دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 35)

البوصلة إلى الله مغروزة داخل كل منا…
عندما تجيد قراءة مؤشرها، ستصلك به عبر طريق لم يمشِ
عليه أحد من قبلك!
لقد خصّ الله كل منا بطريق، وهنا تكمن عدالته!
لقد خص الله كل منا بطريق احتراما للطبيعة البشرية التي
تميل بشدة للتفرد، والتي هو الأدرى بها!
لم أعد أذكر من قال تلك العبارة:
You can’t blend in when you’re born to stand out
(لا تستطيع أن تنصهر في الجموع لأنك خُلقت لتنتصب فريدا)
….
لا يوجد بلدوزر على سطح الأرض يستطيع أن يطحنك، ويحولك إلى ذرة
في قدر من العجين،
أكثر مما يستطيع الدين!
مع ذلك الإنصهار يأتي الألم….
تصور نفسك ذرة طحين في قدر من العجين؟
ما الغاية من وجودك إذا كانت هناك بلايين النسخ الفتوكوبية عنك؟؟
وكيف سيحس أحد بغيابك عندما تترك مكانك؟
لذلك، لم نأتِ عبثا، بل أتينا وكل منا ماركة مسجلة!
وبالتالي فريد في دوره، وفي سلوكياته، وفي ابداعاته، وفي كل انجازاته،
وأيضا في طريقة تعامله مع الكون…..
مايميزني لا يميزك والعكس صحيح!
لم أصادف في حياتي شخصا متألما، إلا واكتشفت فيما بعد
أنه لا يحس بتميزه، وبالتالي لا يحس بقيمته،
يشعر بأنه يسافر في قطار الحياة، ولا يتحكم في غرفة القيادة!
…………..


