ذكرى سمير امين..: اللا تبعية .. و اعادة بناء “الحكاية” التاريخية

ربما كنت من القلائل الذين سنحت الظروف لهم ان يلتقوا بأثنين من اهم مفكري نظرية التبعية… سمير امين الذي حضر احدى ندواتي عنظاهرة داعش في مركز الدراسات العربية و الافريقية في القاهرة بدعوة من الدكتور حلمي شعراوي حيث تحدثت حينها عن اللحظة التيانتجت داعش لتصبح عنصرا طاغيا ليس فقط في الاعلام و التحركات السياسية على مستوى العالم انما ايضا في فكر و اهتمام شخصمثل فيدل كاسترو الذي وقف بصلابة على مدى عقود في وجه هيمنة الولايات المتحدة منظومة العلاقات الدولية (الراسمالية و الامبريالية) … هنا كان لحضور سمير امين للندوة معنى اوسع في دراسة ظاهرة اثبتت الايام انها لم تكن عابرة انما حلقة من اليات العولمة ( يمكن مراجعةطبيعة المناقشات عن الندوات و مداخلات سمير امين في سلسلة مقالاتي “عولمة داعش”..

اندري جونتر فرانك Andre Gunder Frank
زارنا في مركز دراسات التنمية و العلاقات الدولية
DIR
في جامعة البورغ
Aalborg
شمالالدانمارك و كنت انا المسؤول عن استقباله في المطار و ادارته احدى ندواته … زيارته جاءت بمناسبة صدور كتابه الاخير ReOrient 1998
…و قد ناقشناه ان كان العنوان يعني “اعادة توجيه”.. او “فيما يتعلق بالشرق”… الرجل كان عندما يتكلم يشبه غيمة هادئة تنزل المطردون رعد و برق لكن توقف لساعات و ساعات.. دون كلل او ملل …. طريقة حديثه و القائه المحاضرات تذكر كثيرا بروايات ماركيز حيث تطغىالتفاصيل بشكل دقيق و مرهق احيانا للقاريء .. و لا ادري ان كان احدهما تأثر بالثاني… لكن يبدو ان هذه الطريقة كانت تنم عن محاولةجدية لتفكيك نسيج البنى الفكرية و اعادة ترتيبها املا في خلق اسس مختلفة للرؤية الاجتماعية و التاريخية ..

في كتابه الاخير (الذي بالمناسبة لم اجد له ترجمة و لذلك لا اعرف كيف يمكن ترجمة العنوان لانه كما قلنا
tricky
) يحاول فيه غونتر فرانكاعادة تقويم او اعادة اعتبار للشرق او لدور الشرق في بناء راسمالية اخرى او عولمة اخرى … او ربما رأسمالية او عولمة “اولى” قبل ظهورالراسمالية الغربية التي نهضت على جماجم العبيد الافريقيين كما صورها سمير امين بمنطق تاريخي واضح في كتاب
Eurocentralism
حيث يركز بشكل كبير على مفهوم “الثقافة الراسمالية “… لاشك ان كتابات سمير امين مثيرة و دائمة الحضور في مئات الندوات و الدراساتالعلمية و الثقافية في العالم لكني اود هنا ان استعير من
Martin Bernal
اشادته بسمير امين و اهمية كتابه المذكور .. اهمية كلام
Martin
انه اصدر كتابا بعنوان 1987
,Black Athena
و الكتاب اعتبر مشاكسا
Controversial
من قبل النخبة الاكاديمية الغربية … لان الكتابيقلب اساس نظرية المركزية الاوروبية ويظهر ان الحضارة الاغريقية (اليونانية) التي تعتقد الانتلجيسيا الاوروبية بانها تمثل تراث اوروبيخالص كانت في الحقيقة نتاج تاثيرات الحضارة الافريقية و الاسيوية … اي ان كتاب جاء ليقدم اثباتا غربيا لفكر سمير امين حولالايديولوجيا المؤسسة لاسطورة التفوق الرجل الابيض.. و عبء تثقيف الشعوب الاخرى و قيادة العالم..!!..

