ذكريات من زيارتي الأولى لمدينة القمار ( #لاس_ڤيكاس ) !.

حدث ذلك سنة 1975 حين دعانا شقيق زوجتي للذهاب معهم لزيارة هذه المدينة العجيبة الغريبة ولمدة 3 ايام. كانوا شلة من الأصدقاء مع زوجاتهم وكلهم من أبناء الجالية العراقية الكلدانية في ولايتنا (مشيكان)، عدى واحد منهم كان إيطالياً وهو صديق الجميع . وكانوا جميعهم من الأغنياء جداً عدى أنا لإني كنتُ جديداً في أميركا وأعمل عند أخوة زوجتي في محلاتهم ال (سوبر ماركت) .
وكالعادة فقد كُنا جميعاً ضيوفاً على واحدة من الكازينات العملاقة في لاس ڤيكاس، وكان من ضمن الضيافة ( الطائرة والفندق والطعام والشراب من كل نوع وكل أنواع الخدمات المختلفة التي في تلك الكازينو وفندقها الفخم )، إضافة ألى انواع الدعوات المجانية للإستعراضات الفنية الغنائية والمسرحية الراقصة لإشهر الفرق العالمية يومذاك وكلها داخل صالات ومسارح تلك الكازينات الفارهة !.
وطبعاً الكازينو في هذه الحالة لن تخسر مع ضيوفها لإن كل واحد من هؤلاء الضيوف الأغنياء جداً – ومن كل انحاء العالم- حتماً سيخسر مبالغ طائلة في المقامرة قد تكون عشرة أضعاف ما أنفقته عليه الكازينو من مصاريف وأحياناً أكثر بكثير !. وللعلم فأن واحدة من شروط الكازينو على ضيوفها هي أن يُقامراوا، وهناك رقابة على كل منهم لمعرفة هل قامروا أم لا، وفي حالة عدم مقامرتهم فلن تتم دعوتهم (مجاناً) مرة اخرى .
في الليلة الأولى لوصولنا وقبل أن ينتصف الليل كان كل رجال شلتنا قد خسر كل منهم ما بين عشرة آلاف ألى خمسين الف دولار في أنواع المقامرة !، ألا أنا .. لإني لم أكن املك يومها أكثر من 500 دولار، وطبعاً أعقبوها بخساراتٍ أكبر في الليلتين اللاحقتين، وكان يحق لكل الضيوف الإستدانة من الكازينو أي مبلغ يساوي قيمتهم في نظر ورأي الكازينو وطبعاً يتم تسديده فيما بعد حين يعودون لمدنهم وبيوتهم وأعمالهم، والتسديد مضمون 100% لإن كل الكازينات تابعة للمافيا وليس هناك من يتجرأ على عدم التسديد هههههههههه لإنه وكما يقول المثل العراقي ( يروح جلده للدباغ ) !.
بعد منتصف الليل صعد جميع أعضاء شلتنا مع زوجاتهم كي يناموا إلا أنا، بحثتُ عن طاولة قمار بعيدة عن الضوضاء والزحام وكانت للعبة ال
( 21- Black Jack )
لإني كنتُ أجيدها والعبها مع أصدقائي في بغداد ومحظوظ نوعاً ما بها أكثر بكثير من حظي في لعبة الپوكر والتي كنتُ دائماً ضحية رخيصة لها .


