دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 34)


تتحكم بطبيعتنا البشرية نوازع كثيرة.
أنا اليوم بصدد الحديث عن نزعتين استغلت الأديان إحداهما على حساب الأخرى.
فسببت بذلك خرابا في العالم، وعبر التاريخ البشري،
خرابا يفوق بكثير ما استطاعت أن تصلحه، هذا إذا أصلحت شيئا!
لكي نعيش حياة مقبولة ماديا وروحانيا يجب أن نشبع تلك النزعتين
بطريقة تضمن نوعا من التوازن…
الإنسان يميل بطبعه إلى أن يتفرد ويتميز،
ويميل أيضا إلى أن ينتمي…
يخاف من وحشة التفرد والوحدانية فينزع لأن ينتمي،
ويخاف من ألم الإنصهار فينزع لأن يتميز!
لكي تتوازن عليك أن تتميز بلا انسلاخ، وعليك أن تنتمي بلا انصهار!
نأتي إلى الكون، كل يحمل معه فرديته، ومالم يمارس تلك الفردية
لن يحس يوما بقيمته.
فلو شعرت أنك نسخة فتوكوبية عن الملايين من حولك، كيف ستشعر
بقيمتك وبتلك الفردية…
كيف ستشعر أنك تحتل في هذا العالم مكانا لا يستطيع غيرك أن يشغله،
وجئت لتقوم بمهمة، وحدك من يستطيع أن يقيم بها.
التفرد لا يعني أن تكون مغرورا ومتعاليا، بل يعني باختصار، أن تكون نفسك!
أحد وأهم اسباب الكآبة الحادة، هو إحساس المريض بأنه لا حاجة لوجوده،
وطبعا هو إحساس متجذر في الطفولة، كرسته تربية فشلت في أن
تزرع لدى المريض إحساسا بقيمة نفسه!
……


