دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 33)

أقول شيئا فينط مؤمن ليخبطني بآية تقول كذا وكذا،
محاولا أن يثبت لي “ألوهية” كتابه من خلال تفنيد
ما أقوله.
بعض تلك الآيات جميل ويعكس حقيقة جميلة…
ولكن جمال آية لا يكفي ليبرهن على قدسيّة آية أخرى…
جمال آية لا يكفي ليغطي قبح آيات أخرى….
آيات لا يمكن أن أقبلها، لا عقليّا ولا روحانيا،
تحت أية ذريعة!
أي خلل ـ مهما كان صغيرا ـ في أي كتاب ديني لا شكّ أنه ينفي ألوهيته،
فمابالك وأنت تبحث في هذه الكتب عن شيء جميل،
وكأنك تبحث عن ابرة في كومة من القش!
ليس هذا وحسب، بل عندما نشير إلى آية قبيحة ينط المؤمن ليبرهن
أننا لم نفهم الآية،
وكأنه سيبويه اللغة وانشتاين الفهم، ونحن حمير لا نفهم!
…..
الكل يعرف موقفي من الإسلام، الذي أرفضه جملة وتفصيلا،
لكن لطالما أحببت الآية التي تقول:
“أما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر،
وأما بنعمة ربك فحدث”!
هل جمال هذه الآية يكفي ليبرهن لي على قدسية آيات أخرى
غير مقبولة اطلاقا، لا انسانيا ولا أخلاقيا ولا لغويا،
ناهيك عن أن الله ترك
شؤون كونه، واندس
بين فخذيّ محمد، ليقيس بالمسطرة مقدار شهوته
حيال زينب،
ثم يقدمها له على طبق من ذهب، غير مراعٍ قرارها ولا حرمة زواجها؟؟
“ولما قضى زيد منها وطرا زوجناكها”
كفردة حذاء يخلعها من قدم رجل، ليدخلها في قدم رجل آخر.
……


