دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 30)


لم تستطع قبة في معبد أن تحلق بي أعلى من أعلى نقطة في سقفها..

بالمقابل ماتأملت مليّا في جنح فراشة، أو في برعم غض يتفتق
مقاوما أشعة الشمس الحارقة،
إلا وصار الكون بامتداده اللامتناهي ساحة بصري، بل صرت أنا الكون…

تسحرني تلك البصمات الخفيّة، والتي هي نفسها…
يطبعها الكون في كل شيء…
تسحرني كما سحرت يوما الفيلسوف الأمريكي
Ralph Waldo Emerson
والذي في أحد كتبه المقدسة، ورد حوارا دار بين الجبل والسنجاب.

استحوذني ذلك الحوار أكثر مما
استحوذتني كل الكتب التي نسميها تجاوزا “سماوية”…

قال السنجاب في مواجهة الجبل:
If I cannot carry forests on my back,
Neither can you crack a nut
(صحيح أنني لا أستطيع أن أحمل الغابات على ظهري،
وكذلك أنت لا تستطيع أن تكسر حبة البندق!)

فالجبل الذي لا يستطيع أن يكسر حبة البندق، ليس أقوى من السنجاب…
أشعر بضعفي أمام أي إبداع آخر لا أُجيده…
وأشعر بقوتي عندما يقف مبدع آخر مبهورا بابداعاتي….
ثم أضحك على نفسي ومن نفسي، لأنني أنا وهو موصولان بنفس المنبع،
وكلانا وجهان لحقيقة واحدة….

أذكر في طفولتي كنت أقف مبهورة وأنا أراقب ستي أم علي وهي تكوّر أقراص الكبيبات،
كانت أصابعها أكثر مرونة من أصابع بيتهوفن…
مرت قرابة نصف قرن على ذلك المشهد، ولم أزل أحاول بكل جهدي، أن
أقرّص الكبة بمهارة أم علي، حتى يأست من المحاولة…

فقبلت عجزي كما أعتز بقدرتي!

لا تستهتر بقدرة أم علي على التقريص، وهل من حق الجبل أن يستهتر
بقدرة السنجاب على كسر حبة البندق؟؟
أم علي وبقدرتها استطاعت أن تطعم أفواها جائعة، فأدت الغاية من وجودها…
…….
أكثر ما يخفف من ضغوط يومي هو أن اراقب فرقا للدبكة…
إلى درجة بت أميّز كل شعب من خلال نمط الدبكة التي يمارسها…
أغرق في حركات المبدعين وتسحرني أكثر كلما ازدادت انسجاما مع ايقاعات النغم.

حاولت مليون مرة في خلوتي وعلى حلبة الرقص، وداخل صفوف للتعليم،
حاولت أن أحرك قدما واحدة،
مرة واحدة وفقا لنغمة واحدة، فلم استطع!
كنت ابدو كحجلة تميل بثقل على الطرفين، حتى يأست واقتنعت:
لو أجدت الدبكة لما أجدت الكتابة….
ولو استطاع السنجاب أن يحمل الغابة على ظهره، لما تمكن من كسر حبة البندق!

تسحرني المواهب والإبداعات أيا كان نوعها، لأنها بصمات الإله فينا…
ويحزنني أن يعيش إنسان ويموت دون أن يعرف مواهبه….
………
ألم تقف يوما مبهورا أمام برعم صغير غض
يتفتح غصبا عن أشعة الشمس الحارقة ظهر يوم تموزي،

وتتساءل: ماهي تلك الجذوة من الطاقة التي يملكها ويتحدى بها
طاقة الشمس؟
كيف اكتسبها؟ وأين هو منبعها؟
يبدو لك أنه ـ بشكل أو بآخر ـ ورغم غضاضته أقوى من الشمس…

إذا كانت الشمس تجفف الأنهار، كيف لم تستطع أن تجفف مائه؟

عشرات المرّات راقبت نساءا وهن في حالة الولادة..
ولم أكن أقل انبهارا أمام طاقة الدفع لمخلوق في أضعف صوره،
ومازال مكبلا بقيود لا تسمح له أن يتمدد مساحة ذرة واحدة!
من أوعز له أن يدفع؟
من أين استمد جذوة الدفع؟

