع بالنيابة عنهم من دون الإحساس بمعاناتهم.
مع ذلك تجدهم في آخر الشهر يهنأون براحةِ بالٍ حينما يغسلون ضمائرهم بزكاة الفطرة للفقير التي حدّد كميّتها الفقهاء بِمقدار صاعٍ أو صاعين من الأرُزِّ زكاةً، يُطعِمون بها المساكين في العيد السعيد. وغالباً ما تُقدّم تلك الزكاة بواسطة الجوامع وليس بشكل مباشر من الغنيِّ إلى الفقير، لأنّ رؤية البؤساء لا تتناسب مع مُستوى النظر.
نشكر الجوامع التي أنهت الفوارق الطبقية، وجزيل الامتنان إلى علماء الدين الذين اجتهدوا وحَدّدوا توصيفًا لكميّةِ الرز أو غيره من الحبوب الواجب إعطائها للفقير بموجب هذه الزكاة.
وعلى الرغم من الاختلافات الفقهية حول كمّية الصاع فقد تم الاتفاق على تحديده بأربعة أمداد، بحيث يكون كلّ مدٍّ أربع حفنات بِيَدِ رَجُلٍ لا طويل ولا قصير، شرط أن تكون الكفُّ لا ممدودة ولا مقبوضة. يعني جعلوها حزّورة، لذلك تولّى الأمر شيوخنا(أثابهم الله)، بالنيابة عن المؤمنين، فحدّدوا مقدار الصاعِ بثلاثة كيلوغرامات أو أكثر قليلاً، حسب إمكانية المليونير شرطَ أن لا تؤثر فطرة الزكاة هذه على ميزانية أسرته.
وللغني حق اختيار المُنتَج الزراعي سواء كان أرُزّ أو عدس أو غير ذلك من المنتوجات، حسبما ينتجه بلده من محاصيلٍ زراعية.
وبذلك نكون قد حققنا خطوة بعيدة نحو العدالة في توزيع المواد الغذائية.
لكن لم يحسب الشيوخ أو أهل الفتوى كميّة زكاة الفطرة في بلاد الجفاف الغير زراعية، تلك التي لا تنتج سوى نفطاً ولم يقولوا لنا كم دلّة يساوي صاع النفط؟ وهل للفقير نصيبٌ من فناجين البترول؟
يا أصحاب العمائم، إنّ الزكاة بشكل عام ومنها الفِطرة في نهاية رمضان لم تحِل مشاكل العوز على مدى القرون التي مَضت، ولم تقلل من الفوارق الطبقية التي نادت من أجلها الثورة الإسلامية قبل 1440 عام، بينما قد حققت الأنظمة الضريبية في دولٍ لا وجود للشيوخ فيها عدالة غذائية لمواطنيها، وذلك بتطبيق برنامج ضريبي للصالح العام يدفعه الأغنياء بإشراف علماء الاقتصاد والاجتماع، لا بإفتاء من شيوخ الدين.
أيها الشيوخ وأعضاء مجالس النوّاب، أطلقوا صوت الشعب واجبروا الحكومات على إصدار قوانين تُضاعف أجور العمّال وتفرض ضرائب مُجزية على أرباب العمل من الذين تبلغ مدخولاتهم آلاف أضعاف ما يحصل عليه المستخدمين، لكي نضمن توزيعًا عادلاً للثروات وعيشًا كريمًا لكل الناس.
أمّا الحصول على الطعام بحد ذاته فقد أمسى حق مكفول وشبه مجاني للمواطنين الغير قادرين على العمل في كثير من دول العالم. ولم تَعُد صاعات العدس والطحين ومِنَّتِها تعني شيئاً لدى الشعوب الواعية.
يا من تدّعون الفقه و المَشْيَخَة. أنكم تتستّرون على الباطل وتعاضدون الأقوياء على الفقراء، وتُحابُون الحكومات على حساب الشعوب. فأنتم مع الذئب على الشاة، لأن الفقير لا يملأ كروشكم ريالاتٍ و دولارات، ولا يهديكم قصوراً أو سيارات.
أخبروني يا شيوخ الدين، هل تزورون بيوت الفقراء في شهر رمضان لتُشاركونهم الخبز و الشاي على الإفطار كما تُشاركون الأغنياء قوازيهم؟
توبوا عن النفاق وافتحوا الطريق للفقراء ليأخذوا حقوقهم.
إن صيامَ 1440 رمضاناً لم يحقق رحمةً ولا تكافلاً اجتماعياً ولم ينتفع الفقراء من صيام الأغنياء.
إنّ التشريع أراد أن يحثكم إلى النهج القويم، فالصيام ليس نومٌ في النهارِ ومشاوي و محاشي في الليل، بل إنّ رمضانَ درسٌ وعبرة يتبعه تصحيحٌ للنفوس ورحمة.
وكان علينا أن نتعلم العدل من الدرس الأول، أي في اليوم الأول للصيام، ذلك قبل أكثرِ من 1440 سنة.
لكن يبدو أنّ المنهج ما زال عسيرٌ على الأمّةِ، إذ نصوم كلّ الرمضانات ونعيد درس الصيام كل سنة من دون أن نفهم العبرة، فندخل امتحان الصيام عشرات بل مئاتِ المرّات والنتيجة هي النتيجة لا تتغيّر. راسب في رمضان.

About حمدي تمّوز

مواليد بغداد 1959، وفيها أنهيت مراحل دراستي. حصلت على بكالوريوس هندسة مدنية 1981. عملت في مجال الهندسة لغاية 1990، ثم أعمال تجارية حتى هجرتي سنة 2002 إلى الأردن ثم إلى كندا. كتبت الشعر و المقال، لكن لم أنشر شيئاً بسبب معارضتي الأيديولوجية للنظام السابق، و قد صُودِرت منّي مسودة كتاب يكشف زيف بعض روايات التاريخ الديني. أسست أول غاليري للفن التشكيلي العربي في تورونتو بإسم ( تمّوزي آرت سنتر) سنة 2011-2015. كتبت عدة مقالات في الجرائد العربية التي تصدر في كندا بين 2009-2011 انتقلت للعيش في تركيا سنة 2018-2020 و هناك أصدرت أول كتاب مطبوع بعنوان ( هيّا إلى الجنّة ). لكن لم أبدأ توزيعه على نطاق واسع. كتبت مجموعة مقالات لم أنشرها خلال السنوات القليلة الماضية. أعمل حالياّ على كتابة رواية قصيرة من 140-160 صفحة، تتناول موضوع الظلم الاجتماعي للمرأة في الشرق الأوسط، واخترت إحدى الدول مثالاً. أتوقع أن يصدر الكتاب في الربيع المقبل. أتنقل حالياً بين كندا و تركيا. شكراً لاهتمامكم الكريم، حمدي تمّوز. تورونتو.
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.