دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 37)


يقول توماس جيفرسون، أحد الرؤساء الأمريكان السابقين:
I know it will give great offense to the clergy, but the advocate
or religious freedom is to expect neither peace not forgiveness from them

(أعرف بأنّ ما أقوله سيغضب رجال الدين، ولكن اعلموا بأنهم
لن يكونوا مسامحين ومسالمين مع من يدافع عن حرية اختيار العقيدة!)

إذا كان جيفرسون يتوقع حربا مع رجال الدين عندما يطالب بحرية اختيار العقيدة،
فكيف ستكون حربهم معي لأنني أطالب بالتحرر من العقيدة؟!!!
…………..
أطالب بأن يتحرر الإنسان من قولبة الدين، لأنها ـ باختصار ـ ضد
الطبيعة البشرية،
تلك الطبيعة التي تزهر وتنمو في وسط يحرر العقل من أغلاله ويحلّق به!

لم يعرف التاريخ البشري برمجة أسوأ من تلك التي يسببها الدين،
ورجال الأديان هم الحراس الأمينين على ضمانها.
عندما تتطالب بالتحرر منها كأنك تختم بالشمع الأحمر
على المصادر التي
يتسولون منها لقمة عيشهم!
ومن المستحيل أن تقنع شخصا بالتخلي عن مهنة يرتزق منها،
وخصوصا عندما لا يملك من المهارات غير ماتطلبه تلك المهنة!

عندما طالب العلمانيون في لبنان بالزواج المدني، تظاهر رجال الدين مسلمين
ومسيحيين (من كافة طوائفهم) ضد هذه القضية،
تظاهروا كالبنيان المرصوص يشد بعضه البعض،
علما بأنهم بنيان هش، لا تتناغم فيه لبنة مع الأخرى…
لكن، عندما يتعلق الأمر بضمان السلطة والنفوذ،
كل رجال الدين من دين واحد….

وأمام حق الإنسان في التحرر من أغلال الدين،
كل رجال الدين وجوه لعملة واحدة!
…………………….
هناك تعبير يستخدمه السوريون في لغتهم المحلية واليومية، يقولون على
سبيل المثال: فلان ضبع فلانا!

كلمة “ضبع” هنا تأخذ بعدا سيكولوجيا من الصعب أن تجد في القاموس
العربي كلمة أخرى تضاهيها في التعبير!
أقرب كلمة إليها هي “هيمن”، ولكنها لا تفي المعنى حقه!

كلمة “ضبع” تأتي من اعتقاد شعبي سائد،
بأن الضبغ لا يأكل فريسته إلا حيّة وفي داخل وكره!
نعم يجرّها حيّة إلى وكره..
كيف؟
الخرافة تقول أنه يتسلل خلسة حتى يقترب من فريسته، ويلطمها
بذيله، فيضبعها، بمعنى أنها تصبح رهنا لاشارته.
فيمشي أمامها وهي تمشي خلفه حتى يصل بها إلى وكره!

لست هنا في سياق إثبات أو إنكار تلك الخرافة، ولكن كلمة
“انضبع أو ضبع” تفسر بعبقرية لغوية لا مثيل لها ظاهرة سايكولوجية،
قد نحتاج إلى كتب لتفسيرها،
ألا وهي ظاهر الهيمنة على العقل، وغسله إلا من فكر محدد بغية غاية محددة،
غاية لن تحتقق لو تحرر العقل من عقاله، وحلق في رحاب فكره!

أخطر أشكال الهيمنة العقلية وأكثرها حدّية هي الهيمنة الدينية!
لماذا؟
لأنها تتم منذ أول لحظة بعد الولادة، وبعمر يكون
فيها الوعي معدوما، والدماغ نظيفا وجاهزا ليسجل كل شيء.
في هذا العمر المبكر تتحكم البرمجة الدينية بعقل الطفل الغض،
وتحيك براثنها حوله، كما يحاصر العنكبوت حشرة وقعت في شباكه.

باختصار شديد جدا جدا: الدين “يضبعك” ويجرك إلى وكره
مستسلما وخانعا بدون أبسط أشكال المقاومة والمحاكمة العقلية،
وهناك يلتهمك حيّا ويرميك ميتا عقليا وفكريا،
والأهم روحانيا!

