دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 40)


إذا أردت أن تجحّش شعبا اسقطه في المستنقع الديني،
وإذا أردت أن تغيّبه تماما عن الوعي، أي أن
تسقط به دون مستوى جحشنته، أوهمه أن الله يسكن في قاعه!

في تلك الحالة تستطيع أن تسرق حبة الرز من صحنه،
وتسلبه نوم عينه، وتدوس على رقبته وهو راضٍ ومقتنع.
ليس هذا وحسب، بل وممنون لك أيضا،
يشكرك على طغيانك…

هكذا استطاع الطغاة، حكاما ورجال دين، أن يتسلقوا أكتاف الشعوب
المغيّبة عن الوعي،
وهكذا استطاعوا أن يتغوطوا فوق رؤوسهم!
……….
قص علي صديق مسلم قصة والده،
يوم كانت فلسطين تحت الإنتداب البريطاني.
قررت حكومة الإنتداب أن تنشئ شبكة للسكك الحديدية،
فأعلنت عن حاجتها لعمال.
تقدم الآلاف بطلبات…
جاء دور والد صديقي للمقابلة.
قبلوه على الفور لأنه كان حدادا، وسألوه:
هل بامكانك أن تبدأ العمل في
اليوم الفلاني؟
فرد: انشالله!
أعادوا السؤال: ولكن هل تستطيع أن تبدأ في اليوم الفلاني؟
فرد: انشالله!
للمرة الثالثة والرابعة والخامسة، رد: انشالله!

يتابع صديقي: كل العمال الذين اشتغلوا في إنشاء تلك السكك،
عاشت عوائلهم بخير وبتأمين صحي إلا عائلتنا،
عاش أبي ومات فقيرا، وعانت عائلتنا من الفقر بسبب “انشالله”!

هكذا هو الإيمان الأعمى
يسلبك قدرتك على أن تقرر وتعقد العزم، وبالتالي يكرس
واقعا تعيسا!
………
هل قرأ أحدكم قصة المسيح والصيادين؟

كل ما أتمناه أن يستمع كل منكم بهدوء وبتجرد وبعقل منفتح
بعيدا عن القولبة الدينية،
إلى قصة المسيح مع الصياديين (الشريط المرفق)،
وهي تُروى للأطفال بطريقة سلسة،
تتسلل خلسة إلى عقولهم الغضة،
وتبدأ التخريب من هناك…

الإنسان المبرمج عقائديا قد يستمع إليها، ولا يلتقط مكامن الخطر فيها،
لكن من يتمتع ببصيرة ثاقبة وضمير حيّ
لا يستطيع أن يمرّ عليها مرور الكرام، دون أن يدرك مخاطرها.
……..
تبدأ القصة من أن الصيادين كانوا نشيطين،
ويعيشون على صيدهم حياة كريمة.
في أحد الأيام حاولوا مرارا وتكرارا،
ألقوا شباكهم ولم يعثروا على سمكة واحدة.
(لاحظ دبر الله هذا المقلب ليلقنهم درسا)
جاء المسيح بعد أن يأسوا من التقاط السمك، وألزمهم
أن يلقوا شباكهم مرة أخرى، وعندما فعلوا
عجزوا عن شدها وجمعها من كثرة السمك فيها.
(لاحظوا كيف تتسلل الفكرة من أن العمل المثمر لا يفيد،
وحده الله هو من يحدد الأرزاق)

ركعوا أمام المسيح يعتذرون، فطلب منهم أن يتركوا صيد
السمك ويذهبوا ليصطادوا الناس!!!
(الفكرة أن التبشير ـ وليس العمل المثمر ـ هو من ينجح في النهاية)
……
أن تتعلم كبالغ هذه القصة وتترك الصيد لتلتقط الناس،
وتزجهم في ايمانك،
أنت حرّ وليس من مانع…
أما أن تُصاغ تلك القصة لتتحول إلى قصة للأطفال،
فهنا تكمن الكارثة!
تصوروا أن تتبنى اليابان تلك القصة في كتب أطفالها؟؟
تصوروا أن يعلّموا تلك القصة في مدارس أمريكا الإبتدائية،
ماذا كان سيفعل علماء النفس والسلوك؟؟؟
……..
المثل الشعبي يقول: الفقر لا يتعدّى على أحد!

