دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 54)


كل شيء تستطيع أن تتبجح به لبعض الوقت،
وتنفش ريشك مزهوا بامتلاكه
إلا علاقتك بالله…
الله قد نحسّه، ولكننا لا نستطيع أن نجسه.
لذلك أحاسيسك هي ملكك وحدك،
لا تستطيع أن تفرضها على غيرك،
وغيرك لا يستطيع أن يجردك منها…
………….
عندما يتعلق الأمر بالروحانيات لا أعتقد أن أحدا يملك علاقة
أفضل من تلك التي تربطني بالله…
أحتفظ سرّا بطبيعة تلك العلاقة لأنها تخصني وحدي، وليست من شأن أحد.
تلك العلاقة هي أخص خصوصياتي،
ويُفترض أن تكون أخص خصوصياتك!

ولأنني أؤمن إيمانا لا يشوبه شك من أن الفكرة طاقة، والطاقة تتحول إلى
شيء ملموس…
لقد تحولت مع الزمن من مجرد علاقة حسيّة
إلى علاقة تفرض نفسها في كل ثانية أعيشها.
تحولت علاقتي بالله من مجرد فكرة إلى واقع ملموس وجميل أعيشه…

صارت علاقتي به كعلاقة سائح عاشق للطبيعة بمعالم الطريق…
لا يهمني أن يعرف غيري أسرار تلك العلاقة وخفاياها،
وإن كنت أتطرّق إليها
بين الحين والآخر لا تبجحا ولا زهوا، ولا محاولة لأقنع أحدا بوجود الله،
فالأمر أقل ما يعنيني….

لكنني أذكرها لأنني كاتبة ولي قرائي، وحياة الكاتب ملك لقرّاءه،
ومن خلال تجاربه في الحياة يستطيع أن يشرح أفكاره !

هذه العلاقة تسمو بي، وتساعدني على أن أسمو بغيري…
هكذا يجب أن تكون علاقتك بالله،
تسمو بك وبكل شخص تلمسه في حياتك!
لهذا السبب بالذات، لا أعتبر الدين، أي دين، علاقة مع الله،
لأن الدين يخندقك….
مهما كانت تعاليمه سامية،
يوصمك بهوية تفصلك عن شخص آخر خارج حدود تلك الهوية،
والتمييز تحت أية ذريعة هو إسقاط لله!
………………………
James Allen
فيلسوف بريطاني، ولد في القرن التاسع عشر وعاش حتى نهاية العقد
الأول من القرن العشرين.

إذا كان لكل كارثة وجه مشرق،
فلقد أشرق عليّ فيروس كورونا من خلال الحجر الصحي،
أشرق عليّ بهذا الفيلسوف.
قادني إليه وأغرقني في محيط فلسفته،
فأيقنت من أن الله ، وفي كل زمان، يتجسّد في بعض البشر،
وكان (جيمس آلين) واحدا من هؤلاء البشر في زمانه.

لقد صوّر لنا الله في كتاباته كما رآه في نفسه،
وليس كما صوّرته الأديان معلّبا كسمك السردين، ومحددا كجدول الضرب!

أيقنت أيضا وأنا اُبحر في محيط أفكاره،
أيقنت أن لله رسالة، وكلما أرسل
إنسانا يخطّ في ثنايا قلبه عبارة من تلك الرسالة.
الغاية من وجود كل منّا أن ينقل للبشرية معنى عبارته،
كي تكتمل رسالة الله!
لكن بعض الناس يعيشون ويموتون وهم يجهلون عباراتهم!

كل إنسان يأتي للحياة يأتي وهو يحمل عبارة من رسالة الله،
ولا يمكن أن تكتمل هذه الرسالة عندما نسقط عبارة منها،
ألم يُسقط كل دين الكثير من عباراتها، بإسقاطه لمن لا يؤمن به!

لم ألمس في فلسفة “جميس آلين” انحدارا أخلاقيا،
كما لمست في قصة لوط الذي نكح ابنتيه بعد أن شرب حتى ثمل،
أو في قصة محمد الذي نكح زينب وهي في حضن زيد،
بعد أن لمحها عارية فاستملكته شهوتها.

لم أجد في فلسفته أي لغط لغويّ لا طائل منه، فلقد أخذت كل كلمة
مكانها في بناء النص، وفق هندسة فكرية مفرطة في جمالها!

قرأت فلسفته بلغةٍ ليست لغتي الأم.
ومع ذلك كانت كلماته تنساب في ثنايا روحي كما تنساب الساقية في مجراها،
لم أتعثر في فهم كلمة واحدة، ناهيك عن عبارة واحدة.

لماذا لم يزعم جميس آلين أنه الله؟
لماذا لم يزعم أن كتبه مقدسة وسماوية ومعصومة عن الخطأ؟
وحدهم الأنبياء الحقيقيون لا يكذبون!!!
لو فعل، لما اختلفنا عليها، ولما احتجنا إلى من يفسرها لنا،
ولكانت قد سمت بأرواحنا كما سمت بروحه.

لو زعم جيمس أنه الله، لما اختلف عليه اثنان، لأنه لم يخندق بين اثنين!

وحدها الكتب التي زعموا أنها من عند الله ، هبطت بقرّاءها
لغويا وأخلاقيا، وشرذمتهم بعد أن حفرت خنادقا بينهم.
لو اعتمدنا ماجاء في كتب هذا الفيلسوف من حكمة،
لكانت كافية لتقودنا إلى حياة مقدسة،
حياة بلا معابد وبلا رجال دين، وبالتالي بلا أسلحة وبلا خنادق!
يقول جيمس في أحد كتبه:
The universe has no favorites; it’s supremely just,
and gives to every man his rightful earrings

(الكون لا يفضل أحدا على أحد. هو عادل بامتياز.
يعطي كل إنسان ثمار مازرع بالضبط)!

يستخدم كلمة الكون لأنه يرفض أن يعلّب الله ويحدّده،
فالله ـ في مفهومه ـ ليس جالسا على كرسيّ يستريح، أو
قابعا في عرشه يحمله ثمانية،
بل هو المطلق واللا محدود، والعادل بامتياز!
………….
لولا هؤلاء الفلاسفة كم كان مظلما هذا العالم!!
تجسّد الله فيهم، وفي ثنايا أدمغتهم نسخ رسالته…..

يقول سيّد الفلاسفة أرسطو:
Think not those faithful who praise all
thy words and actions; but those who kindly
reprove the faults
(لا تتبع هؤلاء المؤمنين الذي يمدحون كل ما يسمعون ويرون،
بل أولئك الذين يلتقطون الأخطاء ويوبّخون مرتكبيها بلطف….)

وأنا أقول: احتفظ بدينك لنفسك، وأنا سأحتفظ برأي لنفسي.
لكن عندما تتبجح به وتدفشه في حلقي، من حقي أن ألتقط أخطائه، وأوبّخ
الذين يتغاضون عنها، ويتبعونها بلا عقل!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.