دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 60)


حالتان عشتهما شخصيا، حالتان كل منهما صورة طبق الأصل عن الأخرى،
علما بأن الفارق الزمني بينهما عشرون عاما.

في بداية حياتي الأمريكية عشت وزوجي في شقة صغيرة، وكان
شاب أردني مسلم في ثلاثينياته يعيش في الشقة المجاورة.
هو متزوج من شابة أمريكية بعمره،
شابة من أجمل خلق الله وألطفهم!

ارتبطنا بصداقة حميمة، اكتشفت من خلالها أن معاملة هذا
الشاب لزوجته الأمريكية أسوأ من معاملته لفردة حذائه، علما
بأنه كان ينفش ريشه بين الحين والآخر، مفتخرا بأنه جلبها إلى
الإسلام دين الحق!!!!!
بانكليزيتي المكسرة يومها تبادلنا أطراف الحديث، فأباحت لي
بسوء معاملته لها، وأبحتُ لها باستهجاني لقبولها هذا النمط من الحياة،
وهي الأمريكية التي تجيد اللغة، وتملك وظيفة جيدة،
وتستطيع أن تحتمي بقوانين بلادها،
تلك القوانين التي تدعم المرأة ظالمة أو مظلومة.

حتى وصلت إلى جذر المشكلة.

كيرن شابة سقطت ضحية المخدرات والسلوكيات السيئة، بعد أن طردها
زوج امها في عمر مبكر من البيت وتلقفها الشارع.
تنسكب الدموع من عينيها الزرقاوتين أنهارا، وهي تتمتم:
أحب أحمد، فلقد نشلني من الشارع، وآواني في شقته،
حتى استطعت أن أعثر على عمل، ولذلك لا أستطيع أن أضحي به بسهولة.

كل مافي الأمر، كان أحمد بحاجة لتسوية وضعه قانونيا، بالإضافة
إلى أن نكاح شابة ـ من بنات الأصفر ـ وبهذا الجمال سنة محمديّة.

عرض عليها الزواج وساقها كالنعجة إلى الجامع ليقدمها لروّاده،
على أنها فتاة امريكية اعتنقت الإسلام.
كالعادة، لاقت كيرن ترحيبا لا مثيل له من الروّاد،
واهتماما لم تحس به في حياتها، فظنت أنها السيدة الأولى وقد
دخلت البيض الأبيض من بوابته العريضة!
بعد عدّة أعوام من الزواج حصل خلالها أحمد على الجنسية الأمريكية،
راح يخطط لطلاق كيرن، والزواج من فتاة مسلمة صغيرة يدربها على يديه،
وفقا لرغبة أمه!
وأخيرا هذا ما حدث….
……..
بعد عشرين سنة، وتحديدا عام ٢٠٠٩، التقيت في سويسرا بصديق مسيحي،
دعاني إلى بيته، وفي اليوم الثاني إلى كنيسته،
كي أتعرف على العابرين من الظلمة إلى النور!!

قدّم لي فاطمة، طفلة في أواخر عشرينياتها.
وعندما أقول “طفلة” أعنيها، ليس عمرا، وإنما عقلا!

فاطمة شيعية، نحكها رجال كثيرون رغم غضاضة عمرها
نكاح المتعة، إذ كانت أمها تتاجر بها.
خلال تلك العلاقات الحيوانية تعرضت فاطمة لشتى أنواع التعذيب.

لاحظتُ، وكلما سألتها: كيف تعرّفتِ على المسيح؟
تتمتم، وتعود إلى الإسهاب في شرح عذاباتها، حتى تقطع قلبي نتفا!

ليست مؤهلة عقليّا لتتعلم كيف تقطع الطريق دون أن تضربها سيارة،
فكيف هي مؤهلة لتتعرف على دين خلال فترة أشهر من تواجدها
في سويسرا، وتقرر أن تلتحق به؟؟؟
والطامة الكبرى، لا شك أن صديقي الذي دعاني إلى الكنيسة
يؤمن بأن فاطمة التي قبلت دينه هي مؤهلة عقليا وروحانيا أكثر من
وفاء سلطان التي لم تقبله بعد، ويريدني أن أتخذ منها مثلا أعلى!

بنفس الحفاوة التي استقبل بها رواد المسجد الشابة الأمريكية كيرن،
المحطمة عقليا ونفسيا، استقبل رواد الكنيسة الشابة العراقية فاطمة،
المحطمة عقليا ونفسيا!
كلاهما لاقا اهتماما وترحيبا وعناية لم يلقياها في حياتهما،
فتوهمت كل منهما أنها التقت بضالتها المنشودة!

لا أتصور أن شخصا يترك دينا ليلتحق بآخر، إلا ووراءه قصة!!
أما عندما يخرج الإنسان من دين لعدم قناعته بخرافاته، لن يجد
دينا آخر مطهرا من تلك الخرافات!!!!
………………….
والسؤال الذي صار يفرض نفسه عليّ مؤخرا:
لماذا يستميت هؤلاء المهووسين دينيّا لجلب الناس إلى دين كل منهم؟
وكل من استطاع أن يجلب إلى دينه شخصا على شاكلة كيرن أو فاطمة،
يسجل هدفا في مرمى الآخر!!!!

لا أستطيع أن أقيس مصداقية ديني بعدد الناس الذين أقنعتهم به،
بل بعدد الناس الذين قبلتهم كما هم،
وعاملتهم كما لو كانوا من ديني!
الفكرة لا يبرهن عليها عدد المؤمنين فيها، وإنما جودة تأثيرها.

اترك ايمانك ينثر عطره، دون أن تدفشه في حلقوم الآخرين!

إذا كنت كريما إلى الحد الذي تريد عنده فلانا
من الناس أن يشاطرك فردوسك في الآخرة، دعه
يشاطرك جيبك في الدنيا!
قبل أن تسعى لتغييره دينيا، اسعَ لإعادة تأهيله عقليّا وعاطفيّا…

كيرن وفاطمة قبل أن يعتنقا دينا من خيارهم، عليهما
أن يكونا مؤهلتين عقليا وعاطفيا لاتخاذ القرار…
فالإله لا يحاسب إنسانا على قراره إلا بعد أن يقيس ذكائه العقلي
والعاطفي عندما يتخذ ذلك القرار…

ليس لدي شك أن فاطمة وكيرن هما اليوم، كما كانتا بالأمس، محطمتان
على كل صعيد، إلا ـ اللهم ـ إذا انتشلتهما أيدٍ خبيرة وساهمت في إعادة
تأهيلهما.

الإيمان قد يبعث على الشعور بالراحة والطمأنينة، لكنه
لا ينتشل نفسا مضطربة فقدت كل شيء، وسيكون
ذلك الشعور بالراحة شعورا عابرا….

الإضطراب النفسي يحتاج إلى إعادة تأهيل من ذوي الخبرة والإختصاص.
أحد قواعد العلاج النفسي تقول:
We repeat what we don’t repair

السلوك الذي لا يتم إصلاحه يدوم تكراره!

من يصلح اضطراباتك ليس الله الذي يقبع في المعابد، بل
الله الذي يقبع في الكتب والمخابر والمباضع والأيدي الماهرة والقلوب الرحيمة…
………..
هناك مثل افريقي يقول:
الطفل الذي لا تحتضنه كل القرية، سيحرق القرية يوما ما
من أجل أن يشعر بالدفء!

وأنا أقول:
أن القرية ـ برمّتها ـ هي الله!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.