دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 98)

الكاتبة السورية وطبيبة النفس وفاء سلطان

أنا انسانة اؤمن بالمعجزات، ولقد حدثت في حياتي بطريقة وبتواتر يصعب علي أن أتجاهله.
اؤمن بها إلى حد، لو عبرت عنه،
سيحاول من يصطاد في الماء العكر أن يسلبني مصداقيتي العلمية.
لذلك، لزمن طويل كنت أخاف من الحديث عنها ومن التعبير عن ذلك الإيمان.
لكنني اكتشفت فيما بعد أن تلك المعجزات ماهي إلا مكافآت كونيّة
لعطاءات منحتُها عن طيبة خاطر وبدون غايات.
……..
نعم، الكون يشتغل بطريقة لغزية للغاية، أوهي لغزية لأننا لا نستوعبها بحواسنا الخمس.
لكن، عندما ننفتح عليه روحانيا وبلا قيود،
سنبدأ بفهم تلك اللغزية يوما بعد يوم، وسندرك أن لكل سبب نتيجة،
ولا شيء يحدث عبثا، أو من فراغ….
أعلى درجات الروحانية نصل إليها عندما نتجرد من النزعة للإنحياز،
فنحكم على عدونا بنفس المقياس الذي نحكم به على أنفسنا،
وذلك عندما نضعه في قفص الإتهام!
هل تجردتُ شخصيا من هذه النزعة؟
ليس إلى الحد الذي يحررني كليا من طبيعتي البشرية، ولكن إلى حد يرفعني
بين الحين والآخر فوق مستوى تلك الطبيعة.
وكلما ازداد ذلك (الحين) تواترا كلما ارتقيت روحانيا أكثر، إلى حد
بت أربت عنده على كتفي مزهوة بمن أنا!
لقد تراجعت في كثير من المواقف عن الطعن بأحد، خوفا من أن أحذو حذوه لو كنت في
ظرفه…
…………..
بهذا الخصوص، أتذكر حادثة طريفة، وأقسم لا أتصور أن عمري
كان يومها أكثر
من ثمان سنوات، لكن ـ لسبب أو لآخر ـ تسجلت في عمق ذاكرتي.
في الصيف كانت أمي تأخذنا إلى بيت جدي في الضيعة،
ولقد عشت أجمل ذكريات طفولتي في ذلك البيت.
كان جدي مختار الضيعة، وكان أهل الضيعة
ـ كعادة يتميز بها سكان الجبال الساحلية في سوريا ـ
يجتمعون في المساء نساءا ورجالا على المصطبة أمام بيته.
يشربون الشاي ويأكلون العنب والتين، ويتسامرون ويتبادلون النكت والأخبار.
مرّة تطرقوا إلى موضوع الصبايا الذين يهربون مع عشاقهم عندما لا يوافق
الأهل على زواجهم. وهي ظاهرة يُطلق عليها في الساحل السوري (الزواج خطيفة)!
لم يتركوا عندها بنتا وعشيقها من شرهم إلا وتناولوهم بالسوء.
التفت جدي إلى امرأة عجوز كانت تمسك عكازها، وقد تقوقعت في إحدى زوايا المصطبة،
وهي تصغي بدون أن تشارك، ثم قال:


وأنت يا عليا، شو رأيك بالصبايا التي تهرب مع العشاق؟
تممت بصوت منخفض، ولكن إلى حد كان كافيا لأسجل ماقالته في ذاكرتي:
(لا أعرف. لم يطلب مني رجل أن أهرب معه لأرى إن كنت أفعلها أم لا).
لروح عليا السلام، فلقد كانت ـ على الأقل في تلك اللحظة ـ منتشية روحانيا.
ومن عبارتها تلك تعلمت كيف أنتشي أنا الأخرى،
وخصوصا كلما واجهت شخصا في قفص الإتهام، وعلي
أن أشارك في الحكم عليه….
………..
لقد ذكرت في مكان ما من هذا الكتاب، وفي سياق الحديث عن “لئيم” أكرمته،
ذكرت أنني وخلال الستة عقود من حياتي لم أكرم أحدا إلا وكان أهلا للكرم،
باستثناء سيدتين، عضت كل منهما يدي!
هذا العدد يكاد لا يرى بالعين المجردة، بالقياس إلى التجارب التي عشتها
والعطاءات التي منحتها.
لذلك، أرفض رفضا قاطعا المثل الذي يقول: اتقِ شر من أحسنت إليه!
فإذا كنت تتوقع شرا ممن ستحسن إليه، لن تكون سعيدا عندما تعطي،
ولن يكون الآخذ مرتاحا لعطائك،
فالمشاعر هي دوما متبادلة!
…….
حتى عندما يتعلق الأمر بهاتين السيدتين، أرفض أن أحكم عليهما بقسوة،
ودائما أحاول أن أجد مبررا نفسيا، وليس أخلاقيا، لفعليهما.
لكل منهما ظروف دفعتها ـ باللاوعي ـ لتفعل ما فعلت،
وأنا الأقدر على تقدير ظروف الناس.
ولو كُلّفت بالحكم عليهما، لأرسلتهما ملتزمة بأمانتي العلمية، إلى مركز للعلاج النفسي،
ولما أسأت لهما قيد شعرة.
اللاوعي هو المرحلة الطفولية للعقل، وكثير من الناس يبقون رهينتها.
عندما ترتقي عقليا من مستوى اللاوعي إلى مستوى الوعي،
يساعدك هذا الإرتقاء لاحقا لترتقي روحانيا،
إلى مرحلة التجرد من نزعة الإنحياز عند الحكم على الناس!
الحكم على الناس قد لا يعكس حقيقتهم، ولكنه ـ بالتأكيد ـ يعكس حقيقتك، يعكس
مدى فهمك للظروف، ومدى قدرتك على أن تكون منصفا وعادلا….
وهذا جلّ ما سعيت، وما زلت أسعى إليه…..
*************************************************
سأتطرق إلى الحالتين، وكيف تعاملت معهما في فصول لاحقة…

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.