رائحة المستنقع قد استشرت ومهمة ردمه مستحقة منذ ١٤٠٠ عاما! ودود الخل منه وفيه

قبيل انهيار الإتحاد السوفياتي بأشهر، أذكر أن صحيفة لوس أنجلوس تايمز كانت قد نشرت رسما كاريكاتوريا، يظهر طفلين بيد كل منهما لعبة على شكل مسدس، وكل منهما يصوب مسدسه على الآخر. الطفل الأول يرتدي قبعة العم سام، والطفل الثاني يرتدي قميصا يحمل شعار الشيوعية. أطلق كل منهما رصاصة على الآخر. الرصاصة الأولى أصابت الآخر في رأسه،
والرصاصة الثانية أصابت الآخر في قلبه، وتحت الرسم كتبت عبارة:
It’s a stupid game!
يالها من لعبة غبية!
…….
نعم، إنها لعبة غبية عندما تلعبها وأنت تدرك أنك والطرف الآخر ستفنيان بعضكما البعض، وليس من منتصر!
…..
مؤخرا بدأت تتبلور عندي قناعة، من أن الحروب في هذه البقعة الموبوءة من الأرض هي نعمة، وليست كما نتصورها نقمة بالمطلق! فعندما يتحول المجتمع، أي مجتمع، إلى مستنقع راكد ونتن، لن يتغير شيء إلا بازالة المستنقع عن بكرة أبيه.
قد تكون فكرة غير إنسانية، لكن وكما قيل، من وحي التجربة: الكي آخر العلاج! الحرق مؤلم جدا، لكنه وسيلة ناجعة للتطهير!
……
تحضرني الآن ذكرى فيلم أمريكي كنت قد شاهدته منذ أكثر من ثلاثين عاما… يروي الفيلم قصة معسكر كانوا على وشك أن يغلقوه، وينقلوا الجنود وأسلحتهم إلى أمريكا، عندما انتشر وباء قاتل في المعسكر، راح ينتقل بالعدوى ودون أي أمل في السيطرة عليه. لم يكن أمامهم إلا أن يحرقوا المعسكر – بمرضاه وأصحائه -عن بكرة أبيه! لا يستطيع المرء أن يستوعب هكذا قصص، ويظن أنها من وحي الخيال، دون أن يدري أنه لا خيال إلا من وحي الواقع!


…..
وصلتني مؤخرا عدة فيديوهات، ورافقتها عدة تجارب شخصية، ومداخلات بالمدافع الثقيلة على صفحتي وصفحات بعض الأصدقاء، وضعتني وجها لوجه مع حقيقة حاولت أن أتجاهلها لسنين! كنت أقنع نفسي، أو أجبرها على الإقتناع من أن هناك
أملا في التغيير، ويوجد نسبة من الشعب مهما كانت ضئيلة ذات وعي عال، ويمكن الإعتماد عليها. لكنني أعترف اليوم بضحالة قناعتي هذه، وفشل محاولاتي تلك!
….
سأقولها للمرة الأولى، وسأدونها للجيل العاشر الذي سيأتي من بعدي، كي يتذكر صحة ما قلت: على هذه الحروب أن تستمر، بل عليها أن تزداد انتشارا وتشتد سعيرا، لكي تطهر الخبث الذي استشرى… من يموت يرتاح ويخفف من آلام الكون، ومن يبقى لا بد أن يصل مع الوقت إلى قناعة: “أنها لعبة غبية”! وريثما يحدث ذلك، يتحتم على الثلاث وسبعين فرقة ولواحقهم ومشجعيهم،
ومن لف لفيفهم، ومن يعيشون في كنفهم أن يقتلوا بعضهم البعض بشجاعة وبسالة، وبلا رحمة، فرائحة المستنقع قد استشرت، ومهمة ردمه مستحقة منذ ١٤٠٠ عاما! ودود الخل منه وفيه!!!
…..
عندما راقبت الشريط المرفق لم يسعني إلا أن أقول: اللهم زد وبارك! فنارك على سطح الأرض أكثر ضرورة وأشد عبرة من أكذوبة جهنمك!!!
***************************************
اي نعم مقبعة معي….!!!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in الأدب والفن, يوتيوب. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.