دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 31)

كل شيء يميّزك على حساب غيرك يأكل من ذاتك….
الدين قد يفصلك عن أبناء حيك، عن أبناء مدينتك، عن أبناء عرقك…
عن أبناء وطنك….أو حتى عن أفراد عائلتك، ناهيك عن أنه يسخلك بالكامل عن كونك…لذلك، هو أقوى العوامل التي تحدد “أناك”، وبالتالي
هو أقوى العوامل التي تساهم في تقزيمك!
….
أبّان الحرب السورية كل حدث كان ـ ولم يزل ـ ينهش جزءا من قلبي….
لكن الحدث الذي نال جلّ انتباهي، كان الحصار
الذي ضربه الإسلاميون السنة على قرتين في شمال حلب، نبّل والزهراء اللتين يتألف نسيجهما السكاني من الشيعة بالمطلق!
حصار دام أكثر من عامين ذاق أهل القريتين فيه الماء
سما زعافا….
خلال الأخبار التي كنت أصغي إليها بخصوص ذلك الحصار، كانت ذكرى عشتها عام ١٩٨١ تطفو على السطح، وتحبسني رهينتها!
في ذلك العام زرت مع زوجي قرية الزهراء، كان له فيها
صديق متزوج من إحدى قريباته، وكان قد دعانا مرارا
وتكرارا لزيارته.

مكثنا في القرية اسبوعا كاملا، كل يوم في بيت…
لفت نظري أمر في غاية الغرابة.
كان الناس يتوضؤون في الخارج، وعندما يمسحون
أطرافهم كانوا يرددون مرات كثيرة:
الله يلعن الأول والثاني والثالث…
الله يلعن الأول والثاني والثالث…
وهكذا دواليك!
أذهلني هذا اللعن وسألت عن سرّه مستفسرة، فقال لي
أحد كبار السن من الحاضرين، وهو يضحك: يا بنيتي، الأول والثاني
والثالث هم أعداء الله أبو بكر وعمر وعثمان.
قلت له ـ رغم يفاعة سني في ذلك الوقت ـ: ولكن تبدأ نهارك
وتنهيه باللعن؟؟؟
ثم تابعت:
من حقك أن لا تحبهم، ولكن ليس من حقك أن تكره وتلعن، ناهيك
على أن يقتصر وضوؤك على اللعن!
ضحك الحاضرون مستهزأين من بلاهتي، وغمزني زوجي
على أن أصمت خوفا من أن يخرطني أحدهم سكينا!
……………………………..


خلال الحصار كنت أرى الطاقة السلبيّة التي تراكمت قرونا
من جرّاء ذلك اللعن، هي من تحاصر هؤلاء البشر، وليس
الإسلاميون السنة فقط!
فاللعنة لا تجلب لأصحابها إلا نفس طاقتها….

أليس الأفضل أن يطهّر الإنسان روحه من أن يمسح أطرافه!
…….
يحضرني الآن كيف أن الموالين والمعارضين من السوريين
يتغزلون بدمشق…
اتفقوا جميهم على شيء واحد…
شيء واحد…
ألا وهو أن دمشق مدينة الياسمين!

في حوار لي مع صديق علوي موالٍ، كان قد نشر بوستا، يسمي
فيه دمشق مدينة الياسمين، وزوجة الأسد ملكة الياسمين، علقت محتجة: للياسمين طاقة تضج بالخير والسلام والأمان، ولو كانت دمشق يوما مدينة الياسمين
وسيدتها “الأولى” ملكة الياسمين لما انتهينا كما انتهينا، الطاقة الإيجابية لا يمكن أن تفرز طاقة سلبية!

(بالمناسبة: الفيلسوف الكندي
Eckhart Tolle
يعتبر الإزهار نيرفانا النبات، اي أعلى
مرحلة روحانية يصل إليها)
وتابعتُ:
لم أر يوما في دمشق إلا المآذن التي تبث الكراهية، وأقبية المخابرات
التي تكرس مزيدا من الكراهية!
لم يترك “صديقي” العلوي كلمة بذيئة في القاموس إلا وشتمني بها، ألطفها يا صهيونية يا عميلة ياخائنة، ثم طرقني حظرا الكترونيا حجب عني كراهيته وطاقتها، كي أنعم بياسمين حديقتي وطاقته!

أشكر الله أنني كنت بعيدة عنه مسافة القطب للقطب، وإلا لصرت في أحد أقبية دمشق، وفي عداد المفقودين!
……………
قارئ سني ترك تعليقا على صفحتي، جاء فيه:
أنت انسانة حاقدة، تسعين لتشويه الإسلام، وتحديدا
الإسلام السني!
يؤهلني هذا التعليق لو كان صحيحا، لأن أدخل كتاب غينيس للأرقام القياسية!
من يستطيع أن يشوه الإسلام السني أكثر مما هو مشوه؟!!!
مستحيل!!!

