دليلك إلى حياة مقدّسة (الفصل ٤٥)

قام علماء النفس بدراسة تناولت العلاقة بين التدين ومستوى التفكير العقلاني، وكانت قد نُشرت في حزيران عام ٢٠١٦في المجلة العلمية
Applied Cognitive Psychology
جاء ملخص خلاصتها على الشكل التالي:
In other words, low information coupled with defective thinking styles and limited cognitive abilities can not only lead to religious and supernatural beliefs but can also hinder the ability of individuals to “make reasoned judgments.”…..
(الضحالة في المعرفة بالإضافة إلى طرق التفكير المشوّهة، والقدرات الإدراكية
المحدودة، هي التي تدفع الناس للإيمان بالعقائد الدينية والخرافيّة.
ليس هذا وحسب، بل أيضا تقوّض من قدرة الأشخاص على أن يصدروا
أحكاما منطقية وعقلانية).
……
الحياة تحتاج إلى حد ما من العقلانية، كي يستطيع
الإنسان أن يعيشها بطريقة منظّمة ومقبولة.
لكن في كلّ مجتمع بشري يوجد طبقة من البشر تفتقر
إلى هذا الحد من العقلانية، وتشعر أنها عاجزة
عن تنظيم حياتها بنفسها،
فتلجأ إلى الدين أملا في أن يساعدها
على القيام بهذه المهمة، وإلاّ لشعرت بالفوضى والضياع!

وكلما استفحلت الظروف التي تغيّم وعيها،
كالوضع العاطفي والنفسي ـ لسبب أو لآخر ـ
كلما ازداد تعلقها بالدين!
لذلك قد يلعب الدين مهمة نبيلة عندما يتعلق الأمر بضرورة
الإحساس بالسيطرة على زمام الحياة، حتى ولو كان
هذا الإحساس وهميّا!


……
لا خلاف على ذلك في المجتمعات العلمانية، حيث ينطوي الدين تحت مظلة القوانين المدنيّة التي تحدّ من استفحاله وتمنع تطرّف المتدينين.

لكن الأمر لا ينطبق بشكل أو بآخر على المجتمعات القمعية،
حيث تسيطر الدوغما الدينية على كل جوانب الحياة،
وتغيب القوانين المدنيّة التي يفترض أن تضبط
تطرف المتدينين.
الأنكى، كلما ازدادوا تدينا تزداد ضبابية وعيهم، وتخف
درجة عقلانيتهم، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى استفحال تدينهم وتطرفهم.
وهكذا دوالييك يدورون في حلقة مغلقة!
……
لم أسمع يوما ملحدا، من أية خلفية دينية
كانت، لم أسمعه يقول:
لقد تركت الدين لأنني لا أستطيع أن ألتزم بحدوده
الأخلاقية، وأفضل أن أعيش حياتي بلا شريعة وحدود!!!

بل على العكس تماما، لقد حضرت عشرات المؤتمرات
للمنظمات الإلحادية في أمريكا، وكلما سألت ملحدا عن سرّ إلحاده، يقول:
لقد صدمتني أخلاق المتدينين،
وحالة النفاق التي يعيشونها، والخرفات غير الأخلاقية التي
تملأ كتبهم الدينية، والتي لا يقبلها عقل أو منطق!

أذكر عبارة كانت يوما شعارا لأحد تلك المؤتمرات، جاء فيها:
You don’t need religion to have morals.
If you can’t determine right from wrong then
you lack empathy, not religion.
(لا تحتاج إلى دين لتكون خلوقا. عندما لا تستطيع أن تحدد الخطأ من الصح،
هذا يدل على أنه تنقصك القدرة على التعاطف والحنان، وليس الدين)

ولو أُجبرتُ شخصيّا على أن آخذ موقفا، لوقفت بلا تردد مع الملحدين،
لأنهم على الأقل ـ وبغض النظر عن مستوى وعيهم ودرجة
خلقهم ـ لا يخفون حقيقتهم وراء ستار الدين!

إذ لم ألتق يوما بمتدين مهووس إلا وتوصلت بسهولة إلى حقيقته
التي تختبئ وراء قناعه الديني!

أقول (متدين مهووس)، لأنني مازلت أميّز بين مؤمن روحاني
عرف الله بطريقته، ونثره في كلّ تفاصيل حياته،
وآخر يتطرف في دفاعه عن دوغما تكلست داخل صخر،
بدون عقل أو منطق.
ولو شاء لك قدرك أن تغوص إنشا في حياته لأدركت سرّ دفاعه.

نعم مازلت أرى الفرق أكبر من المسافة التي يستغرقها ضوء
الشمس ليصل إلينا، الفرق بين جلال الدين الرومي ومن شابهه
وبين القرضاوي ومن لف لفيفه!
……..
لقد قزّمت الأديان الله وشوهت سمعته، وشرمطته كما لم تشرمط
بائعة هوى بائعة أخرى تنافسها على دراهم يومها.

وتبقى الجريمة الأكبر التي ارتكبتها الأديان بحق الله أنها
احتكرته، وحشرته تحت مخالبها، كي تعتاش عليه
كما تعتاش عنكبوت على حشرة سقطت في شبكتها.

لم تسمح لأحد أن يبحث عنه خارج قبضة تلك المخالب،
ولأن الله يعيش في عمق كل منا،
خسر الإنسان عمقه، ولم يكتشف نفسه!
…..
هذا الخراب العالمي الذي نعيشه هو نتيجة حتمية لتلك الخسارة
التي مُني بها الإنسان…
فمن عرف نفسه رأى الله في مرآته…
ومن رآه في نفسه لا يمكن أن يخرّب أو يؤذي أو يحقد
أو يسيء!
لذلك، حيث تشتد قبضة الأديان يزداد الإنسان خرابا، وحيث
تنحسر تتمدد أمواج الحب ويزدهر البحر….
…..
لا تستطيع أن تعرف الله مالم تغص في عمقك،
وكلما غصت إنشا تقربت منه أميالا…
لا تستطيع أن تعرف الله قبل أن تسقط من حساباتك كلّ ما يحدّده،
فالله لا يُحدّد!
هو الشيء الوحيد الذي تعرفه، ولا تستطيع أن تحدّده.
هو الشيء الوحيد الذي تحسّه، ولا تستطيع أن تجسّه.
هو السؤال الذي تطرحه ولا تستطيع أن تجد جوابا له!
……..
المهمة الأنبل في هذا الصراع العالمي الذي نعيشه
هو أن نحرر الله من براثن الأديان..
ونعتق الإنسان من أغلالها، كي يبحث عنه وفقا لخريطته،
ويتقفى آثاره مستهديا بالضوء الذي يشع من أعماقه.

في رحلة البحث هذه سيجد الإنسان نفسه، وعندما يجدها
يدرك الغاية من وجوده!
ويالها من غاية نبيلة…..

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.