كثير من المرات قرأت تخطيط القلب الكهربائي…
يتوقف القلب خلاله كليا عن العمل ثم يعود إليه،
وكل مرحلة تأخذ أجزاءا من الثانية..
أين تختفي تلك الجذوة عندما تغيب، ومن أين تعود،
وبأمر من تغيب وتعود؟
هذا الزخم من الألغاز التي لا تستطيع حواسنا الخمس أن تحصيها،
ناهيك على أن تجد لها أجوبة،
هذا الزخم يريد المؤمن أن يحصره في كتابه “المقدس”
ويقنعني أنه وجد
فيه جوابا لكل لغز؟؟؟؟

أليست محاولته باقناعي حماقة بالمطلق،
أو في أفضل الأحوال استهترارا بذكائي؟؟
………….
هذه الجذوة موجودة في عمق كل منا،
وعندما غصتُ في عمقي وجدت قلمي…
كل جذوة موصولة بالمنبع، ولن أعتدي على حقك في أن تسمي هذا المنبع ماشئت!
الكون…
الله….
يهوه….
المسيح…
بوذا…
كريشنا…
العدم…
لكن من العبث بمكان أن نستعير كتابا “مقدسا”، ناهيك
على أن نعتمد رجل دين
كي يقودنا إلى ذلك المنبع، كما تقاد نعجة إلى مذبحها…
……..
المنبع يصب في داخلك…
هو هدّار وساكن…
صاخب وصامت….
والطريق إليه أسهل من أن تتجرع ماءا، وأصعب من أن تشق صخرا..
سهل لأن البوصلة التي تقودك إليه هي بصيرتك،
وهي أقرب إليك من بياض عينك إلى سوادها…
وصعب لأنك
ملزم بأن تزيل الغشاوة عن عين البصيرة كي تستطيع أن تقرأ مؤشراتها!

لقد ألقت الأديان بشوائبها فوق بصيرتك، فحجبت عنها رؤية الحقيقة،
ألا وهي: لا فرق بين الجبل والسنجاب….
ولا فرق بين أصابع أم علي وهي تقرص الكبة، وبين قدميّ مايكل جانسون
وهي تهتز على الأرض كجناحي طائر الهومينغ….
لا فرق بين اختياري للكلمات وبين اختيار جارتنا أم كاسر للألوان وهي
تحيك طبق القش…
لا فرق بين برعم يتفتق وجنين يدفع ليرى النور..

كل منّا يملك جزءا من دفق ذلك المنبع،
وهذا الجزء هو جوهرك، وهو السبيل إلى كونيتك!

مع الزمن تحولت شوائب الأديان إلى صدأ معتق راح يتراكم ويحجب ذلك الجوهر،
ويمنع أشعته من أن تسطع، لتساهم في إنارة الحياة اسوة بكل المبدعين
الذين تواصلوا مع جوهرهم….

لا أحد فينا جاء إلى الحياة إلاّ ويحمل كتابه المقدس تحت ابطه…
لكل منا كتابه، كما لكل منا بصماته….
عندما تحاول أن تفرض ماتظنه كتابك على غيرك تعرقل دورة الحياة….
منذ أول محاولة من هذا النوع بدأت المساومات،
وبدأ إستغلال الإنسان لأخيه الإنسان،
حتى قتلوا الكثير من الإبداعات..…

لقد أضعتَ كتابك الذي كان مطويا تحت ابطك،
وتحاول الآن أن تفرض ذلك الكتاب المزيف على غيرك، كما
فرضه غيرك عليك!

نعم، تلك المحاولة هي أصل الشرور…
أما أصل الخير فأن يفتح كل منا كتابه الذي خصّه به الله، ويجيد قراءته….

لو لم يفتح السنجاب كتابه، ولو لم يقرأه، لما أبدع في كسر البندق،
ولمات شحّا وجوعا…
أو لا نفجر وهو يحاول أن ينتفخ ليصبح جبلا علّه يتجنب سخرية الجبل!

لو استطاع الجبل أن يقتل بغروره وسخريته اعتزاز السنجاب بهويته الألوهية،
لمات شيء جميل جدا في هذه الحياة…

لطالما شعرت بهذا الشيء الجميل، وأنا أطارد تلك المخلوقات الجميلة بعد
أن نهبت حقلي، وهي تنظر إليّ ساخرة لعدم قدرتي على اللحاق بها…

كل منا يسخر من الآخر، دون أن ندري أننا جميعا وجوهٌ لحقيقة واحدة،
ألا وهي أننا روافدٌ لنفس المنبع!
…….
كذلك أنت، لأنك صدّقت أوهام الكتب المزيفة التي فُرضت عليك،
ورفضتَ أن تفتح كتابك، ساهمت في شحّ هذا العالم
وجوعه،
بل في تطرفه إلى حد الإنفجار!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.