الدين، أي دين، حاول وبشتى الوسائل والاآآآآآت (لا تفعل هذا ولا تفعل ذاك)،
أن يقتل تلك النزعة ويحشر الكل في قميص واحد.
لم يفعل ذلك من منطلق حرصه على “شريعة” الله التي زعم أنه يملكها،
بل فعلها من منطلق رغبته في التحكم والسيطرة!
الدين أقوى وسيلة للسيطرة في تاريخ العالم، لأنه زعم أنه توصل لله، وعرفه
ويريدك أن تتعرف عليه من خلال ما يقدمه!
زعم أنه جاء كأجوبة لأسئلة حيّرت الإنسان من وجوده:
لماذا أنا هنا؟
فمعرفة الغاية من وجوده ـ على ما يبدو ـ حاجة غريزية!
يؤكد فرويد على تلك الحقيقة بقوله:
Religion is an illusion and it derives its strength from its readiness to fit in with our instinctual wishful impulses
(الدين وهم، استمد قوته من جاهزيته ليتماشى مع ماننشده غريزيا!)
………………………..
يسألني قارئ أن أعرّف له الله…
لم أشعر يوما بعجزي أكثر مما شعرت عندما حاولت أن أُجيب على هذا السؤال.
وهل يعرّف الجزء الكل؟
خصوصا عندما يكون هذا الكل كبيرا إلى حد
لا تستطيع حواسنا الخمس أن تدركه!
هنا فشلت الأديان فشلا ذريعا…
فشلت لمليون سبب، ولكن أحد أهم الأسباب هو زعمها
بأنها عرّفت الله…
هي لم تعرّفه بل قزمته….
عندما تحاول أن تعرّف شيئا عاجزا عن ادراكه، أنت تساهم في تقزيمه..
هي لم تعرّفه بل سردنته، أي علبته كما نعلب سمك السردين…
هي لم تعرفه بل حددته كما حددنا جدول الضرب…
فأفقدته بذلك لغزيته، والكثير من جماله…
…..
كما فشل المتدين في تعريفه لله، كذلك فشل الملحد في إنكاره…
كل منهما اعتمد نفس الطريقة في إثبات صحة رأيه!
المؤمن: من خلقك؟ ألم يخلقك ربٌّ؟
الملحد: ومن خلق ربك؟
المؤمن: خُلق من عدم!
الملحد: وأنا خُلقت من عدم!
إذا كان وجودنا دليلا على وجود الخالق،
أليس من حق الملحد أن يسأل: ومن أوجد هذا الخالق؟
بالمقابل إذا كان الملحد يؤمن بأنه خُلق من عدم،
أليس من حق المؤمن أن يسأل: طالما خُلقت
من العدم، ما الذي يمنع أن يكون الله قد جاء من العدم؟
باختصار: لقد فشل المؤمن في أن يأتي ببرهان على وجود الله،
وفشل الملحد في أن يأتي ببرهان على عدم وجوده،
فتساويا!
الأمر الذي أجبرني على أن أرى في كليهما إنكارا للغز لا تدركه
حواسنا الخمس، ولا تستطيع ملكاتنا العقلية أن تستوعبه،
لأنه ـ باختصار ـ أكبر من قدرتنا على استيعابه…
نعم هناك حلقة مفقودة في فهمنا لتلك القدرة الكونية الكلية،
وستظل مفقودة!
من خلال خبرتي الطويلة في الحياة أيقنتُ أن لكل انسان، بغض النظر عن دينه،
طريقته في تخيّل ورؤية تلك الحلقة،
وخصوصا عندما تُترك له حريته!
………
حاول الدين أن يقدم لنا رؤية معلّبة، زعم أنها الحقيقة المطلقة…
وحاول أن يحصر كل أتباعه في قميص واحد، غير مراعٍ الطبيعة البشرية،
التي تنزع للهروب خارج العلب، والإستقلال بتميزها وفرديّتها.
الإحصائيات الأخيرة تدل على أن هناك 52 ألف طائفة مسيحية في أمريكا.
وأنا على ثقة أن كل عشرة أشخاص طائفة ضمن طائفة، حتى ينتهي
الأمر ليكون كل شخص بحد ذاته طائفة، انصياعا للطبيعة البشرية!
أما الإسلام فحدث بلا حرج!
لقد انقسم انسانه على نفسه مليون طائفة،
وراح بياض عينه ينحر سوادها، كما شاهدناـ ومازلنا نشهد ـ
على أرض الواقع!
كل هذه الكوارث والإنقسامات ناجمة عن محاولة الدين لقتل
الطبيعة البشرية التي تنزع للتميّز والتفرد، حتى في طريقة
فهمها للكون وألغازه.
لو اتبع كل إنسان طريقه الخاص في فهمه لتلك الألغاز،
لكان كل منا المسيح…
وبابلو نيرودا،
والرومي،
وطاغور،
وغاندي،
ومارك توين،
ورالف والدو اميرسون
وويين داير….
لأننا واياهم روافد لنفس المنبع،
ولكل رافد دفقه….
ليس هذا وحسب، بل لكان العالم أفضل بمليون مرّة
مما هو عليه!
……….
يُخطئ من يظن أن الدين ايمان بالله، ليس إلا!
الدين هو عملية رضوخ واستسلام كامل لأجندة ليس لواضعيها علاقة بالله!
الدين هو حشر الناس في جبة واحدة، وتجريم كل من يحاول
الخروج من تلك الجبة!
كل شيء يصهرك كليا في بوتقة واحدة، هو شيء ضد طبيعتك البشرية،
وضد هويتك الإنسانية.
بل هو عملية تشويه لبصمات أصابعك، كي تفقد كل ما يميزك!
المعبد وسيلة استعباد..
رجل الدين وسيلة استعباد…
الكتب المقدسة وسيلة استعباد…
والعقل المستعبد لا يبدع، ولا ينتج، ولا يعرف
متعة الحياة خارج أسوار العبودية!
لا يمكن تأطير الله في كتاب…
لا يمكن سردنة الله داخل معبد…
لا يمكن حصر الله ضمن حدود ما يعرفه رجل دين…
الله هو اللانهاية….
واللانهاية لا تؤطر ولا تسردن ولا يمكن حصرها!
………
أختم هذا الفصل بأجمل تعريف قرأته في حياتي لله،
جاء على لسان الفيلسوف الفرنسي،
Alfred Jarry
God is the tangential point between zero and infinity
(الله هو النقطة التي تصل الصفر باللا نهاية….)
ويزعمون أنهم عرفوه وألفوه كتبا مقدسة!!!!!
ألا خاب ما يزعمون….
*****************************
أعزائي القرّاء: تحدثت عن النزعة للتفرد، وسأتابع الحديث عن النزعة
الأخرى المغايرة الا وهي “النزعة القطيعية”، وكيف استغلتها الأديان.
فتابعوني لتكتمل الفكرة…
مع أحلى أمنياتي وجزيل شكري

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.