دويلات ما بعد الأسدية


المصدر: المدن

عمر قدور

لم يعد الحديث في إطار التكهنات فقط عن تبعية ميليشيا الفرقة الرابعة لإيران، وتبعية ما يُسمى الفيلق الخامس لروسيا. الفرقة الرابعة يرأسها عملياً ومنذ صعوده ماهر الأسد، بينما قفز مؤخراً اسم سهيل الحسن “الملقب بالنمر” كقائد للفيلق الخامس، بعد طول حديث عن الحظوة التي يتمتع بها لدى القيادة الروسية. سمعة الأول لدى عموم السوريين تتلخص بوحشيته، إلى درجة أن الموالين أنفسهم كانوا يهددون بها في مستهل الثورة، ولعل ما قيل عن حضوره قبل الثورة بسنوات تعذيب المعتقلين في سجن صيدنايا ذو دلالة واضحة، فضلاً عن الصورة الشائعة التي تشبّهه بعمه رفعت أيام كان الأخير يُقدّم كوجه أقبح للأسدية. شخصية سهيل الحسن أكثر انفضاحاً أمام الجمهور، فهو يجمع الوحشية التي اشتهر بها تجاه المناطق الثائرة مع الوحشية تجاه عناصره الذين يدفع بهم إلى الموت بلا حساب، من دون أن ننسى فذلكاته اللغوية الأكثر ركاكة من فذلكات بشار الأسد، أو السيسي إذا غادرنا الحدود الجغرافية.

الاصطدام المتكرر بين الميليشيات التابعة لإيران ونظيرتها التابعة لروسيا يُردّ في غالب الأحيان إلى تصادم المشروعين في سوريا، مع انحياز واضح أو مضمر للمشروع الروسي من قبل مَن ينتظرون رحيل إيران بمساعدته. هذا التبسيط لا يتوقف عند البنية الحالية للمجمّع العسكري والاستخباراتي الذي يجري تقاسمه، وعندما نستخدم تعبير الميليشيات فهو توصيف يقارب الحالة من دون احتسابه على محمل الهجاء. نحن في الواقع إزاء ما كان موجوداً من قبل الثورة، ويُغطى بتسميات من قبيل “الجيش”، بينما يعرف عموم السوريين أن الأساس في بنية الأسدية العسكرية هي تلك الميليشيات المسماة “الفرقة الرابعة” أو “الحرس الجمهوري”، وهي القوات التي تتبع مباشرة للأسرة الحاكمة، ومهمتها الأساسية حماية الأسدية.

لقد شهدنا من قبل أمثال تلك الميليشيات، مثل سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد والوحدات الخاصة بقيادة علي حيدر والفرقة الثالثة بقيادة شفيق فياض، وعندما تضخم حضورها “لتسلمها مهمة المواجهة مع الإخوان في مطلع الثمانينات” احتاج الأسد الأب بضع سنوات كي يتخلص منها ومن قادتها، ليتولى أبناؤه قيادة البديل في الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري. أي أن الميليشيات التي حمت الأسدية يومها نُظر إليها كخطر محدق بالأسدية نفسها، ومن المفارقة أن الخطر أتى حينها من الشقيق رفعت بينما دافع بقية أمراء الميليشيات عن حافظ، إلا أن الأخير عمد بعد القضاء على الجميع إلى استنساخ التجربة بقيادة ولديه باسل وماهر قبل مقتل الأول وصعود بشار.

عمليات الانشقاق الواسعة في صفوف ما يُسمى “القوات النظامية”، وكذلك عمليات الهرب والتهرب من الخدمات، أدت جميعاً إلى اقتصار قوات الأسد الفاعلة على الميليشيات، وهذه منذ البداية لم تكن كافية للسيطرة على الوضع. حينها عمد بشار إلى إنشاء ميليشيات جديدة أو رديفة تحت مسميات عديدة، مثل ميليشيا الدفاع الوطني أو لواء صقور الصحراء وغيرهما، وهذه المرة حظيت الميليشيات الجديدة بهامش واسع من الحرية بخلاف ما كان الأمر زمن الأب ومواجهته الإخوان، وقد يصح القول بأنه جرت عملية خصخصة للأسدية بحيث صارت مُلْكية مشتركة، حتى قبل الدخول الإيراني الواضح ومن ثم الروسي.