نعم، يسلبك الدين خصائصك الشخصية، يسلبك كل ما يميزك،
عندها تنتهي ذاتيا، وبالتالي روحانيا…
فالروحانية هي التوحد في الذات العليا!
الذي ساعد الأديان على أن تغزو تلك الذات وتمنعها من تفردها،
هو النزعة القطيعية التي تتحكم أيضا بالطبيعة البشرية،
أي نزعة الإنتماء!
فكما تنزع النفس البشرية للتفرد كذلك تنزع للإنتماء…
تخاف تلك النفس من وحشة الوحدانية لو تفرّدت، فتنزع للإنتماء
كي يمنحها شعورا بالأمان!
وتخاف من الإنصهار الذي قد يعرضها له الإنتماء، فتنزع للتفرد كي
يمنحها إحساسا بوجودها وبقيمة ذلك الوجود!
استغلت الأديان حاجة الإنسان للإنتماء على حساب حاجته للتفرد،
فقتلت الجوهر لدى أتباعها،
ذلك الجوهر الذي يمدهم عادة بالضخ الكوني،
لأنه موصول فيه.
لا يمكن أن تتبع القطيع معصوب العقل والبصيرة وتكون ذاتك.
…….
الروح تضطرب مالم يعيش الإنسان ذاته العليا والحقيقية،
وعندما تضطرب الروح لا يمكن لمحيطها أن يعيش بسلام!
عندما يخسر الإنسان سلامه يبحث عن حروب…
لهذا السبب، ولمليون سبب آخر،
كانت الأديان، بشكل مباشر أو غير مباشر، وراء الكثير من الخراب والدمار!
الحرب هي انعكاس حتمي لشعور الإنسان بقوة الانتماء المزيّف
وغياب الذات الحقيقية…
وهذا تماما ما تؤدي إليه الأديان، بقصد أو بغير قصد!
لا يمكن أن يحارب أو يسعى لحرب إلا من يتعصب لانتمائه،
وفي الوقت نفسه من فقد تواصله مع ذاته!
وهل هناك انتماء أقوى من الإنتماء الديني؟
…………………………..
منذ أن تقمّصت ذاتي العليا بلا حجاب وبلا رتوش،
لم أشعر يوما برغبة في أن أُعادي…
عندما أكتب، وهي اللحظة التي أتواصل فيها مع المنبع، تضمحل
“الأنا” عندي حتى تتلاشى كليّا، وأصبح ذاتي العليا،
تلك الذات التي تشعرني بفرديتي، وفي الوقت نفسه،
تريني نفسي في كل شيء آخر…
فكيف سأعادي وأحارب شيئا أراه في نفسي، وأرى نفسي فيه؟
………
كنت أدردش مع صديقة مقربة عن أولادنا وطفولاتهم..
قصت علي حكاية لطيفة عن طفولة ابنتها.
كانت ساره في الشهر العاشر عندما حاولت، ولأول مرة، أن تمشي
فوقعت وارتطم رأسها بالطاولة…
خافت إلى حد تأخرت عنده عن المشي حتى أثارت قلق والديها.
بعد شهرين من عامها الأول ألبستها أمها ثوبا جديدا..
للثوب تنورة تشبه تنورة راقصات الباليه…
أمسكت الطفلة بأطراف التنورة وظنت أنها مسند تستطيع أن تتكأ عليه،
ثم عبرت الغرفة من الحائط إلى الحائط.
لكي نشبع نزعتنا إلى الإنتماء، ولكي نشعر بالأمان، لا نحتاج إلى
أكثر مما احتاجت إليه الطفلة ساره….
حتى ولو كان هذا الإحساس وهميا، يكفي لأن ينقلنا في الحياة…
بل في حقيقة الأمر يجب أن يكون وهميا، من أجل أن
نقص حبل الإنتماء بسهولة، ونحلّق إلى ذواتنا بأمان…
توهمت ساره أن أطراف التنورة مسند لها، فمشت…
في حين أنها لم تستند إلا على ما كان في داخلها من قوة ودفق…
………
عندما تتقمص ذاتك العليا تدرك أن كل شيء تحتاج إليه موجود لديك،
موجود في داخلك حيث يصب المنبع ليرفد دفقك..
ارتباطك بدينك، بطائفتك، بمعبدك، ليس أكثر من وهم،
طالما لا تشعر بفرديتك وتمارس تلك الفردية بحرية!
ليس هذا وحسب، بل كلما قوي ذلك الرباط كلما اضحملت فرديتك،
وتقزمت ذاتك، وتأججت نار التمرد في أعماقك…
…………
كنت قد راقبت فيديوهات كثيرة لجرائم اقترفها الداعشيون خلال الحرب السورية،
وكنت أعرف مالا يعرفه المتتبع العادي…
كنت أعرف أن اقترافهم لتلك الجرائم الشنيعة، لم يكن في حقيقة الأمر
إلا تمردا على انتماء قسري لتعاليم متوحّشة زجهتم في زريبة،
وجدوا أنفسهم فيها صورا فتوكوبية متكررة،
ولم يكن لهم فيها مخرج!
كنت أنظر في وجه كل منهم لأقرأ تاريخا، رغم يفاعته، تاريخا مفعما بالعنف،
تاريخا سحق هويته الكونيّة،
تلك الهويّة التي تمنح صاحبها عادة شعورا بالتميّز
وقيمة الوجود!
راقبت مرة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي،
يحكي بالتفصيل عن طفولته ونشأته،
ولا أخفيكم سرا أنني بكيت…
بكيت على الإنسان الذي قتلوه في داخله قبل أن يعلموه كيف يقتل!
أقنعوه بقداسة الإنتماء كي يجردوه من ذاته المقدسة!
هذا هو حال القطيع، أي قطيع بشكل أو بآخر…
الكل مقتول، والكل مؤهل لأن يكون قاتلا لو سنحت الظروف!
……
لو بحثنا عن الأسباب النفسية الكامنة وراء أي حرب في التاريخ،
لوجدنا أنها انفجار لشحنات كانت محتقنة في دواخل
بشر لم يكونوا أنفسهم خلال الحياة….
انفجرت في محاولة لا سترداد ذواتهم المفقودة!
يقول الفيلسوف الإنكليزي
William Hazlitt
Those who are at war with other are not at peace with themselves
(هؤلاء الذين هم في حرب ضد الآخرين ليسوا في سلام مع أنفسهم)
وأنا أقول:
لا يمكن أن تكون في سلام مع نفسك إلا إذا كنت ذاتك،
ومشيت في طريق لم يسلكه أحد قبلك….

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.