دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 52 )


اتصل بي ابني مازن منذ أيام، ليروي لي حدثا وقع مع ابنه آدم
ذي الثمانية.
لم يستطع أن يروي الحدث من شدة الضحك،
فالتقطت زوجته التلفون وروت لي القصة:
التفت مازن إلى آدم، وقال مداعبا:
(ماعاد تطول، رح تصير أطول مني!)

فرد آدم ببراءة، وبشيء من الجديّة:
(هل تعلم يا بابا أنني الآن أطول من التاتا،
هل بإمكانك أن تتخيل حجم الكارثة لو بقيت بطولها؟؟!!!)
…..
هذا هو الله…
أجوبة غير “مفلترة”، تعقبها ضحكة تسربل العالم بالبهجة
والسرور…
لا نحتاج إلى مصفاة وفلتر عندما تكون الحقيقة في أبسط
أشكالها طريقنا…
يتطلب الأمر أن نكون حراسا على مانقول (فقط)
عندما نعتمد الكذب والنفاق والتبجح طريقة حياة…..

أما عندما نحافظ على عفويتنا التي تولد معنا كهوية لإنسانيتنا،
سيكون الصدق موقفا ثابتا، وأيضا طريقة حياة…..
ربّما لهذا السبب قال توفيق الحكيم: لو بقي الإنسان طفلا لأصبح شاعرا!
…..
عندما ألتقي بالناس، أعرف بسهولة من
هو مؤهل ليكون صديقا مقربا،
كما لو أنني أنتقي حبة قمح من حفنة شعير.

هو ـ بالتأكيد ـ الشخص الذي استطيع وبسهولة أن أكون نفسي أمامه،
فلا يجب أن ألبس قناعا،
أو أفلتر ما أقول، خوفا من أن اغضبه، أو أثير تحفظه أو سوء فهمه!

لستَ ملزما أن توافقني كي تكون صديقا مقربا مني،
بل يجب أن تصغي لما أقول، وتحترم حقي في أن اقوله.
اختلفْ معي، ولك مطلق الحرية أن تعبر عن اختلافنا وخلافنا،
ولكن ليس من حقك أن تلجمني، كما ليس من حقي أن ألجمك!
….
نحن ضحايا ثقافة وتربية لا تقبل الاختلاف، ولا الإنحراف
عن الخط الذي فرضوه علينا قسرا!
تربينا منذ نعومة أظفارنا على أن نقمع مشاعرنا،
وندبلج أفكارنا في محاولة ليقبلنا الغير.
لذلك، عشنا حياة لم نكن فيها أنفسنا، وتقمصنا أدوارا لم تكن حقيقتنا.
إذ ليس صحيحا أن الديكتاتور وحده من يكمّ الأفواه،
فكل منا لعب دورا جوهريا في قمع آخر…
حتى تحولنا إلى اسطبل كلما حاولت غنمة أن تهرب خارجه
شدها القطيع إلى داخله!

يقول الفيلسوف الأمريكي Josehp Campell
Hell is living someone else’s life
(جهنم هي أن تعيش حياة شخص آخر!!)
…….
العقائد الشمولية دينية كانت أم سياسية
تقولبك بطريقة حدّية لتعيش حياة تفرضها عليك،
حياة تتجرد فيها تدريجيا من كل القوى الكامنة في عمقك،
فيسهل عليهم لاحقا سحقك واستعبادك.
عندما يفرضون عليك النمط الحياتي ستفقد بصمات أصابعك،
وستفقد معها هويتك الكونية،
ولن تذوق أبدا متعة أن تكون نفسك!
………………..
لقد جئتَ إلى الكون مزودا بكل المهارات اللازمة لتشق طريقا خاصا
بك،
ولتمشي عليه منتصب القامة شامخ الرأس…

الله الحقيقي أكبر بكثير من أن يريدك عبدا، وأعظم بكثير
من أن يقبلك راكعا….
تخيل ذلك الأب الذي يصرّ على أنه أنجب أولاده ليكونوا عبيدا له،
فما بالك بالإله!!!

لا نستطيع أن نقيس عظمة الإله، لأنه هو المقياس!
كل صفة ـ سيئة أم جيدة ـ اُلصقت به تحط من شأنه، لأنه يفوق
قدرتنا على الوصف!
الإله هو الإله، ليس إلا!
أنت كلمته،
وأنت ما خطه قلمه وما أبدعته أنامله.

كل فصل في هذا الكتاب هو مرآتي، ولا شك أن الإله يراك مرآته.

