دليلك إلى حياة مقدّسة (الفصل 36)

لم يتشكل الدين في طريق البحث عن الله…
بل تشكل وتبلور في طريق المنافسة لإشباع رغبات
وفرض اعتبارات…

الإنسان الفاقد لذاته العليا والمهووس بـ “آناه” الدنيا،
يظن أنه لا يستطيع أن يُشبع رغبة لديه، ولا أن يفرض
اعتبارا له،
إلا بقمع واستغلال إنسان آخر…
نعم، لا تستطيع “أنا” أن تنفش ريشها إلا على حساب
“أنا” أخرى…
وما الـ “أنا” البشرية إلاّ اعتبارات ورغبات….
………
الدين أعتى تلك الإعتبارات وأشدها التصاقا، لأنه كسروالك الداخلي،
أقرب الأسمال التي ترتديها إلى عورتك، وأكثرها حجبا لحقيقتك…

كذلك هو أشرسها لأنه يحاول (كذبا وزيفا) أن يمنح “أناك” شرعيتها السماوية،
ويسرف في سفاهته ليخلط بينها وبين ذاتك العليا!

من رحم المنافسات اللا مشروعة واللا مضبوطة ولِد الدين،
وفقّس بعدها رجاله وكتبه ومعابده،
ثم فتح جبهاته وحفر خنادقه، وألبس الله خوذة
عسكرية، وعلق بكتفه بارودة وبخصره أحزمة ناسفة….

بينما معرفة الذات العليا هي الطريقة الوحيدة لتهذيب تلك الرغبات،
وبالتالي لمعرفة الله!


……
لا يمكن أن تلتزم بكتاب واحد، وبمعبد واحد، وبرجل دين واحد،
وتستطيع أن تصل إلى تلك الذات، الموصولة بالقدرة الكونية العليا،
كحقيقة في أبسط أشكالها!
بينما التزامك هذا سيقودك من دهليز إلى دهليز آخر أشد تعقيدا،
وسيوهمك بأن “أناك” أنفش من ديك آخر يصيح على نفس
المزبلة!
أتباع أي دين، أو أي طائفة يظنون أنهم الديكة الوحيدين الذين يصيحون
معلنين فجر الحق، الذي لا حق دونه….
…….
زرع الدين الكوابح في طريقك، ليس لغاية أن يضبطك ويضمن سلامتك،
فالـ “رادار” الرباني المزورع في عمق مادتك الوراثية كفيل بذلك.
زرعها ليسيطر عليك،
ويمنعك من أن تكون ذاتك..
……
قمت ومجموعة من صديقاتي بتشكيل نادي يدعى
Book Club
حيث نجتمع مرّة بالشهر، ونناقش كتابا كنا قد اتفقنا على قراءته.
اجتمعنا مرّة وكان الكتاب المقرر
Da Vinci Code
“شيفرا دافنشي”
سألتُ في الإجتماع: أين هي ماري؟
فردت كاميل: لم تأتِ لأن القسيس في كنيستها قد أمرهم بأن لا يقرأوه!

طبعا لم يأمرها بأن لا تقرأه، وبأن لا تناقشه، من منطلق الخوف على عقيدتها،
بل من منطلق الخوف من أن تفرّ من قبضته!

لا يمكن لأي إنسان أن يتحكم بانسان آخر إلى حد يمنعه من قراءة كتاب،
لو كان يقود حياة طبيعية وخالية من أية مشاكل.
الرغبة الحارقة في أن تقبض على رقبة أحد حتى الإختناق،
تنشأ من إحساس دفين أنك
فقدت السيطرة على جانب من جوانب حياتك، أو كلها.

هذا القسيس يعيش حياة، لا بدّ أن أحد وأهم خفاياها هو
إحساسه بأنه فقد السيطرة على جانب من جوانبها،
لا أدري أي جانب…
زواجه….مشاعره ….ثقته بنفسه…عمله….علاقته بوالديه في طفولته…
علاقته بعشيقة خارج اطار الزواج..
أو أية رغبة غير نظيفة تجتاحه،
من يدري؟
فللحياة مليون جانبٍ…
الأمر الذي يجبره على أن يخنق من هم في قبضته، كي يمنحه هذا
التحكم إحساسا وهميا، بأن كل شيء تحت سيطرته، (بما في ذلك الجانب
الذي فقد السيطرة عليه)، وبالتالي يوهمه أن
كل شيء على خير مايرام…
(على سبيل المثال، المدير الفاشل في زواجه قد ينزع لأن يكون ديكتاتورا في عمله)
………
من أوجد الدين، أي دين، أوجده كوسيلة ليتحكم وليوهم
نفسه أن كل شيء تحت سيطرته!
وكلما ساهم في تعقيد الدين وفي تعقيد مفاهيمه وأحكامه، كلما ضمن
حشر القطيع في حظيرته!
بدون هذا التعقيد لا حاجة لأي رجل دين ولا لمهمته، والتي
هي “تبسيط” المعقّد، أليس كذلك؟


