رأي للأستاذ #أحمد_نذير_الأتاسي عن فيلم ” #من_أجل_سما”


اخدت قراري وتفرجت على الوثائقي “من اجل سما”. ما شفت كل مشاهد القتل والدماء والبكاء لاني حجبت المشهد بيدي. الفيلم تأثيره في مشاهد الموت فاذا حذفتها اصبحت القصة بسيطة: طلعنا مظاهرات، تحررنا، تجوزت، حاصرنا النظام، صمدنا، جبت بنتين، قصفنا الروس، مات ناس كتير، خرجنا. القصة نفسها لكن مع دماء لها تأثير مختلف. سؤالي المعقد هو لماذا؟ الدراما في الفيلم محصورة بمشاهد بكاء ومشاهد فقد احباب، ومشاهد دماء. فاذا حذفنا فقد الاحباب والدماء لم يبق من الدراما الا القليل.

سيثير هذا الكلام حفيظة ناس كثيرين. لكن السؤال الفلسفي الكبير يبقى دون اجابة. سؤال عمره تسع سنوات ولا يزال دون اجابة. ماذا حدث ولماذا وكيف؟ هذا هو السؤال.

أغلب الناس تعيش حياتها كتفاصيل يومية لا تنتهي ولا يملون منها رغم تكرارها. نتنفس ونأكل وننام ونعمل ونحب ونكره ونبكي ونتصارع ونكافخ ونمرض وننجب ونربي ونموت. لكن عندما تتوقف وتسأل السؤال الكبير فان التفاصيل لن تنفعك في الاجابة. لا اتهم احدا بأي شيء. انا انظر الى الشاشة وليس عندي اية توقعات. اذا شاهدت منظرا مؤثرا فاني سأتأثر، واذا شاهدت علاقة فسأحاول فهمها واذا صادفت سؤالا فسأحاول ان اكتشف الاجابة عليه من خلال احداث الفيلم نفسها او ان الفيلم سيقدمها لي دون تعب، واذا شاهدت قصة معقدة فاني سأعيشها. فماذا قدم لي الفيلم؟ ماذا شاهدت؟ اعتقد اني شاهدت توثيقا لتفاصيل حياة استثنائية، شاهدت دماءا، شاهدت موتا، شاهدت بكاءا. هل انتقل بي الفيلم الى مافوق التفاصيل، الى اجابة ولو بسيطة عن السؤال الكبير، او اجابة على معضلة او اي سؤال يساعدنا على فهم الحياة من منظار اعلى من التفاصيل، من منظار الصورة الاكبر؟ اجابتي هي لا.

هل المطلوب من وعد الخطيب ان تعطيني اكثر من التفاصيل؟ بالطبع لا. هل ألوم القائمين على الفيلم لأنهم لم يجيبوا على تساؤلاتي الكبرى والمعقدة؟ لا. هل كان للفيلم هدف نجح في تأديته؟ هذا يعتمد على الهدف الذي نتصوره. الهدف هو الحياة اليومية تحت الحصار في مشفى ميداني، وهذا ما شاهدته. الهدف هو اظهار مأساة تلك الحياة والثمن الهائل الذي دفعه الجميع، ونجح الفيلم بذلك. الهدف هو جذب تعاطف المتفرج مع مأساة اشخاص الحكاية، نعم ونجح بذلك. الهدف هو قصة بسيطة لثورة بسيطة على الظلم. يمكن ان الفيلم لم ينجح تماما في هذا. الهدف هو اعطاء سردية مختلفة، حقيقية او متخيلة، عن الثورة السورية. ربما نجح الفيلم الى حد ما. الهدف هو المساعدة في الاجابة على السؤال الكبير. لا اعتقد ان الفيلم سعى الى ذلك او حتى حاوله.

لكن من حقي ان اتساءل بعد هذا الفيلم وغيره وبعد كل نشرة اخبار او فيديو جديد يجعل الدم يغلي، من حقي ان اتساءل عن الصورة الاكبر التي تتخطى التفاصيل. من حقي ان اتساءل عن السؤال الكبير وعن جوابه، اين هو وكيف نحصل عليه.

هل نحن مجتمع بسيط مشغول بالتفاصيل اليومية. معطم الناس في اي مجتمع لا يفكرون ابعد من ذلك. هل نحتاج الى التفكير ابعد من التفاصيل؟ بالطبع، ان استمرارنا كمجتمع، وحتى كأشخاص لهم ثقافة وطريقة في الحياة، يعتمد على كيفية طرحنا لمثل ذلك السؤال، وعلى محاولاتنا الاجابة عليه، وعلى الاجابات التي نصل إليها. لكن ما يؤلمني هو ان من يفكر في السؤال الكبير ويحاول الاجابة عليه هم قلة قليلة. وكلما تقدمنا خطوة في البحث عادت التفاصيل لتطغى على الموقف. هل يا ترى يجب ان افكر بأهل ادلب تحت القصف وفي المخيمات؟ وهل يا ترى يجب ان اغضب لرؤية جنود النظام يكسرون شواهد قبور ضحايا المعارضة، هل فقط ضحايا؟ وهل يا ترى يجب ان اراقب صعود وهبوط الليرة السورية؟ وهل يا ترى يجب ان استمع لتصريحات اردوغان واتأثر بها؟

بصراحة يا اصحابي، بصراحة من لا يريد ان يكذب عليكم، جوابي هو لا، ليس واجبا، وليس ضروريا. هل لأني تمسحت ولم يعد يثيرني شيء؟ هل لاني فقدت الحمية وتركت كره النظام وجماعته؟ هل لاني اريد انتهاء الحرب والتطبيع مع النظام؟ لا، بالنأكيد لا. انما اريد ان ارتفع فوق التفاصيل حتى ارى الصورة الاكبر. اريد ان افهم اكثر من “هذا قضاء وقدر”. اريد سردية اعقد بكثير من “ثرنا على نظام مجرم وخذلنا العالم”. اريد ان افهم ماذا حدث ولماذا وكيف. اريد ان افهم لأغير الواقع. لا ارى وظيفتي ان اتألم مع المتألمين وان اعيش تفاصيل حياتهم التي مضت معهم من خلال فيلم. لا اريد ان ارى نفس التفاصيل تنعاد مرة وثانية وعاشرة.

أحمد نذير الأتاسي

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.