تخرج الأزهرية سعاد الصالح، وغيرها من الأزهرين، لتثبت
لنا، وبالدليل القاطع من كتب السيرة المحمدية، أنه يجوز للرجل السني
أن ينكح البهيمة، وابنته بالزنى، وأمه شرط أن يلف قضيبه بقطعة
قماش، وأم زوجته عندما لا تكون زوجته جاهزة لسبب أو لآخر، وكذلك الزوجة الميتة، وأن يفاخذ الرضيعة، وأن يعير فرج زوجته
لغيره في حال سفره، وقس على ذلك من قضايا تعافها البهائم!
ولا نرى رجلا سنيا واحدا، واحدا، يخرج على الملأ ليقول
هذه المرأة تشوه الإسلام السني!
أعترف بعجزي وفشلي أمام تفوق (الدكتورة) سعاد الصالح!!!
………………….
التقيت مرّة مع شخص ايزيدي، قال لي:
نحن نعيش عنصرية لم يعشها أحد في التاريخ، نحن أكراد عراقيين منبوذين من قبل العرب العراقيين، ونحن ايزيدين أكراد منبوذين من قبل الأكراد المسلمين، وتابع: نحن أقلية مضطهدة ضمن أقلية مضطهدة…

حدث لقاؤنا هذا في مؤتمر في سويسرا عام ٢٠٠٩، ومنذ ذلك الحين
كنت ـ ولم أزل ـ أتعاطف مع تلك الأقلية من كل قلبي.

لكن، منذ فترة قصيرة قرأت على صفحة أحد الأصدقاء الإيزيدين قرارا، اتخذه المجلس الأعلى للديانة الايزيدية، اتخذه بعد صرعات ونقاشات طويلة
وأخذ ورد استمر شهورا، يسمح من خلاله للسيدات الايزيدات اللواتي تعرضن
للاغتصاب من قبل رجال مسلمين، وحملن كنتيجة لذلك الاغتصاب، يسمح
لهن بتربية أطفالهن، بشرط أن لا يتم تعليم هؤلاء الأطفال دين أمهاتهم، وعندما يبلغون الثامنة عشر من العمر أن يطردوا من الطائفة الايزيدية
ويعودا إلى أهلهم المسلمين…
صعقني القرار!
أولا، من يملك الحق أن يسمح أو لا يسمح لأم بأن تربي فلذة كبدها؟؟؟
متى كانت الأمومة قرارا يُتخذ خلف الأبواب الموصودة، وبعد أخذ ورد؟؟؟

هل جرّبتَ مرّة أن تنزع صغار القطة منها، كي ترى الله في مخالبها؟؟؟

ثم، كيف سيكون حال هذا الطفل الذي يتربى كالغنمة السوداء
في قطيع أبيض، يعيّرها بسوادها على مدار الساعة، ثم يطردها خارجه
بعد أن يستنزف كل قواها العقلية والنفسية والروحانية؟؟
ظنّوا أنهم تكرموا على الطفل، دون أن يدروا أنهم سيساهمون في دماره
على كل صعيد!
ألم أقل لكم أن الدين، أي دين، قادر أن يهبط بالإنسان إلى الحضيض،
ويهبط بالإله إلى مستواه؟؟

طبعا، مازلت أحترم حق الإنسان في أن يعبد ما يشاء، لكنني سأقف بالمرصاد
ضد امتلاكه لحقٍ يسمح له أن يميّز نفسه عن غيره بناءا على ما يعبده!
…………
التقيت بقسيس عربي (لا أعرف لأي طائفة مسيحية ينتمي)، قال في سياق حديثه:
لقد عرفت الحق في عمر متأخر، كان ذلك منذ حوالي عشرة سنين!
(لاحظوا كل إنسان متدين يظن أنه وحده دون غيره يعرف الحق)

قلت بنبرة فيها مسحة من السخرية: لم تكن تعرف الحق من قبل؟
فقال: طبعا لا، كنت متوهما أنني أعرفه!
للوهلة الأولى ظننت أنه من خلفية اسلامية، فسألته: كنتَ مسلما؟
فرد: بل أسوأ، لقد كنت كاثولكيا!

الأمر الذي أجبرني أن أغوص عميقا وأسبر اغوار هذا الرجل
بهدوء وبعيدا عن التهكم، فوجدته هيكلا عظميّا مفرغا من كل أثر لروح….
…….
أمّا الإنسان الذي يرتقي فوق اعتبارات “الأنا”
(والدين طبعا أقوى وأسوأ تلك الاعتبارات)، فسيتقمص ذاته الكونية العليا، وسيشعر عندها بأن كل
إنسان آخر هو ذاتٌ كونية!

هذا الإرتقاء الروحاني يسمو بك إلى الحق، ولا يسمح لك أن تحتكره!
هذا الإرتقاء الروحاني يُريك كل مخلوق…
كل مخلوق…. جزءا من الحق.
فتقتنع عندها أنك كنت وحدك
خارج كونيّة ذلك الحق،
كنت مسلوخا عنه حتى تاريخ اللحظة التي ارتقيت بها إليه!
…….
طوبى لمن قال: إذا النفوس ارتقت التقت!
وأحب أن أضيف: وإذا كرهتْ هَوَت….

أيها الكارهون….
أيها الناكحون…
أيها المنسلوخون عن كونكم ارتقوا…
ارتقوا…
ارتقوا…
فلقد غصّ القاع!
***************************************
أعزائي القراء: آسفة جدا للإطالة. لا تكتمل الفكرة إلا بها.
أرجو متابعتي كي تكتمل فكرة الله والدين..
خالص محبتي لكم وشكري لتفاعلكم

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

1 Response to دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 31)

  1. س . السندي says:

    ١: يقول أفلاطون { اذا القلوب يوما لامسها الحب ، صار أصحابها شعراء} وأنا أقول { عرفت الله وسمت وارتقت} ؟

    ٢: عجبي من أمة الشعراء كيف مات الضمير فيها والحب اندثر ، منذ أن امتطاءها فكر الشياطين ؟

    ٢: تقولين { أليس الأفضل أن يطهر الانسان روحه بدل أن يمسح أطرافه} ؟
    طيب ، كيف يطهر روحه وقد تمكنت منها عشرات أرواح الشياطين ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.