صديقة لي أحبت شابا من خلفية سنية…
بعد ثلاث سنوات من العلاقة لم يحدث الزواج، لماذا؟
لأنه استشار شيخه، فأفتاه الشيخ بأن العلويين ليسوا من أهل الكتاب،
ولذلك هي كافرة،
ولا يجوز الزواج منها إلا إذا أسلمت!
كانت صديقتي العلمانية ـ وتحديدا اللادينية ـ أوعى من أن تقع في هذا الفخ،
فتحررت من قبضة الشيخ، وأسقطت من حسابها
ذلك الكبش المقبوض على رقبته!

هكذا يتحكم رجال الدين بمصائر الناس وبعقولهم كي يضمنوا استمرارية
الحاجة إليهم..
هل يُعقل أن يتدخل شخص بحياتك إلى حد يقرر فيه من تتزوج، وأي
كتاب تقرأ؟
قبل أن تطالب بتحررك من الديكتاتورية السياسية يجب أن تتحرر
من الديكتاتورية الدينية، وإلا فأنت تستحق من يحكمك!
التحرر من حاكم مستبد هو تحصيل حاصل للتحرر من رجل دين مستبد،
ومن “الله” المزيّف الذي يقدمه لك!

الإستبداد لا يمكن أن يقودك إلى الله،
وحدها الحرية المطلقة، والتي تنزع عن روحك كل قيودها، وتجردها
من كل اعتبارتها، تستطيع أن تفعل ذلك!

لا يختلف أي رجل دين على شاكلة صاحبنا القسيس
وشقه التوأمي صاحبنا الشيخ،
لا يختلفون في هوسهم بالسيطرة على رقاب الناس عن أي ديكتاتور آخر.
بل هم أشد فتكا وأكثر خبثا، لأنهم يمنحون ديكتاتوريتهم بعدا إلهيا،
مستغلين
خوف الإنسان الأزلي من ذلك “البعبع” الذي يسكن في الأعلى،
ولو امتلكوا القوة التي يملكها الديكتاتور لما كانوا أقل إجراما منه،
لهذا، ولنفس السبب،
ترى الطاغية ورجل الدين كمؤخرتين في سروال واحد!
…..
في اللحظة التي يتوحد فيها الإنسان مع ذاته العليا، ويتعرف من خلالهاعلى الله،
يتجرد من أية رغبة في التحكم والسيطرة..
وحدها الـ “أنا” تنشد السيطرة، أما الذات العليا فهي متحررة
من كل اعتبار…
هذا التحرر هو أسمى أشكال الحرية…
لو كان هذا القسيس متقمصا لذاته العليا، للعب دوره كواعظ للخير، ليس
إلاّ….
ومن بعدها يترك لرواد كنيسته الحق في حريّة الاختيار…
أما بخصوص الشيخ فحدّث بلا حرج!

أي عقيدة تلك التي يهددها قراءة كتاب؟
إن كنت تؤمن بقدراتك العقلية لا تخف من أي كتاب يقع بين يديك،
فالكتاب الذي لا يستطيع تغيير أفكارك، يعزز ايمانك بها!

عندما تسمح لرجل دين أن يتحكم في حياتك إلى حد يمنعك من أن تقرأ كتابا،
أو تختار من تتزوج،
اعلم بأنك خسرت ذاتك وبصماتك وحريتك في أفضل أشكالها…
والأهم، أنك خسرت ثقتك بنفسك كبالغ قادر على اتخاذ القرار!
………………..
كل نبي زعم أنه لا نبي من بعده، ليضمن لـ “أناه” المزيفة أن تبقى
وحدها الصيّاحة على المزبلة، حتى بعد رحيله…

بينما لم يولد طفل في تاريخ البشرية إلاّ وجاء يحمل نبيه في داخله،
ويحتضن كتابه تحت إبطه!

لكي تتحقق نبوتك عليك أن تتقمص ذاتك العليا، وتفتح كتابك،
الذي هو امتداد لكتاب كل إنسان آخر،
فالكاتب واحد، والكتاب يجب أن يعكس حقيقة الكاتب الربّانية والكونية
في ابسط أشكالها….

ها أنا قد فتحت كتابي،
وحتما ستجده امتدادا لما في كتابك، لو قبلتَ
أن تخلع سروالك الداخلي، وتخلع معه كل اعتباراتك

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.