دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 38) الجزء الأول


سأفترض هنا سيناريو، وسأطرح من خلاله بعض الأسئلة
على قرائي، وخصوصا المهووسين بالدين منهم…
لنفرض أن طفلا قد ولد في عائلة لا تؤمن بالأديان إطلاقا،
وتربى على أن الحياة قيمة، بل هي أقدس القيم، وبأن
الغاية من الوجود هي حماية الحياة وتحسينها.
عاش هذا الطفل نظيفا من كل أثر لدين حتى بلغ عامه العشرين،
ودخل مرحلة التعليم الجامعي!
ثم وبحكم الصدفة تعرف على مجموعة متدينة، حاولت أن تقنعه بأن
الله ظهر في الغيمة ولقّن موسى وصاياه العشر،
أو أن امرأة حبلت من الروح القدس وأنجبت إلها على شكل بشر،
أو أن نبيا قد صعد على ظهر بغلة إلى السماء السابعة،
وفي طريقه مرّ على النار فوجد أكثر سكانها نساءا…
أو أن الله قد غضب على آدم وحواء، فلعن الأرض
وطردهما إليها، وقال لحواء: بالوجع تحبلين وتنجبين،
ولآدم: بعرقك تأكل خبزك!
إذا اعتمدنا النسبة المئوية، ماهو احتمال أن يؤمن هذا الشاب
بتلك العقائد؟؟؟
عندما نجاوب على هذا السؤال بأمانة علمية، سيكون جوابنا دليلا
قاطعا على أن الدين عملية تلقين وغسيل دماغي، لا علاقة
للملكات العقلية به.
وما تتعلمه عن طريق التلقين لا تستطيع أن تناقشه بالمنطق والعقل!
……………


كنت مرّة مدعوة بمناسبة أحد الأعياد المسيحية إلى حفلة غداء،
والمضيف عائلة مصريّة تربطني بها أواصر محبة وصداقة.
جاء إلى الحفل قس، ليعطي وعظة يشرح
بها المعاني الدينية للمناسبة…
أثناء تناول الطعام رحنا ندردش حول الحياة وتفاصيلها..
تجمع حولي بعض الضيوف، وسألني أحدهم:
لماذا لم تعتنقي المسيحية؟
كان ردي:
(أنا أحب المسيح كمعلم مستنير، ولكنني لم أقتنع
أن الله العادل يخلق الدين الحق، ويرسل بعضا من بشره
فيه، ويحرم البعض الآخر منه.
لا أستطيع أن أستوعب أن العدالة الإلهية تفعل ذلك،
طبعا بالإضافة إلى أسباب أخرى كثيرة، وهذا هو أهمها).
بعد الإصغاء إلى الوعظة سأل القس
إذا كان هناك أحد يحب أن يطرح أسئلة،
فانبرى أحد الحضور وطرح عليه سؤالي، بقوله:
أحدهم يسأل أين هي العدالة الإلهية في أن يخلقنا الله
في الدين المسيحي، ويخلق غيرنا في أديان باطلة؟
لم يكد الشخص ينتهي من سؤاله حتى زعق القس:
(اللي مش عاوز يؤمن يروح يغور في ستين ألف داهية!)
وراح يرغد ويزبد،
ويحاول أن يبرر غضبه بكلام لا يقل سفسطائية وجنونا
عن غضبه!
….
بينما تربطني بقس أمريكي علاقة طولها سنوات، عشنا
خلالها أصدقاءا…
لم يحاول مرة واحدة أن يقنعني باعتناق المسيحية،
علما بأنّ كل أقواله وتصرفاته كانت تشدني إليها.
طرحت عليه نفس السؤال!
هل أحد فيكم يستطيع أن يتخيل الجواب؟
رد بهدوء، بعد أن وضع يده على كتفي:
يا بنيتي، لا أعرف الجواب،
وتابع:
الأديان لم تأتينا بجواب لكل سؤال.
الكون لغز، وأي
شخص يدّعي معرفته المطلقة هو شخص مزيف!
آمني بما يرتاح له قلبك وضميرك….
العربي عموما، مسيحيا كان أم مسلما، يخجل أن يقول لك
“لا أعرف”، عندما تطرح عليه سؤالا،
وخصوصا ذلك النمط من الأسئلة التي تحتاج إلى منطق وعقل،
وليس إلى برمجة ملّقنة لم تتدخل بها المحاكمة العقلية.
أدركت لحظتها الفرق
بين المسيحية الشرقية المطعّمة بالإسلام، والمسيحية الغربية
التي تبنّت العلمانية!
هذا لا يعني أن كل قسيس شرقي على شاكلة صاحبنا هذا،
ولكن أغلبهم…
ولا يعني أن كل قسيس غربي على شاكلة القس كفين،
ولكن أغلبهم…
……………
تحضرني الآن عبارة وردت على لسان أحد أبطال مسلسل أمريكي:
rational arguments don’t usually work on religious people.
Otherwise, there would be no religious people
(الحوار العقلاني لا ينفع مع الأشخاص المتديّنين،
وإلا لما كان هناك أشخاص متديّون)!
تلك حقيقة، مع أنني ـ في الوقت نفسه ـ توصلت إلى قناعة،
ألا وهي:
لا يستطيع العقل والمنطق أن يجيبنا على كل الأسئلة التي تفرض نفسها.
قد نحتاج للإيمان كي يوحي لنا ببعض الأجوبة،
لكنني لن أقبل يوما إيمانا،
إلاّ إذا قادته البصيرة وضبطته الأخلاق!
***********************
أعزائي القرّاء:
الفصل طويل جدا، لذا آثرت أن أقسمه إلى جزءين،
بناءا على طلب بعض القرّاء الذين يملون من الكتابات الطويلة…
تبدو الفكرة غير مكتملة، وستكتمل حتما في الجزء الثاني.
أقدّر حق التقدير مساهماتكم وتشجيعكم، وأكن
للجميع خالص محبتي

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

1 Response to دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 38) الجزء الأول

  1. س . السندي says:

    ١: يقول أينشتاين
    الحقيقة هي ما يثبُت أمام إمتحان التجربة ، فاذا كنتَ لا تستطع شرح فكرتك لطفل صغير ، فذالك يعني أنت نفسك لم تفهُّمها ؟

    ٢: من يدعي إمتلاك الحقيقة المطلقة عليه إثبات ذالك بالدليل والبرهان ، وإخضاعها للمنطق والعقل إن كان يتحاور مع إنسان وليس حيوان ؟

    ٣: تساءل
    لماذا إذا تعمق المسلم بدينه وإلتزم صار مجرماً أو إرهابياً ، واذا تعمق المسيحي بدينه والتزم صار قديساً وعمل المعجزات ؟

    ٤: وأخيراً
    تبقى الأفكار والمعتقدات قناعات ، ومن يفرضها بالقوة على الاخرين حيوان وليس إنسان ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.