الصورة التي يرسمها سمير امين عن دور “الثقافة الراسمالية” في تسهيل الاستعمار تعيد لنا ايضا ذاكرة الرؤية النفسية في مشاهداستعباد الافريقيين في رواية “كوخ العم توم”

Harriet Beecher Stowe, Uncle Tom’s Cabin,
المطبوعة سنة 1851 و التي يعتقد الباحثون التاريخيون انها ساهمت بشكل جدي فيتحرر العبيد في الولايات المتحدة .. فهل كان سمير امين يحلم بتغيير جوهري بذلك المستوى .. لا شك في ذلك..

نحن اذن ازاء “رواية اخرى” لمسار التاريخ وفق غونتر فرانك .. او “تفسير اخر للتاريخ” كما وصفها سمير امين … و ربما يمكن ان نسميهتفسير اخر لتبلور الفكر الرسمالي و اليات الهيمنة و انتاج ماكنة العولمة التي عادت مرة لتجاوز تجربة الدولة القومية ..

بكلام اخر… العولمة لا تعني فقط الاستعمار الميكانيكي اي الموارد و الجغرافية و السياسة و الطاقات و انما ايضا تعني استعمار تصوراتالشعوب و ذاكرتها عن ذاتها و عن الاخرين … و لذك كانت “الاعادة” ضرورية وفق روية نظرية التبعية … اي ان التبعية تبدا من الذاكرة وليست من المادة وفق منطق الانتاج الماركسي الكلاسيكي .. هل حاول جونتر و فرانك و سمير “اعادة” تقويم الفكر الماركسي.. ؟؟..ربما.. لانكلا الرجلين كان عالمثاثيين و و وطنيين و قوميين…ووو.. لكن من المؤكد ايضا انهما كانا نتاح المرحلة التطورية في الفكر الماركسي بين نقدالتجربة الاشتراكية خاصة في المثال السوفيتي (راسمالية الدولة) و ظهور الماركسية الحديثة
Neo-Marxism
و طروحات جرامتشي والشيوعية الاوروبية..لكن هذا موضوع اخر قد نبحث فيه مستقبلا…

في الخلاصة… التاريخ ما زال يسير بذات المنحى و ان كانت الراسمالية و الهيمنة تغيير من صورتها و آلياتها … نحن الان في مرحلة ربمانكون تجاوزنا فيها مفهوم الرقص مع الذئب (رمز للراسمالية الوحشية كما يسميها البعض) و دخلنا في اطار مفهوم “الرقص مع كورونا” كماتصفها رئيسة وزراء الدانمارك
Mette Frederiksen
… فهل الرقص مع اليات العولمة هو استسلام لمنطقها ام ان ذلك المنطق مازال ممكناتفكيكه و اعادة بناء حكاية اخرى للحياة و الادارة و العلاقات… ؟؟.. تساؤلات تظل بحاجة الى رؤى سمير امين و كل المفكرين من جيلالحالمين ….

تحية لذكرى المفكرين سمير امين وجونتر فرانك و الاخرين ..حبي للجميع

About اكرم هواس

د.اكرم هواس باحث متفرغ و كاتب من مدينة مندلي في العراق... درس هندسة المساحة و عمل في المؤسسة العامة للطرق و الجسور في بغداد...قدم الى الدنمارك نهاية سنة 1985 و هنا اتجه للدراسات السياسية التي لم يستطع دخولها في العراق لاسباب سياسية....حصل على شهادة الدكتوراه في سوسيولوجيا التنمية و العلاقات الدولية من جامعة البورغ . Aalborg University . في الدنمارك سنة 2000 و عمل فيها أستاذا ثم انتقل الى جامعة كوبنهاغن Copenhagen University و بعدها عمل باحثا في العديد من الجامعات و مراكز الدراسات و البحوث في دول مختلفة منها بعض دول الشرق الأوسط ..له مؤلفات عديدة باللغات الدنماركية و الإنكليزية و العربية ... من اهم مؤلفاته - الإسلام: نهاية الثنائيات و العودة الى الفرد المطلق', 2010 - The New Alliance: Turkey and Israel, in Uluslararasi Iliskiler Dergisi, Bind 2,Oplag 5–8, STRADIGMA Yayincilik, 2005 - Pan-Africnism and Pan-Arabism: Back to The Future?, in The making of the Africa-nation: Pan-Africanism and the African Renaissance, 2003 - The Modernization of Egypt: The Intellectuals' Role in Political Projects and Ideological Discourses, 2000 - The Kurds and the New World Order, 1993 - Grøn overlevelse?: en analyse af den anden udviklings implementerings muligheder i det eksisterende system, (et.al.), 1991
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.