دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 91)

عزيزي القارئ: تعرف على حقيقة المجتمع الذي تعيش فيه،
ولا تجعل طول الفصل يمنعك من قراءته!!
مادامت الشفقة هي صاحبة اليد العليا التي تتحكم بعواطفنا،
سيظل الكون ـ رغم كوارثه ـ جميلا وعامرا….
(عبارة وردت في الفصل السابق)
………………….
في لحظة هروب من ضغوط الحياة رحت أسبر عالم الانترنت،
فقادني حظي السيء في ذلك اليوم من ضغط إلى ضغط أسوأ منه.
وقعت في شباك برنامج تلفزيوني لبناني، كنت ولم أزل معجبه جدا
بمقدمه الشاب والمواضيع المطروحة…
لكن حلقة ذلك اليوم قد أبكتني حتى نفصت عيوني من وجهي…
الضيفة سيدة اثيوبية، مضى على وجودها في لبنان ثمانية عشر عاما.
في بداياتها كخادمة التقت برجل لبناني كان قد اُعجب بها، فنكحها
على سنة “الله” ورسوله!!
لكن ذلك الذكر المغرم بسنة نبيه، رفض أن يسجلها في الأرشيف المدني، فظلت
معلقة بالهواء هي وأولادها الذين كانوا ثمرة لهذا “النكاح”.
ليس في جعبتها ورقة رسمية واحدة تثبت حقها وحقهم للعيش في مجتمع
مقتول روحانيا وأخلاقيا، فعاشت يستغلها القاصي والداني!
بناءا على قولها، كلما طالبته بأن يسجّلها يرد: أنت خُلقتِ للعذاب، وسأعذبك!
بعربيتها المكسّرة، وبتعابير وجهها الأصدق من أية شريعة على سطح الأرض،
استطاعت أن تنقل للمشاهد مأساتها بوضوح مزّق شغاف قلبي.
العبارة التي حرقتني أكثر من غيرها، كانت:
(لا أحد ينادي ابنتي إلاّ يا “سودا” تعي، يا “عبدة” روحي)
وتابعت: هي تكره لبنان وتحلم بيوم نفرّ به عائدين إلى اثيوبيا،
ولكن ليس بحوذتنا أية أوراق رسمية تسمح بسفرنا!!
عندما سألها مقدم البرنامج: (ليش بنادولها سودا)؟!
ردت بكل براءة، وبطريقة وضعت النقاط على الحروف: لأنو ما في مُك!!
وهي تقصد “مخ”!

