دليلك إلى حياة مقدسة (ملحق تابع للفصل السابق ٧٨)

لا شيء يحدث عبثا….
هذا الكون منظم حتى في أشد لحظاته فوضوية….
….
حدث ذلك وأنا في غمار صراع خضته إثر نشر الفصل السابق من هذا الكتاب،
ونلت خلاله من اللكمات ما يكفي….
جاءتني حصة الأسد من اخوة مسيحيين، وكان أشرسهم
قسا قبطيا ظن نفسه “الله” الذي يعبده،
فزعم أنني مسكونة بالشياطين…
أولا، لأنه يجهل أن الشياطين لا تستطيع أن تؤلف كتبا تكون دليل الإنسان إلى حياة مقدسة.
وثانيا، لأنه يدرك أن هكذا كتب قد تسبب بطالته، فيخسر لقمة عيشه!
لا أريد أن أذكر اسمه كي لا يدخل التاريخ!!!
……
مساءا اتصلت بي ابنتي فرح لتدخلني في صراع آخر..
ـ ماما أنا في ورطة!
ـ ما القضية؟
ـ جازي تعيش حالة رعب، وترفض أن تعود إلى مدرستها!
….
ولكي أختصر قصة طويلة أخبركم أنه ومنذ حوالي ثلاثة أشهر،
طرحت عليّ فرح موضوع أن تبحث عن مدرسة خاصة، بعد أن لاحظت أن ابنتها وابنها
لا ينالان ما يكفي من تعليم “اون لاين” عبر المدارس الحكومية،
وخصوصا الصغير الذي تعود من مكتبها
لتراه يغط في نوم عميق أثناء حصة الدرس بعد أن مل التواصل عبر الانترنت.
ناهيك عن أنهما
لا يحظيان بقسط وافر من التواصل والاحتكاك مع أقرانهم،
والذي يساهم عادة في نمو مهاراتهم الاجتماعية.
وهذا أكثر ما كان يقلق فرح كخبيرة في علم النفس ومرشدة اجتماعية.


……
بعد جهد وتدقيق وتمحيص وجدت مدرسة كاثوليكية لا تبعد كثيرا عن بيتها،
وتستقبل الطلاب يوميا، فأسرعت إلى تسجيلهم.