كنتُ اللاعب الوحيد على تلك الطاولة، ورحتُ العب بطريقة غير نمطية، مثلاً العب يد واحدة أو عدة أيدي ولا أضع نفس مبلغ الرهان في كل مرة وذلك تفادياً لإحتمال أن تكون المقامرة في تلك الكازينات منظمة بطريقة ذكية قد تُسبب دائماً خسارة الزبون مقابل ربح الكازينو !.
المهم … بعد بضعة ساعات تكدست امامي كمية كبيرة من (فيشات) اللعب ومن عدة فئات، ولا أدري هل كانت بسبب خطتي في اللعب أم بسبب الحظ الذي إبتسم لي في تلك الليلة السعيدة .
ثم حدث أن إالتقيتُ بالصدفة بصديق قديم من زملاء الدراسة في العراق، وبعد السلام والكلام جلس يُراقبني وأنا اربح وهو مُندهش جداً من حسن حظي، ثم جلس على نفس الطاولة وراح يُقامر، لكنه كان يخسر وكنتُ أنا أربح !، ثم تحول من يساري الى يميني في محاولة خبيثة ووسخة وعلنية لا تستحي لتبديل حظه بحظي، لكن الحظ بقي في جانبي وبقيتُ اربح وهو يخسر !!.
في حوالي الساعة السادسة صباحاً نزل شقيق زوجتي من غرفته في الفندق ليتناول وجبة الفطور مع بعض أعضاء الشلة من الرجال، وحين شاهدوني جالساً حول طاولة القمار تعجبوا جداً لإنهم يعلمون بأني لم أكن املك غير 500 دولار فقط ، وزاد عجبهم حين شاهدوا عشرات الفيشات أمامي والتي كان مبلغها قد وصل الى أكثر من 6 آلاف دولار !.
عندئذٍ أجبروني على الكف عن المقامرة وقالوا بأن هناك ربما زبون واحد يربح من كل مئة زبون أو اكثر في تلك الكازينات، وترجوني وبكل بلطف أن أذهب وأنام وأحتفظ بالنقود قبل أن اخسرها …. ففعلتُ .
طرقتُ باب غرفتنا في الفندق ففتحت زوجتي الباب وهي نصف نائمة وشخطت بيَ : أين كنت يا رجل !، الساعة الآن السادسة والنصف صباحاً ؟.
قلتُ لها : خذي كل هذه النقود وأغلقي فمك الكبير ودعيني انام .
أخذت النقود ثم راحت تتصل وتتهاتف مع زوجات الشلة تُبشرهم بالخبر السعيد وهي غير مُصدقة عينيها .
حين عودتنا في الطائرة مساء اليوم الثالث كان الجميع نيام تعباً وحزناً وهماً وغماًُ بسبب خساراتهم الفادحة والتي تعودوها دائماً إلا أنا وزوجتي حيث كنا نشرب الشمبانيا في الطائرة ونتمتع بالأكل اللذيذ ونضحك على الجميع، كنتُ أنا أسخر منهم وأقول لهم بأني وحين وصولنا لمشيكان سألتقي بهم لإعلمهم أصول وفنون اللعبة ههههههههه!، وطبعاً كنت امزح معهم وأناكدهم .
بعد ايام من وصولنا قمتُ أنا وزوجتي بشراء تلفزيون كبير لشقتنا بدل التلفزيون القديم الصغير الحجم، كذلك قمنا بشراء ما كان ينقصنا من أمور صغيرة كانت مؤجلة لحين تيسر المال في أيدينا، والحق ان مبلغ 6 الاف دولار يومها كانت تعادل ما قيمته ربما 30 الف دولار اليوم .
الشيء السلبي الوحيد في تلك السفرة السعيدة والذي بقي في ذاكرتي لحد اليوم هو كيف حاول ذلك الصديق القديم أن يسرق حظي حول مائدة القمار لكنه ولحسن حظي لم يفلح، بل خسر أكثر بكثير مما ربحتُ انا.
والذي أدهشني أكثر هو انه كان قد إستدان مني مبلغ 500 دولار تلك الليلة لكنه ابداً لم يُسددها لي لاحقاً ولحد اليوم، وحين طلبت منه ذات يوم أن يُسددها لي تضاحك بإستخفاف وسفاهة وقال لي : “عيب عليك أن تطلب المبلغ مني وأنت كنت تربح وأنا أخسر” !!!!.
خلال كل السنوات التي أعقبت ذلك قمنا زوجتي وأنا ومع بعض الأصدقاء بزيارة لاس ڤيكاس عدة مرات، ولكن على حسابنا الخاص حتى لا نكون مُجبرين على المقامرة، وكُنا نكتفي باللعب على مكائن الحظ ( سلات مشين ) وكُنا نحدد المبلغ الذي سنقامر به ولم يكن يتعدى بضعة مئات حتى لا نكون ضحية لتلك الكازينات الرائعة في كل شيء عدى كونها مُدمرة لجيوب البشر .
في السنوات العشرين الماضية تم بناء عدة كازينات في غالبية الولايات وألمدن الأمريكية للأسف، ورفعوا شعار ( إن لم تأتي إلى لاس ڤيكاس فلاس ڤيكاس ستأتي لك وعندك ) .
طلعت ميشو Apr – 15 – 2021

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.