وخصوصا عندما يتبنى الإنسان الثقافة التي تقوده إليه،
ويسمح لها أن تتسلل إلى عقول أطفاله بدون فلترة!
أحيانا لا بد أن اؤمن بأن هناك أجندة خبيثة،
للمحافظة على بعض البشر مغفلين وفقراء،
من خلال طمس عقولهم بتعاليم دينية تساهم
في تقزيمهم عقليّا، وبالتالي انتاجيّا…

المغزى الذي يستشفه الطفل هو أن الإيمان أهم من العمل.

ويبقى السؤال: هل التزم شعب بتلك القصة وشبع سمكا؟؟؟
………
عندما سحب الغرب هذه القصة من كتب الأطفال في المدارس،
تعلموا قيمة العمل،
ففاضت الخيرات عليه، وتحسنت نوعية الحياة.

بينما بقي الشعب الذي التزم بحرفية تلك القصة،
سواء في صعيد مصر أو في أدغال المكسيك،
ينام ويفيق مصليّا ومبشّرا،
ولكنه جائع ومقهور إلى حد الفاقة!
………….

منذ أشهر خلت كنت أشاهد فيلما وثائقيا عن حياة امرأة،
أعتقد بريطانية، تملك جمعية خيرية تعتني بأفقر فقراء الأرض.

كانت معظم أحداث الفيلم تدور حول
جماعة تعيش في مكان ما من مصر، أعتقد في الصعيد.
هذه المجموعة تتعربش على هضاب جبل صخري لا أثر
للحياة فيه،
وتعيش داخل كهوف محفورة في أعماق هذا الجبل.
توجهت الكاميرا إلى سيدة أرملة تعيش مع أولادها الثلاثة،
حياة لا يمكن أن تتصور مثيلا لها حتى في العصور
الحجريّة.
من أعمار أولادها تستطيع أن تخمّن عمرها في الأربعينيات، ولكنها
تبدو في سبعينياتها.
سألوها عدة اسئلة، ومعظم أجوبتها كانت تدور حول “ربنا”،
ربنا له المجد يساعد، ربنا تبارك اسمه يرزق…
ربنا….ربنا….
أين هو ربنا؟؟؟
أين هو كي يرسل لكم السمك كما “أرسل” لسمعان بطرس؟؟!!
…….

لا شك أن للفقر في مصر، كما في أي بلد آخر، عوامله وأسبابه.
لكنني قابلت
أقباطا ناجحين ومبدعين وأغنياءا، رغم كل مظاهر الإضطهاد
التي تعرضوا لها.
هل يقبل هؤلاء أن يتركوا صيد السمك ويتوجهوا إلى صيد البشر؟؟؟

لماذا وحدهم الفقراء تتمكن هكذا قصص من أن تغسل أدمغتهم؟
هذه التعاليم تقود إلى الفقر،
والفقر بدوره يزيد الفقير تعلقا بهكذا تعاليم.
إنها دائرة مغلقة لا تعرف أي طرف منها يؤدي إلى الآخر….

ألسنا بحاجة لإعادة النظر في التراث الديني
الذي لم يعد ـ في معظمه ـ مناسبا ليحل مشاكل الساعة؟؟
……
لا تحاول أن تدافع عن إيمانك بالله، مدّعيا أنه حجتك
لقبول هكذا خرافات…
علينا أن نرفض كل إيمان لا تقوده البصيرة ولا تضبطه الأخلاق.

ليس هذا وحسب، بل أنا أكثر إيمانا منك،
لأنني أكثر استيعابا لعظمته وترفعه عن كل
تعليم يُسيء إلى حكمته،
ومن ثمّ إلى الناس والحياة….!!!!
**************************************************
أعزائي القرّاء:
في الفصل القادم سأروي لكم قصة مغايرة تماما حدثت
في أمريكا، لكي تقارنوا بين قصص الأطفال عندنا وعندهم.
خالص محبتي

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, يوتيوب. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.