لقد أحببتُ المسيح كمعلم مستنير، مرّ على الأرض كالطيف،
وترك أقوالا ُتبهرنا جميعا،
تُبهرنا بعظمتها وجمالها وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
تلك الأقوال التي ساهمت في ترسيخ قيم وبناء حضارات،
والتي أجد نفسي ملتزمة بها أكثر من الملايين الذين يموتون
دفاعا عن ألوهيته وولادته بلا دنس.
كذلك، الذين يؤمنون أنه جاء
ليحمل آثامهم، غير عابئين بما يكشفه “رادارهم” الرباني
من نوايا سيئة ونزعة إلى الشرور!
لكن هل تكفي عظمة هذه الأقوال لتبرهن لي على “ألوهية”
الولادة بلا دنس،
و “منطقية” أننا ورثنا الخطيئة، و “صحّة” أنه جاء ليحمل آثامنا؟؟
ناهيك عن حتوتة آدم وحواء، و “بابور” نوح،
(السلام لروح ستي أم علي كانت تسمي الباخرة بابورا)،
ومحنة يونس الذي
ابتلعه الحوت ومن ثم قذفه سليما سالما،
ووحشية السكين التي حزّها ابراهيم على رقبة ابنه،
لا فرق إن كان اسماعيلا أو اسحاقا،
والتي من يومها والجريمة مبررة بفرمان
من “الله”!!!
(كنت قد تناولت في فصل سابق أن الفكرة التي تؤكد على
ـ أن الله يحمل آثامنا ـ تساهم في تكريس الشر، ولن أعود اليها)
………
المسيح ولد بلا دنس، لأن الروح القدس قد حلّت بمريم، ولم تحبل
عن طريق علاقة جنسية، كتلك التي نأتي خلالها كبشر إلى الأرض،
الأمر الذي يؤكد أننا نأتي كنتيجة لفعلٍ دنسٍ!
لقد أبدع الله في تصميم المهبل والقضيب، وأبدع مسبقا في إيجاد
الغاية من تصميمهما،
ثم قال لنا “أنتم ورثة الخطيئة” وموتا تموتون، وأوحى لنا بأننا جئنا
من خلال فعل مسرف في دنسه؟؟!
لو كانت كل أفعالنا بمستوى ذلك “الدنس” من حيث
جماليته ونبل هدفه،
لما ارتكبنا يوما دنسا!
نحن لسنا ورثة الخطيئة.
نحن جئنا إلى الحياة في أنقى صورنا ومنزّهين من كل خطيئة ودنس،
نحن جئنا إلى الحياة كثمرة لأجمل وأقدس عملية حيوية ـ بيولوجية ـ
كونيّة أجاد الكون تصميمها.
نحن جئنا إلى الحياة بناءا على قرار كوني “رباني”
تجلت فيه عظمة القدرة الكلية الكونية ـ أو سمها ماشئت ـ
ولم نأتِ كعقاب لخطئية ارتكبها رجل وامرأة، تمّ تشكليل
جهازهما التناسلي مسبقا
وبغية القيام بتلك المهمة المقدسة!
لا يمكن أن ترتقي لحظة في زمنية الكون، لا يمكن أن
ترتقي إلى سموّ اللحظة التي تتحد
فيها النطفة مع البويضة، لتنجب الإنسان
الذي هو البرهان الأكبر على عبقرية “المصمم”،
حتى لو كان العدم هو ذلك المصمم!
…..
تتحدث البوذية عن “النرفانا”،
وهي أعلى مرحلة تستطيع الروح أن تسمو إليها لتتوحد
مع ذلك المصمم..
أما أنا فاؤمن بأن التوحد بين البويضة والنطفة هو
أجمل وأجلّ أشكال النيرفانا…
وهو انعكاس حقيقي لتوحد الروح مع مصممها!
….
دعوني أشرح لكم حدثا علميّا بالمطلق وجميلا بالمطلق.
عندما تتحد النطفة مع البويضة تعطي ما نطلق عليه
في لغة العلم “البويضة الملحقة”.
خلال زمن قصير بعد التلقيح، تتحول الكرة التي تشكل تلك البويضة
إلى شكل شبه مفلطح، يخرج من أحد قطبيه الرأس،
بينما تخرج الأطراف من القطب الآخر.
قام طبيب وعالم أمريكي بأخذ بعض الخلايا من القطب
الذي يخرج منه الرأس،
ونقلها إلى القطب الذي تخرج منه الأطراف،
فعادت خلال ساعات إلى مكانها في قطبها الأصلي.
بغض النظر عن لغزية تلك العودة، ومن أمر بها،
ومن أين أتت الجذوة التي كانت وقودا
لتشغيل محرك العودة،
بعض النظر عن هذا وذاك، لا يساعدني هذا التصميم الخارق في دقته،
لا يساعدني على أن أقبل
خرافة تزعم أننا جئنا إلى الحياة كورثة للخطئية وكثمرة لدنس،
وقد ولد المسيح بلا دنس
ليغفر لنا تلك الخطئية!
اعتراضي ليس لأنه ولد بلا دنس وبلا خطئية،
فالكل حرّ بما يؤمن، ولا أقف عند أية فكرة، طالما لا تؤذي.
وليس لديّ مشكلة في أن تؤمن بأن الله قد تجسد في المسيح،
فالله يتجسد في كل شيء جميل…
لكن حتما مشكلتي كبيرة مع الفكرة التي تتهم عملية الخلق،
كأجمل وأقدس عملية بيولوجية، بأنها دنس،
وتنجب إنسانا موصوما بالخطيئة!
كان الله قد جهّز آدم وحواء
لممارسة ذلك الفعل قبل وقوع الخطئية، هذا إذا قبلنا بخرافة آدم
وحواء مؤقتا، ولتخدمنا
في سياق دحض تلك الفكرة.
ثم، وقبل أن نولد وقبل أن نرتكب إثما،
قال لنا أنتم ورثة هذه الخطيئة، وهددنا: موتا
تموتون؟
يالها من عدالة!!!
من يومها والإنسان ينتقم من أخيه الإنسان بسبب خطيئة ارتكبها
غيره!
من يومها والإنسان ينظر إلى عملية الجنس بقرف وازدراء،
ويحمل المرأة مسؤولية فشل الرجل في تهذيب وضبط غرائزه،
وكبح شهواته،
باعتبارها ارتكبت الخطيئة أولا، ثمّ أغوت الرجل (المسكين) لارتكابها.
إنها خرافة لم تقدم للبشرية إلاّ سلبيات قبحها!
…..
كثير من المفاهيم الخاطئة التي قدمتها الأديان، والتي قد تبدو
للوهلة الأولى بريئة،
تراكمت آثارها السلبية خلسة عبر العصور، إلى حدٍ
لم نعد نعرف عنده مصدر تلك السلبيات.
النظرة العامة للعملية الجنسية، والتي تكاد تحكم كل المجتمعات،
هي نظرة فيها الكثير من الإزدراء والقرف،
بينما هي في حقيقة الأمر أطهر وأقدس فعل يمارسه الإنسان في حياته….
لإنه ـ باختصار ـ فعل الحب والحياة!!!
……….
ثم ماذا عن عقوبة عصيان الله؟؟
عندما عصت حواء أمر الله، قال لها: بالوجع تحبلين وتلدين؟
هل نفهم من هذا أن المرأة التي لا تحبل ولا تلد تفر من عقوبة الله؟
وقال للرجل: بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك!
ماذا عن اللصوص الذين يسرقون تعب غيرهم، والذين
لهفوا الدجاجة وبيضها ومصعها بدون أن يصرفوا قطرة
عرق واحدة؟
ثمّ ماذا عن الذين يولدون وفي فمهم ملعقة ذهب؟
الذين يعيشون حياتهم كلها لا يعرفون معنى التعب في سبيل اللقمة؟
هل فرّ هؤلاء من عقوبة الله؟
أين العدل عندما لا تطبق العدالة على الجميع بالتساوي؟؟
أي مفهوم يتعارض مع عظمة الخالق وإبداعاته، ينفي بما لا يدك مجالا
للشك ألوهية الكتاب الذي ورد فيه،
مهما تجلى الجمال في مفاهيم وآيات أخرى!
…………
لذلك، لم يحاول مؤمن أن يقنعني بألوهية كتابه، وبصلاحيته لكل
زمان ومكان، إلاّ واعتبرت محاولته استهتارا بقدراتي،
قدراتي العقلية والروحانية….
ولأنني كونيّة بالمطلق، أتقبّل بعطف طريقة استهتاره،
واستوعب عجزه، وأسامحه على خطاياه….

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.