لعلنا نذكر كيف خرج بشار الأسد في خطاب له عام 2011 ليتبنى ضاحكاً كافة الجرائم التي ترتكبها الميليشيات، رداً منه على أقاويل تحيل الوحشية إلى قادة الميليشيات ومنهم أخيه ماهر. ذلك التبني، وهو صحيح من منطلق قيامه بإفلات الوحوش وتغذية وحوش جديدة، كان يضمر أيضاً التباهي بسلطة لم يعد بالإمكان احتكارها كما كان الأمر من قبل. بعبارة أخرى؛ كان الجوهر الاحتكاري المطلق للأسدية قد بدأ بالأفول، ولا تخلو من المغزى حوادث عرفها السوريون منذ السنة الأولى للثورة، حيث كان بعض الخائفين من المداهمات يضع صورة بشار في بيته، فيأتي الشبيحة ليدوسوا عليها أمامه أو يشتمون صاحب الصورة مستهزئين. ذلك كان يعكس اشتغال أولئك الشبيحة لحسابهم الخاص، بخلاف الفيديوهات المسرّبة المضادة التي يعمد فيها شبيحة آخرون إلى إجبار الناس على تأليه بشار. القسم الأول من الشبيحة يرى نفسه مساهماً في الأسدية التي لم يعد بشار سوى اسمها الرمزي، أو بمثابة مساهم جنباً إلى جنب مع مساهمين آخرين، بينما القسم الذي تمتع بولاء حقيقي لا يخفي ولاءه للأسدية بالمعنى الذي أسسه الأب، لا على النحو الذي يبدده وريثه عديم الكفاءة.

ربما كان طموح بشار في البداية أن يستعيد احتكار الأسدية بعد انتفاء الحاجة إلى المساهمين الآخرين، على نحو ما فعل الأب من قبل، لكن ذلك الطموح “إن وجد” أعلى بكثير من ممكنات الواقع، فالدولة الأسدية راحت تتحول إلى دويلات بعدد الميليشيات المتنوعة الأهواء. ومع الدخول الإيراني ثم الروسي بات للأهواء والمصالح عناوين خارجية بما ينقض أساس الأسدية القديم، أي أن العقود المبرمة مع الأسدية قد تحولت إلى مصادر القوة الفعلية، وهي في طهران أو موسكو وليست في “القرداحة”.

جزء من القتال الحالي بين الميليشيات لا يرجع فقط إلى ما يُسمى بالتنافس الروسي-الإيراني، فقد كان ممكناً حصوله على نحو آخر ولأسباب تتعلق أساساً بالتغول المطلق لها، وعدم قدرتها على التوقف عند حد أو انتصار. يمكن لنا هنا استحضار ثلاث من ركائز الدولة الأسدية: الاحتكار المطلق والحرب والاستباحة؛ الحرب بجانبيها الوحشي والناعم اللذين لم تتوقف عنهما طوال عقود ضد المجتمع السوري، لتأتي الاستباحة بتجليها الأمثل مع ما رأيناه منذ بدء الثورة. وإذا كان الاحتكار المطلق قد انتهى لصالح تحول الأسدية إلى شركة مساهمة مختلطة “خارجية ومحلية” فإن المساهمين الجدد “المحليين منهم على نحو خاص” شركاء في خصالها، أي يحملون الجنوح ذاته إلى الاحتكار والحرب والاستباحة.

لا يهم على هذا الصعيد من هو العدو، ولا يهم أيضاً أن يكون النصر على العدو المفترض قد تحقق، لأن بنية الميليشيات أشد تغولاً من التوقف عند حد. إن عنواناً مثل “الصراع الإيراني-الروسي” يتكفل بصرف الأنظار عن أن هذا الصراع الداخلي كان سيحدث وفق مسار مختلف، وقد لا تقل وحشيته البينية عما شهدنا سابقاً من وحشية إزاء مجتمع الثورة، وأن تُحتسب أسماء قادة ميليشيات وأجهزة مخابرات على موسكو أو طهران فلا يكفي القول أن ذلك لا يجرحها بتهمة العمالة، إنه بالأحرى يمنحها معنى حمولة سياسية لا تستحقها.

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.