استمعت أيضا إلى مقابلة مع الزوج ومع رجل قانون لبناني، وكل منهما
كان أكثر دجلا ونفاقا من الآخر!
الزوج أكد أنه مغرم بأولاده، بعد مرور ثمانية عشر عاما لا يعرف شيئا عنهم،
ورجل القانون يتحدث عن عظمة القوانين اللبنانية وكأنه يتحدث عن سويسرا.
تواصلت هذه السيدة المقهورة مع محامي لحل القضية واجبار الزوج على تسجيلها وأولادها،
بعد أن دفعت له مبلغ سبعمائة دولار.
لم يكد يستلم المبلغ حتى طردها ورفض أن يستمر في القضية، ولم يحقق
أيا من وعوده.
الأمر الذي ساعدني أكثر لأتبين
أن الكارثة ليست بسبب رجل قاس وأحمق، بل بسبب ثقافة سفيهة وجلفة!
دموعها بللت وجنتيّ، وألمها الذي ينمّ عن روح معذبة ومضطهدة
كان كرصاصة طائشة استقرت في عمق وجداني…
الشفقة الحقيقية تشعر بها عندما تتخيل نفسك الشخص المتألم، فتعيش مشاعره على حقيقتها.
ولقد جلستُ في كرسيها وكنتُ أنا هي خلال المقابلة كلها،
بل خلال الثمانية عشر عاما التي عاشتها في لبنان سجينة بلا ذنب،
وبعيدة عن وطنها الأم.
لذلك شعرتُ باحباط رهيب، وكأنهم سدوا عليّ كل منافذ الحياة
في زنزانة لا تتسع إلاّ لموضع قدميّ!
لم تكن تلك الزنزانة في حقيقة الأمر إلا ذلك المجتمع الذي تحكمه ثقافة لا تعرف الرحمة،
ثقافة عنصرية بغيضة لا تمت إلى الإنسانية بصلة.
في هكذا مواقف، طالما أتخيّل الزمن يعود إلى الوراء، ويجبرني على أن أعيش
عمري في هكذا مجتمع.
فأرتجف تحت وطأة الخوف من مجرد التخيّل، وأشعر تماما كما شعرت تلك السيدة،
وعلى مدى ثمانية عشر عاما.
القضية هنا ليست قضية شخص حقير، وإلا سنصادف هكذا حالات في كل
بقعة على سطح الأرض،
لكنها قضية ثقافة وقوانين وقضاء!!!
قد تجد رجلا أمريكا يتفوق في وحشيته على هذا الرجل اللبناني بعشر مرات،
لكن القضية ليس قضية شخص، إنها قضية أمة!!
عندما يفعلها رجل أمريكي وتصل إلى القضاء سيدفع الثمن باهظا، وستجد
الضحية من ينصرها ويعيد تأهيلها.
ولا أقصد هنا الدولة والقانون فقط، بل أقصد المنظمات الخيريّة التي ينشأها
أناس عاديون للدفاع عن كل مظلوم وإنصافه!
أما في تلك الأمة الضالة والمضللة فالقانون والمجتمع، وحتى “الله” الذي يعبدونه،
يقف إلى جانب الذكر ضد كل ضحاياه!
ألم يقل ذلك “الله” في سياق تقييمه للحياة: الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى!!
ألم يجعل حياة العبد والأنثى أقل شأنا؟
فكيف إذا كانت أنثى و”عبدة” في آن واحد؟
ألم يحلل لذكوره أن ينكحوا (مما) ملكت اليمين؟
ألا تُعتبر تلك السيدة المقهورة في شريعة ذلك “الله” ممن ملكت اليمين؟
ثمّ يتساءلون: ماذا فعلنا ليكون قدرنا هؤلاء الحكام؟!
تخيلوا لو قُدّر لهذا الرجل أن يكون رئيسا للبنان، ولا أظن أن الرئيس أفضل منه،
فكلهم بظّهم نفس الرحم الثقافي!!
العقل الجمعي هو مجموع العقول التي تنطوي تحت لوائه، بسلبياتها وايجابياتها،
والواقع هو ثمرة طرح السالب من الموجب….
هل هناك أمل في استبدال تلك الثقافة بثقافة أكثر إحتراما وتقديسا للحياة والإنسان؟
لا….لا أمل طالما هناك من يقرأ ويؤمن بما يقرأ:
(أَمة مؤمنة خير لكم من مشركة ولو أعجبتكم)؟
والأَمه هي العبدة السوداء.
هل هناك قول أكثر عنصرية وبغضا من هذه الآية؟
وكأنه يقول: العبدة القبيحة ذات البشرة السوداء أفضل إن كانت مؤمنة على
أية امراة اخرى جميلة ومشركة…
ليذهب هكذا إيمان إلى الجحيم، وليذهب معه كل من يؤمن بهكذا تعاليم!
….
كما اشرت في فصول سابقة: لولا الشفقة لانقرض الجنس البشري،
ولا أرى نهاية لهذه الأمة غير الإنقراض،
لعلّها إذا انقرضت تُعاد في خلق جديد….
……………..
مايحدث اليوم هو عقاب جماعي لشعوب خرساء حمقاء ترى الظلم ولا تحرك ساكنا،
وتمارس العنصرية وضح النهار، ثم تشكو من ظلم الزمان!!
مايحدث ليس ظلم الزمان، بل عقابه وانتقامه!
……..
كانت ستي أم علي تقول في سياق حديثها عن ظالم:
(يا عين ستك الله ما عندو حجار يضرب فيها)
وقصدها أن لله طريقته في العقاب، وهو يُمهل ولا يُهمل.
لم تكن أم علي تدري أن الله يملك حجارة، وها هو يرميها ليسحق أمة
استفحلت مظالمها!
أمّة مافيها (مُك)……

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.