لا يمكن أن يكون الفن أقل شأنا ممن أبدعه!
الإبداع هو “نيرفانا” المبدع…
وأنت نيرفانا الله، تجلّت فيك أعلى درجات ابداعه.
…..
عندما يلزمك الدين بكتب ركيلة ومقرفة وغامضة،
ويقنعك بأنها “نيرفانا” الله وقمة إبداعه،
كيف لك أن تسمو بإبداعك فوق مستوى ركاكتها وقرفها وغموضها؟!!
من الناحية الإبداعية، لن تستطيع أن تتجاوز ضحالتها حتى تتحرر من براثنها….

لهذا السبب نرى فاقة حضارية وافتقار إلى الإبداع
في كل البلدان المتديّنة التي سقطت بين دفتي كتابها “السماوي”،
ولم تستطع أن تتجاوز ضحالة محتواه!
…….
تقول القديسة البريطانية التي عاشت في القرن
الخامس عشر Julian of Norwich
Between God and the soul, there is no between
(بين الله والروح….. لا يوجد “بين”!)
على الصعيد الروحاني أنت امتداد له، وكل جزء في كوننا
هو امتداد له.
لكي تحلق على صعيد الروح يجب أن تتعامل مع كل جزء في هذا
الكون على أساس أنك وإياه امتداد لله.
هو منك وأنت منه…
لو فعلتَ لسقطت كل الأديان، وسقطت معها كل أشكال العبودية
وتحرر الإنسان من كابوس “التخندق” ضد أخيه الإنسان…
….
هذا الذي تحوّل بفعل حقدك وقنبلة رميتها على الأرض إلى أشلاء،
هذا هو عينك التي قلعتها يدك!
ستتألم تلك اليد، دون أن تدري سر ألمها….
لذلك أنت تتألم دون أن تدري أنك أنت سرّ ألمك!
بين روحك وبين الله لا يوجد “بين”، ولذلك عندما تؤذي جزءا من الكون،
تؤذي الله فيك!
………………
هم اقنعوك بأنك عبد لله، كي تستصيغ العبودية، فيسهل عليهم استعبادك
ومنذ أن صرت عبدا لله،
صرت عبدا لرجل دينك…
عبدا لوالديك…
عبدا لمعلمك…
عبدا لرئيسك في العمل…
عبدا لحاكمك…
وعبدا لكل
مخلوق تتوهم أنه أهم أو أقوى منك،
ولن تستطيع أن تتحرر من أي شكل من أشكال
العبودية…..
عندما يعلمك الدين أن تركع، ستخسر بصمات أصابعك،
ولن تمشي في حياتك منتصب القامة!

آآآآه كم كلفتني استعادة تلك البصمات من جهد ووقت وصراع!!!
لكنها أعادت إليّ روحي التي بينها وبين الله لا يوجد “بين”…..
……..
لو تربى آدم ـ كما تربيّنا ـ بطريقة قمعية تفرضها كوابح الدين،
التي كبحت عقولنا ومن ثمّ سلوكياتنا،
لما مارس طفولته بعفويّة، ولسقط ضحية “الإحترام” المزيّف
لجدته!
ولتقولب منذ نعومة أظفاره على أن يلبس قناعا في محاولة لإرضاء
غرور غيره!
…..
أذكر يوما كنت على أبعد حد في السادسة من عمري،
أي أصغر عمرا من آدم اليوم.
رحت أبحلق في سيدة كانت تجلس في مطبخنا، وهي فلاحة من قرية أمي،
اعتادت أن تبيعنا بين الحين والآخر سلة من الخضراوت.
كان لتلك السيدة بطن مندلق، يتدلى كبطيخة بين ساقيها، ربما لخلل صحي.
استهوتني ـ كطفلة ـ “بطيختها” فرحت أمعن النظر فيها.
سألتني: (شبك ياعين خالتك، ليش عم تطلعي فيني)
ببراءة آدم رديت: شو هي “الدعبولة”؟ (مشيرة إلى بطيختها)

(ياغافل الك الله) جائتني خبطة من قبضة أمي على قفا رأسي
هزّتني عشر درجات، حسب مقياس ريختير للزلازل!
…….
في عالم اليوم، لست متأكدة إلى أي حد سيحافظ آدم على نقاوته،
لكنني متأكدة أن نشأته العائلية ستخفف من هول الكارثة!

هو ليس أطول مني وحسب، بل صُنع عقليا وعاطفيا وروحانيا
بطريقة أفضل بمليون مرّة من الطريقة التي صُنعت بها.
لذلك هو مؤهل لأن يعطي ويبدع….
ويعيش حياته، محتفظا ببصمات أصابعه،
ووفقا لكتابه الذي جاء إلى الكون يحمله تحت إبطه!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

* Copy This Password *

* Type Or Paste Password Here *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.