لا شك أن تجاربا معينة قد ساهمت في ايقاظ بعض المبرمجين، ليعوا
مدى خطورة تلك البرمجة، وأثرها السلبي في حياتهم اليومية،
واستطاعوا أن يفكوها ويتحرروا منها إلى حد ما.

أقول: إلى حد ما!
لأنه مستحيل أن تنظف عقلك الباطن من آثار تلك البرمجة إلى حد التطهير!
أستطيع أن أميّز الملحد المسيحي من الملحد المسلم بنفس
السهولة التي أميّز بها حبة القمح من حبة الشعير،
علما بأنهما متساويان في حدّة رفضهما للأديان ودفاعهما عن الإلحاد!
………………….
مرّة كنت أصغي إلى منظّر ثورة “الربيع” السوري الشيخ العرعور،
يشرح وبالتفصيل كيف
يجب ذبح الأطفال العلويين ورميهم بالشوارع،
على أمل أن يطيح ببشار الأسد!

للأمانة أقول، ويشهد علي ضميري، لم ينتابني إلا شعور بالشفقة عليه
طغى على كل كياني…
اجتاحتني رغبة ملحة في أن أجد طريقا لأتواصل معه، لأدعوه
إلى وجبة غداء تجمعنا معا…
لأمسك بيده وأضعها على صدري كي يحس بخفقات قلبي
وبنبض الحياة في داخلي…
سأقوده روحانيا ليعي من خلال دقات قلبي معنى الحياة وقيمتها،
علّه يعيد النظر في عقيدته،
فالفكرة الجديدة هي حياة جديدة.

حزنت جدا لا لأنه سيقتل الأطفال العلويين، علما بأن موت أي طفل يحرق
قلبي،
بل حزنت عليه، أولا وأخيرا، لأنه لا يعيش الحياة ولا يعرف معناها…
هو مقتول، ولذلك عنده رغبة في أن يقتل…
هو رهينة وكر الضبعة، ولقد أكلته الضبعة ونهشت خلايا دماغه،
ولعلنا إذا التقينا استطيع أن أعيد ترميم تلك الخلايا!
من يدري؟
فجبال من القش تحتاج إلى عود ثقاب لتولع،
وقد يحتاج العقل الميت إلى شرارة كي يولع من جديد،
ولطالما كانت الكلمة الطيبة هي تلك الشرارة….

الشيخ العرعور هو الشيخ العرعور لا لأنه ولد عرعورا،
ولا لأنه ولد شيخا…
بل لأنه خرج من رحم أمه ليسقط رهينة وكر محصّن
بالاسمنت المسلح….
منعزل عن الهواء والشمس والحياة….

عاش داخل وكره الإسلامي ظلاما دامسا،
لم ير في حياته بصيص نور.
لم يسمع كلمة واحدة ارتقت بروحه وسمت بفكره، واقتصر
قاموسه على عبارة واحدة “فضرب الرقاب”، حتى صار
يرى حبّة الرز في صحنه رقبة، وهو ملزم بضربها!

اضطرب صحنه….
واضطربت روحه واضطرب معها كل شيء حوله،
فراح بياض عينه يقاتل سوادها،
لم يكن حقده على العلويين أقل حدّة من حقد هذا البياض على ذاك
السواد.
إذ لا يمكن أن تحب نفسك وتكره أحدا،
فأصل الأحقاد كلها كره النفس!
ولا يمكن أن تتصالح مع أي شيء في هذا الكون، مالم تتصالح
أولا مع نفسك.
العلويون ليسوا هم الأعداء المعنيين في العقل الباطن للشيخ عرور،
إذ لا عدو في بواطن عقله إلا نفسه، وهي ألد أعدائه!
لا يعادي إنسانٌ إنسانا آخر إلا في محاولة يائسة
ليهرب من معاداته لنفسه!

لذلك، ليس غريبا أن يظل العرعور رهينة للظلام الإسلامي،
طالما لم يجرّب شهقة النور…
وليس غريبا، لو التقينا، أن تفعل كلمة طيبة في عقله الميت فعل السحر،
إذ أن الله كلمة طيبة، والكلمة الطيبة تصنع المستحيل….
….
يقول مفكر أمريكي:
You can’t soar with eagles as long as you live with chickens

لا تستطيع أن تحلق مع النسور طالما تعيش في القن مع الدجاجات….

أما أنا فأقول: لا تستطيع أن تحلق باتجاه الله إلا على جناحيّ كلمة طيبة،
ففي البدء كانت الكلمة…..

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.