ذكريات طفلٍ لم يمتلك لعبة واحدة في حياته !.,

كنتُ أتجول في الأسواق الكبيرة مع إبنتي قبل أيام حين دخلنا إلى محل لبيع لعب الأطفال، وهالني أن أرى الاف مؤلفة من أنواع اللعب الغريبة العجيبة والتي يتنعم بها تقريباً كل طفل في أميركا مهما كان المستوى المادي لعائلته .
حتى كلبتي الراحلة ( جنجر ) كان لديها أكثر من أربعين لعبة يوم ماتت وقمنا بالتبرع بتاك اللعب لبعض جمعيات الرفق بالحيوان .
في ذاكرتي رحتُ أُقارن بين طفولتي وطفولة أي شخص في بلاد الغرب السعيد !، وكم حزنتُ لكوني لا اتذكر أنني تلقيتُ حتى ولو لعبة واحدة من أهلي طوال زمن طفولتي إلا بعض ما هو تافه ورخيص أحياناً !، وهي حقيقة ربما لن يُصدقها أحد .
أما إبنتي فقد شعرت بأن هناك غصة في فمي وإنني أحاول وقف موجة الإعصار داخل وجودي وذكرياتي .
خرجنا من المحل وجلسنا فوق مصطبة خشبية داخل السوق الكبير، وراحت إبنتي تسألني عن نوع اللعب التي كنتُ أملكها في طفولتي !.
إسترخيتُ في جلستي وأسندتُ رأسي لخلفية المصطبة وأغمضتُ عيناي وسحبتُ نفساً عميقاً ودخلتُ إلى عالم كئيبٍ طالما كنتُ دائماً أتحاشى إختراق بوابته العتيقة المهترئة ….
أحسستُ بأن ذكرياتي أقدم من عصر الداينصور، لكني أبحرتُ معها عبر ضباب السنين الطويلة الحزينة المُتعِبة، وببطيء شديد إنحسر الضباب … وكانت جميع لُعبنا هناك -أخي الكبير نبيل وأنا- في زاوية حديقة دارنا القديمة في منطقة “سبع قصور” في بغداد الحبيبة .
جندٌ وخيل وأمراء وسلاطين وأقزام وعمالقة ومُهرجين وفيلة وسعادين وقلاع وسفن شراعية حربية وقراصنة وآلهة مُضحكة الوجوه والأجساد وكنائس عتيقة الأجراس وقِباب تركوازية اللون ومآذن مُزخرفة وأشعار منقوشة على جدران الجنائن المعلقة وحيوانات أسطورية خرافية منقرضة ومدنٌ غريبة الأبنية من عوالم ومجرات بعيدة ولابرنث كبير متشعب لا يقود إلى مخرج !!.
رأيتها كلها …….. منقوشة وبكل دقة على جدران ذاكرتي التي تأبى أن تنسى حتى أصغر التفاصيل !. كُنا نصنعها من طين الأرض الأحمر الخالص الذي كُنا نجلبه من شاطيء نهر دجلة القريب من بيتنا يومذاك … أخي نبيل وأنا، وكان نبيل هو الفنان الذي يصنع كل تلك اللعب بموهبته الفطرية .


مرة من المرات كُنا نملك جيشاً عرمرماً هاجَمْنا به قلاع العنكبوت السوداء التي كانت تُهدد حياة الناس الآمنين الطيبين، وكانت النخلة العراقية دائماً وأبداً مرسومة على أعلام جندنا، ويا ليتني أملك ذلك
الجيش اليوم !.
كُنا نؤلف عشرات القصص المثيرة ونحنُ نلعب، وننتصر دائماً للناس الفقراء المسحوقين الكادحين. كُنا نغزو كل قِلاع العنكبوت والخفافيش والضباع وغيرهم من قوى الشر والظلام .
وحين شببنا وكبرنا تركنا لُعَبنا الطينية وأصبحت الحروف والكلمات لُعبنا المُفضلة والتي نَورَت كل ما هو مظلم حولنا وأحرقته …….. ومن خلال الحرائق كانت تتجذر وتتعملق في دواخلنا “نعمة التمييز” بين الأشياء .
فتحتُ عيني، وأحسستُ بأن هناك سيفاً وهمياً كان قد غاص في أحشائي، بينما إبنتي كانت تنتظر إجابتي بصبر.
قلتُ لها بأننا كُنا نملك جميع اللعب التي حلمنا بها والتي صنعناها بعد أن مللنا لعبة الصبر في إمكانية أن نحوز على لعبة واحدة من خلال الأمل الذي يأتي ولا يأتي !.
قلتُ لها بأن كل لعبنا كانت تحمل لوناً واحداً … هو لون الطين بعد أن ينشف، ذلك اللون الباهت الحزين والذي ينتصر دائماً رغم فقره وتوحده بين الوان قوس قزح الصاخبة الجميلة !، لإنه لون الأرض والبقاء والخير والحياة، ولونُ الخبز أيضاً .
أعرف أن إبنتي كانت تقرأ وتسمع “الفاجعة” عبر وجهي وصوتي، وأعتقدها خمنت شيئاً في داخلها لإنها فاجأتني بسؤالها عن أخوتي الأثنين ( نبيل وفيصل)، ولماذا دائماً أتحاشى الكلام عن أسباب غيابهم !، ولماذا كل صورهم التي في أدراج غرفة مكتبتي هي باللونين الأسود والأبيض ؟.
أحسستُ بذلك السيف الوهمي يغوص في أحشائي حتى المقبض، شعرتُ بحاجة شرهة للبكاء والتذمر والإحتجاج والثورة !، لكني تمالكتُ نفسي شيئاً فشيئاً وبصعوبة بالغة قمتُ بتحجيم الإعصار في داخلي !.
كانت كل أمواج البحر تنحسر وتتراجع حين إبتلعتُ ريقي وتحسستُ وجودي وقلتُ لإبنتي بصوت خافت : لقد حاربوا قسراً في جيش العنكبوت … فإحترقوا كما إحترق الكل .
بقيت إبنتي صامتة وهي تُحدق بوجهي، وأعتقدها أحست بمحنتي الكبيرة وراحت بكفها تُربت بعطف وحنان فوق يدي الباردة، ثم دفنت رأسها في صدري ورفعت رأسها وقالت بأنها لن تسألني بعد اليوم عن أخوتي أبداً .
في طريق العودة وأنا أسوق سيارتي، إبتسمت لي إبنتي وقالت لي ممازحة : لا بأس يا والدي العزيز، سأشتري لك أجمل اللعب بحيث تعوضك عن كل ذكرياتك الحزينة .
إبتسمتُ ورحتُ أُكرر في داخلي همسة غاليلو : “لا زالت الأرض تدور” .
طلعت ميشو Nov – 15 – 2020

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.