لم يسبق للطفلين أن نالا أيّ تعليم ديني، ولا يعرفان عن الكتاب المقدس قيد أنملة.
مرّت الأشهر الثلاثة الأولى بثقل، تخللتها بعض الصعاب،
لكن استطاعت الأم بروية وحنكة أن تخرج طفليها منها،
إلى أن كان مساء البارحة….
عادت جازي التي بلغت لتوها عامها الإثني عشر،
عادت من المدرسة في حالة نفسية يرثى لها،
وفقا لتعبير الأم.
سألت أمها بغضب: هل يأمر الله أحدا أن يقتل طفلا في بطن أمه، ولم يولد بعد؟
لم تترك لأمها مجالا أن تقول شيئا، فتابعت:
لا أحب هذا الله، ولن أعود إلى المدرسة بعد اليوم!
تؤكد لي فرح أنها، ولأول مرة بعد تخرجها من برنامج الماجستير في علم النفس،
شعرت بأنها فقدت كل مهاراتها العلمية والإرشادية،
وشعرت أنها عاجزة تماما عن اتخاذ أي موقف في وجه العاصفة التي أثارتها جازي،
والتي أثبتت لأمها من خلالها أن “باب النجار يبقى مخلوعا”!
سألت الأم طفلتها بهدوء:
ألم تقل الراهبة لماذا أمر الله بقتل الاطفال الذين لم يولدوا بعد؟!
ردت جازي:
يبدو ليعلمهم أن طاعته تأتي قبل كل شيء، وبغض النظر عن أي شيء!
ثم تابعت:
لقد أكدت لنا أن طاعة الله تأتي قبل أمك وأبيك وأعز الناس في حياتك!
ثم تصرخ: لن أعود، وهذا يعني أنني لن أعود!
وخبطت باب غرفتها بوجه أمها….
…..
لم تجد فرح مخرجا من ورطتها إلا بأن تدير رقمي، وبإحباط مطبق، سألتني:
ـ ماما ماذا أفعل؟
ـ ماذا تفعلين؟؟؟ هل هذا سؤال تطرحه حاملة ماجستير في علم النفس؟؟؟
طبعا، لا يجوز إطلاقا أن ترسليها إلى إية مدرسة دينية بعد اليوم، وتحت أي ظرف.
ـ ماما، هل تدرين أنني دفعت أكثر من عشرة آلاف دولار اجرة بضعة أشهر،
وريثما تفتح المدارس الحكومية، بالإضافة إلى اجور
التسجيل وثمن الملابس الذي يفوق الوصف، كلها ستذهب هباءا!
ـ لا يهم، المهم أن لا تذهب حياتها هباءا!!!
…..
عندما ولدت زوجة ابني حفيدي وليام، والذي لم يتجاوز عامه الثاني بعد.
أخذت معي جازي وبنجامين وآدم إلى المستشفى كي نرى وليام للمرة الأولى.
لن أنسى في حياتي ملامح جازي عندما وقعت نظرتها الأولى على وليام…
تجسدت أجمل صور الأمومة في تلك الملامح…..
انهوست جازي بابن خالها وليام، وكانت تصرّ في نهاية كل اسبوع
أن تزور بيت وليام كي تمارس تلك الامومة المبكرة…
عندما قصت عليها الراهبة كيف أمر الله “مجانينه” أن يبيدوا أهل المدينة،
بما فيهم الأطفال الذين لم يولدوا بعد…
يبدو أن عبارة “الأطفال الذين لم يولدوا بعد” كانت القشة التي قصمت ظهر
جازي، وأقنعتها أن شيطانا يدير تلك المدرسة، ففرت هاربة!
سألت أمها: لو قال لك الله أن تطعني تولين ـ أم وليام ـ بسكين وتقتليها
مع جنينها وليام، هل كنت ستفعلين ذلك؟
وترد الأم: طبعا لا، سأقتل نفسي قبل أن أفعل ذلك!
ـ إذن، لماذا علي أن أقتنع بكلام الراهبة وأعود إلى مدرستها؟
………
كان الوقت متأخرا ليلا، وشعرت أنني خرجت من غمار صراع،
لأدخل في غمار صراع آخر، والسبب واحد!!
السبب كتب ضحلة ملفقة استخدمها أصحاب المصالح ليتمكنوا من خلالها
أن يسيطروا على الناس،
بعد أن يسلبونهم قواهم وقدراتهم على التفكير في السنوات الأولى من الحياة.
لقد لعب عمر جازي دورا في رفضها لهكذا خزعبلات وأوهام، ولو
قُدر لها أن تدخل تلك المدرسة في سنواتها الأولى لوقعت كالذبابة في ماء يغلي!
…..
قاومتُ الإرهاق والنعاس وأرسلتُ لها عبر موبايلها رسالة، وبلغة بسيطة تستطيع أن
تستوعبها، شرحت لها موقفي من الأمر ووعدتها أن نلتقي بغية المزيد من الحوار!!
لم أتوقع أن تقرأها في ساعة متأخرة من المساء، لكنها ردت،
على الأغلب وهي نصف نائمة:

شكرا لك…
أتفق معك…
وأحبك!
……
طالما تتفق معي، تأكدت أنها لن تخرج إلى الحياة لتكون راهبة،
أو عجينة يصنع منها أهل النفوذ الصنم الذي يشاؤون…..
غدا الأحد سنلتقي في مطعمها المفضل، وسنسبر معا
عبر وجبتها المفضلة التفاصيل الأدق والأهم في حياتي وحياتها،
فلقد بلغت عمرا حرجا تستطيع عنده أن تبدأ بوضع النقاط على الحروف….
علها تخرج لاحقا بكتاب يضاهي ويكمل كتاب جدتها:
“دليلك إلى حياة مقدسة”!!!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.