دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 89)

في الطريق إلى ذاتي العليا كنت أرى الله متناثرا هنا وهناك،
ولم استطع يوما أن أراه كليّا ومتكاملا،
لكنني عندما وصلت إلى تلك الذات توحدت فيه…..
مازلت بين الحين والآخر أغادر فضائي الإلهي لأمارس بشريتي،
لكن سرعان ما اكتشف ضآلتها فأتركها وأعود إلى ذاتي….
لم أحيا يوما إلا اليوم الذي كنت فيه تلك الذات،
وما عدا ذلك فكان موتا يلبس قناع الحياة….
لكي تكون ذاتك يجب أن تكون نقيا ككرة من الكريستال،
فكل شائبة تغيّم نقاوتك، وتحجبك عن الله!
عندما أقول كل شائبة، أعنيها….
في قاموس الله لا يوجد شوائب….
لذلك، من السهل أن تدرك قواميسه، عندما تكون نقيا!
ومن السهل أن تنهل من لغته لتعبّر عن ذاتك، وعن حقيقة ما تعيشه
مع تلك الذات،
ومن الأسهل أن تعرف أنك تخط سطورك بمداده، وتعيش حياتك وفقا لدستوره!
وذلك عندما تشع كل كلمة تقولها نورا وضياء ومحبة وشفقة،
وعندما تتلاشى أية مسافة تفصلك عن أي جزء من هذا الكون…
فتصبح أنت ذلك الجزء، ويصبح هو أنت!
وهل يعقل أن تسيء أنت إلى أنت؟
فلو فعلتَ وأسأت إليه ستتألم ألما لا تميز عنده من تأذى أنت أم ذلك الجزء!!!
لا شك أنني ـ وضمن حدود طبيعتي البشرية ـ قد أسأت،
لكنني لم أسئ يوما لأحد إلا وتألمت كما لو كنت قد فقأت عيني!
فالإساءة إلى الآخر تهبط بي إلى مستوى بشريتي،
والإحساس بألم ذلك الآخر يرتقي بي إلى مستوى ذاتي …
الرضى عن النفس يحدده مدى الزمن الذي تكون فيك ذاتك،
وهذا الرضى هو سرّ سعادتي!


……………..
الشفقة هي أول علامة من علامات أنك وصلت إلى ذاتك العليا،
وتعيش وفقا لدساتير تلك الذات.
لا جريمة على سطح الأرض يمكن أن تكون مبررا لفقدانك الإحساس بالشفقة،
حتى ولو كان الآخر قاتل أبيك!
لذلك، ومنذ أن قرأت الآية “ فاجلدوا كل منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة”،
واستوعبت ما قرأت، بدأت أبحث عن الله….

فالله الحقيقي لا يريدك أن تكون مجردا من كل أثر لرأفة تحت أي ظرف،
لأنك لو فعلت ستخسر بصماته التي ختم بها ذاتك العليا.
……..
اوجي سيمسون لاعب فوتبول أمريكي، وكان يعتبر لزمن طويل أيقونة أمريكية.
عندما وجدوا طليقته وصاحبها مقتولين بطريقة مرعبة،
أشارت كل الدلائل المنطقية على أنه القاتل.
لكن لم يستطع المحققون أن يعثروا على دليل مادي واحد يبرهن قطعا على تلك الحقيقة،
فحكمت عليه لجنة المحلفين بالبراءة….
كنت أستمع إلى مقابلة تلفزيونية مع استاذ مادة القانون في جامعة هارفارد،
وكانت المقابلة حول الحكم الذي صدر بتبرأته.
العبارة التي أجاب بها ذلك الإستاذ على سؤال المذيع: مارأيك بالحكم؟،
تلك العبارة فتحت فصلا جديدا في حياتي،
وكنت يومها في طريق البحث عن الله، وبالتالي عن ذاتي العليا….
قال: إنني أفضل مليون مرة أن يكون اوجي سيمسون القاتل ويبقى حرا طليقا،
على أن يكون بريئا ويقضي حياته في غياهب السجن!
لذلك عندما يدّعون أن الله يأمرك بأن تتجرد من الرأفة في سياق العقاب،
ثق تماما أنهم يشوهون حقيقته، ويضللون من هم في طريق البحث عنه.
الإنسان ليس منزها عن الخطأ في الحكم، ولذلك يجب أن يكون رئيفا عندما يعاقب!
الرأفة هي بصمة الله فينا، وعندما نتجرد منها، لأي سبب كان وتحت أي ظرف،
نتجرد منه!
كلما التقيتَ بإنسان شفوق تأكد أنك تلتقي في تلك اللحظة بالله متجسدا فيه.
وعدد المواقف التي تكون أنت فيها شفوقا، يحدد عدد الأيام التي تحياها،
وما دونها يلبس الموت لديك قناع الحياة….
الشفقة لا تنتهي عند حدود الإحساس بآلام الآخرين،
بل تتعداها إلى فعل كل ما بوسعك للتخفيف من حدة تلك الآلام….
لا تنتظر كي تعثر على شخص يستحق شفقتك، فكل مخلوق على سطح الأرض
يستحق تلك الشفقة!
تقول اسطورة هندوسية بأن الله صرخ في وجه رجل غني: أعطيتك حتى التخمة،
ولما سألتك لم تطعمني ولم تسقني!
رد الغني مستغربا: يارب متى سألتني ولم أعطك؟!!!
قال الرب: لقد أوى كلب إلى بابك يستجدي لقمة، فنهرته وطاردته بالحجارة!
نعم يأتي الله إليك في وجه كل محتاج،
وعندما تعجز أن تقدم شيئا دع الله يتجلى في حنانك وابتسامتك،
ليس هذا وحسب، بل دعه يتجلى أيضا في حزنك ودموعك….

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.