دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 61)


منذ أن بدأت رحلة الكتابة وحتى تاريخ اليوم،
عشت غبنا طائفيا، لم يتعرض له كاتب في تاريخ العرب.
عانيت من الجميع بشكل أو بآخر.

لقد دفعت ثمن علويتي على كل صعيد، ولم تفيدني علمانيتي
حتى مع العلمانين من أي منبت، ناهيك عن المتدينين!

لو كانت وفاء سلطان سنيّة وبنفس رسالتها اليوم،
لقبلها العلمانيون من السنة والعلويين والمسيحيين والملحدين وغيرهم،
أكثر بكثير مما تقبلوني!
فدائما كفة الميزان ترجح لصالح الأكثرية، والكل يحسب لها حسابا!

من يزعم أنه تحرر من الدين، لا يعني بالضرورة أنه تحرر
من مخاوفه ومن اعتباراته!
تطهير اللاوعي أمر يحتاج إلى جهود جبارة، فالإنسان محكوم بأغلاله!

لقد هاجمونني، وفي أفضل الأحوال تجاهلونني،
ليس لأنهم لا يتفقون مع آرائي، بل لأنهم عجزوا أن يفصلوا
بيني وبين خلفيتي الطائفية!

ولأن أساليب تربيتنا متخلفة جدا جدا وحقيرة جدا جدا،
تبقى طائفتك كالوشم الذي يُحفر بالسكين على جبينك،
وتبقى موصوما به حتى بعد رحيلك، رغم أنه لا خيار لك به!

وفاء سلطان من “الشبيحة” حتى ولو تعلقتْ بجدران الكعبة!

لا شيء استطعت أن أفعله حيال ذلك، سوى أنني استضرطت الأمر،
وبقيت كما أنا نقيّة وصادقة.
اليوم عندي جيش من المؤيدين، من جميع الأديان والطوائف.
هم أيضا صادقون ونقيّون…
نعم هم قليلون، لكنهم يزدادون باضطراد!
……………….
المفارقة المبكية المضحكة أنه لا أحد أساء معاملتي طائفيا
أكثر مما أساء العلويون أنفسهم.

فلقد قحّبوني وشرمطوني على الخاص والعام، كما لم يفعلها أحد مثلهم،
وذلك لسببين:
ـ أولا: موقفي من الإسلام، (وكان ذلك قبل أن تبدأ الحرب)،
فهم وكنتيجة حتمية
لعصور طويلة من الذل والهوان ماضيا وحاضرا،
مصابون بـ “عقدة الخواجة”
Inferiority complex،
ويحاولون

بشتى الوسائل أن يثبتوا أنهم ملكيون أكثر من الملك.

لا أتفق معهم على الإطلاق، لكنني أتفهم موقفهم،
فصوفتهم ـ بدون وفاء سلطان ـ حمرا،
وعلى رأسهم قشة تميزهم على طريقة
العهدة العمرية، ودمهم مهدور على طريقة ابن تيميه، فكيف إذا
تعاطفوا معي؟

ـ ثانيا: لأنني لم أقف مع طاغية دمشق والمحسوب ـ شئنا
أم أبيناـ على العلويين!
هم ضحلون ومغيّبون عن الوعي سياسيا إلى حد،
لا يستطيعون عنده أن يدركوا أنهم في قبضة
السلطة، وليست السلطة في قبضتهم!
فالطاغية قد استخدمهم حرّاسا لكرسيّه، وضحى بهم لحمايته،
وسيخرجون من المولد بلا حمص!

لقد أحبوا العلو الذي جاءهم على شكل خازوق،
واليوم بدأوا يتحسسون هذا الخازوق وهو يخرج من قمم رؤوسهم،
بعد أن فقدوا ربع مليون ونيّف من شبابهم، ويحتضرون جوعا!

لم تكن شتائمهم يوما أقل عنفا وسفاهة من مجانين السنة،
ولقد فقدت احترامي لأغلبيتهم.
علما بأنني مازلت مدينة للثقافة العلوية التي ساعدتني لأتحرر من أغلال الدين،
باعتبارها لا تملك دوغما دينية موثقة في الكتب،
ولا معابد كي تكرّسها وتفرضها، وهي لا تتعدى كونها خليط من أفكار
جمعوها من كل ثقافة عايشوها، ولا تختلف في خلطتها عن طبيخ القرباط!!
لم تتبلور يوما لتصبح عقيدة،
فراحت تنتقل شفويا، وتتغير مع كل جيل ينقلها وآخر يتلقفها.
الأمر الذي سهّل حياتهم رغم خشونتها، وأنقذهم من مستنقع الفقه
والكهنوت الديني!

هذه الثقافة الليّنة المطواعة تمرّ اليوم، وبعد خمسين عاما من التشويه القسري،
تمرّ في أسوأ مراحلها، نتيجة للأسلمة والتشييع
اللذين تتعرض لهما بغية غايات سياسية لأشباه رجال طغاة،
لا يتورعون عن بيع سراويلهم مقابل مناصبهم!

عندما رأيت صورة لشاب من أقربائي يلطم في ساحة
الست زينب، وسمعت أن صديقة علويّة لي تلحّفت من رأسها حتى قدميها،
أدركت أن إبادة ثقافية بدأت تحلّ بهم،
وهي أشد إيلاما من الإبادة التي ارتكبها
بحقهم السلطان سليم والسلطان عبد الحميد،
في مدينة حلب السورية!
لقد أطلقوا على أشهر شارع فيها اسم شارع (التلل)،
تيمنا بأتلال الرؤوس المقطوعة
من سكان حلب العلويين، والتي تكوّمت على امتداده!
…..
ستتضاعف شتائمهم لي عقب قراءة هذا الفصل، ولكنني لن
أعيش إلى ذلك اليوم القريب الذي سيعودون فيه
إلى هذا الكتاب وهم يندبون!!!
…..
……
وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.