ديوجينز الأغريقي و بحثه عن الفضيلة

في رحلة البحث عن المدينة الفاضلة التي أرادها أفلاطون ضاعت سنوات عمر الكثيرين قبلنا و ستضيع أخرى لمن بعدنا. فالفضيلة كمعيار أخلاقي تعد من المعايير السامية للأنسان و بالرغم من اختلاف مضامين هذا المعيار من مكان لآخر و من بيئة لأخرى بنسبية ما لا نملك القوة على إلغائها لأنها تتصل بثقافة الشعوب و عقائدها المختلفة.
كنت بوم امس اتابع احد الأفلام الأجنبية (شاهدته للمرة الثالثة) حين لفت انتباهي استخدام اسم شخصٍ معين حيث ذهب مضرب المثل، فقررت البحث عنه و معرفة ما يدور حوله. و قررت اليوم صباحا ان اضع المنشور بين ايديكم لعله يكون نافعا لدعاة مبدأ معين يتصورون ان شخصا آخر من التاريخ الحديث هو الرمز الاول لهذا المبدأ ليتضح لهم أن أمر الزهد و الفضيلة هو أمر أقدم.
ديوجينز …. اسم لأحد الفلاسفة الأغريق القدماء ولد عام ٤١٢ ق.م في مدينة سينوب الواقعة على ضفاف البحر الاسود من ناحية تركيا اليوم و توفي عام ٣٢٣ ق.م في مدينة كورنث و يعدّ احد مؤسسي “الفلسفة السينية” وهي فلسفة تهتم بموضوع الحياة و سبب وجودها و حيث توصي مبادئها بأن على الإنسان أن يعش في عالم “الفضيلة” و بتوافق مع الطبيعة و يبتعد عن كل ما يمتّ الى الثروة و كماليات الحياة الاخرى و بهرجتها. و قد نُعِتَ “ديوجينز” بأنه شخصاً جدلياً مثيرا للخلاف دائما حول امورعدة.
كان والده يعمل في سك النقود و صناعتها لكسب رزق حياته، الا ان “ديوجينز” طُردَ من ‘سينوب’ بعدما بدأ بخفض نسبة الذهب و الفضة المستخدمة في صناعة النقود لكي يجعلها بلا قيمة وحسب ما يؤمن به، و بعد طرده توجه الى “أثينا” ليستقر بها حيث بدأ بانتقاد الكثير من الثوابت الثقافية للمجتمع هناك و وصف نفسه بمثل “هيركيليس” البطل الذي يعتبر محررا للعبيد، و قام بترويج مبدأ “الفضيلة” و اعتبار تطبيقها العملي افضل كثيرا من مجرد الايمان النظري بها. قام باستخدام اسلوب حياته البسيط و تصرفاته التي تحمل ذات المفهوم الذي يتبعه لينتقد القيم الاجتماعية الشائعة في المجتمع آنذاك كما انتقد مؤسسات الدولة التي وصفها بانها فاسدة في مجتمع مضطرب.


وقد عرف عنه بأنه كان ياكل و ينام اينما تيسر له ذلك في الطبيعة او الطرقات مبتعدا عن كل المتعارف عليه حينها حتى ان ملابسه كانت من اقل الأنواع شأنا و هدفه كان تقسية نفسه تجاه الطبيعة ليكون جزءا منها. و قد وصف نفسه بأنه ينتمي إلى العالم اجمع وهويته هي الانسانية، بعيدا عن الانتماء لمكان ما او هوية معينة قومية او دينية. أما و قد تكون هذه هي بذور العولمة التي نعيشها اليوم في حاضرنا منذ سنوات.
و لانه جعل من الفقر “فضيلة” قد تكون ذات مكانة عالية، فقد كان يتسول هنا و هناك لكي يبقى على قيد الحياة ناهيك عن نومه في جِرار فخارية او من السيراميك كبيرة الحجم كانت تستخدم لخزن الأشياء، الا انه قد تعرض الى الانتقاد الشديد وساءت سمعته بسبب تمسكه بمبادئه الفلسفية هذه من مثل ….. إنه كان “يحمل مصباحا او مشعلاَ في وضح النهار و يدور باحثا عن رجل نزيه و شريف”.
كما أنه انتقد تعاليم و مبادئ أفلاطون و سقراط، غير انه وقع في النهاية بين يدي القراصنة الذين لم يرحموه و تم بيعه في أسواق النخاسة حيث استقر اخيرا في مدينة “كورنث” التي تمكن أثناء بقائه فيها من تمرير مبادئه السينية التي آمن بها إلى شخص يدعى “قراطس” من مدينة ثيبس، الذي قام هو الاخر فيما بعد ان كان غنيا بتوزيع ثروته على الفقراء و عاش حياته فقيرا.
اكتفي بهذا القدر من الكتابة و أود الإشارة الى ان السبب الذي دعاني الى كتابة هذا المقال هو تصرف “ديوجينز” عندما كان يبحث في وضح النهار حاملا مشعلا بيده عن رجل نزيه شريف.
فهل لنا ان نحمل المشاعل للبحث أم اننا لا نحتاج لذلك؟

About مازن البلداوي

مازن البلداوي كاتب عراقي
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.