دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 27)

يقول الفيلسوف والشاعر الإيرلندي
Oscar Wilde
We are all in the gutter but some of us are looking at the stars
(جميعنا نقع في المزراب، ولكن بعضنا ينظر إلى النجوم…)
يجسد قوله هذا حقيقة مثبتة في علم النفس، ألا وهي أننا لا نعيش الواقع
على حقيقته، بل كما يراه كل منا!
فلكل إنسان عدسة يرى من خلالها مايريد أن يراه، ويحكم على
الحياة فقط من خلال مايراه.
………
يكتسب الإنسان عدسته تلك من التربية التي أنشأته وساهمت في تشكيل
قناعاته وأفكاره.
والإعلام كوسيلة تربوية يلعب دورا كبيرا!
القاعدة العامة التي تعتمد عليها وسائل الإعلام في كل مكان، تقول:
If it doesn’t bleed it doesn’t lead
مالم تجرح لا تربح!
فالكل يعرف أن نجاح أية وسيلة إعلامية يعتمد على عدد
المشاهدين والمستمعين لها.
والمشاهد بطبعه لا تشد انتباهه إلاّ الأخبار المرعبة والسيئة،
الأمر الذي سوّد الإعلام عموما، والإعلام بدوره سوّد حياتنا.
ينقل لنا هذا الإعلام بشكله السلبي الذي استحوذت عليه الأنباء السيئة،
ينقل لنا نبأ رجل مجرم اغتصب طفلا،
فنستهجن ونصيح: ماهذا الزمن الذي وصلنا إليه؟
هذه الجريمة موجودة في كل مكان وزمان، لكن سرعة انتقال المعلومة
السيئة عبر وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي، وطغيانها على
الإعلام في زمننا هذا، يعطينا انطباعا بأنه زمن سيء وأسود،
ولم يسبق أن عاشته البشرية من قبل!
يصبح هذا الإنطباع مع الزمن العدسة التي نرى من خلالها الواقع
الذي نعيشه!


………………
كثيرا ما أقرأ على صفحات التواصل الإجتماعي عبارات كهذه:
لم يعد هناك انسانية في العالم…
المال شر بالمطلق…
الصداقة معدومة…
لا أحد جدير بالثقة…
اتقِ شر من أحسنت إليه..
أحذر الصديق قبل العدو..
وهي قناعات أفرزتها تجارب، رفض الذين مروا بها
أن يروا جانبها المضيء، وركزوا على جوانبها المظلمة.
فلكل تجربة جانب مضيء بغض النظر عن سوداويتها،
أليس الوقوع في المزراب تجربة سوداوية؟
هل نجى أحد من تجربة كهذه؟
طبعا لا،
لكنّ بعضنا يثبّت
بصره على النجوم وهو يتقلّب في لجّ المزراب!
مع الزمن يرسخ الإعلام بصيغته السوداوية تلك القناعات ويعززها،
فتبالغ في حذرك من الناس وتفقد ثقتك بهم وتزداد عزلتك،
حتى تغدو وكأنك تدور في حلقة مفرغة،
قناعاتك تكرس الواقع، والواقع يعزز تلك القناعات وهكذا دوالييك….
فتختلط الأمور ولم تعد تعي من يخلق الآخر:
القناعات أم الواقع!
…..
عندما أيقنت تلك الحقيقة في مرحلة ما من حياتي،
رحت أتبنى قناعات جديدة، مغايرة تماما للشيفرا التربوية التي برمجتني،
قناعات جديدة تزاحم قناعات قديمة، وتدفشها بعيدا،
لتحتل مكانها في جهازي الفكري والعقائدي.
لقد تبنيت قناعاتي الجديدة عن وعيٍ، وأنا في أعلى مستويات يقظتي،
ولم أعد اسمح لقناعات تفرزها برمجة تربوية أن تتسلل خلسة إلى اللاوعي،
وفي غفلة عن الوعي….
عندها ـ وفي البدء ـ آمنت إلى حد اليقين، بأن الحياة جميلة، وبأن البشر طيبون.
هم طيبون رغم كل الوحوش التي تعيش بيننا،
وعليّ أن أكون جديرة بالصداقة لأفوز بصداقتهم….
ورحت بعدها أتبنى أية قناعة جديدة تتماشى مع هذا الإيمان!
….
اليوم أثق بكل انسان ألتقي به حتى يثبت العكس، وعندما يثبت
العكس لا يعني بالضرورة أن كل إنسان آخر على شاكلته.
فلو صادفت عشرة أشخاص خانوا ثقتي بهم، سيظل
ايماني قويّا بأن هناك آخرين يستحقون تلك الثقة، وسأظل ابحث عنهم
في مشواري عبر الحياة!
بعد ردح من عمري لم أبقَ وحدي في رحلة البحث عن أصدقاء جديرين
بثقتي وصداقتي، بل صار الكون شريكا لي،
بعد أن أدرك بغيتي وتأكد مما أريد.
راح ينتقيهم لي، ويرميهم في طريقي كما يتناثر المطر على الزرع في يوم كانوني….
صارت حياتي، كما هي حياة كل منا، انعكاسا لما أركّز عليه….
صارت سيلا يتدفق أصدقاءا طيبين،
كل منهم كنز يثريني،
وما أكثر كنوزي……!
………….
لا أحب الخوض في تجارب شخصية جدا،
لكنني أرى نفسي ملزمة
أن أتحدث عن تجربة عشتها منذ عدة اسابيع، لأنها تبرهن على صحة
ما ورد.
ليس هذا وحسب، بل صرت اؤمن بأن حياة المفكر تصبح مع الزمن كتابا
مفتوحا لكل قرائه، ومن حقهم أن يطلعوا على بعض من تفاصيلها، وخصوصا
تلك التفاصيل التي تعلم درسا.
روكي رجل أمريكي، تعرفت عليه من خلال صديقة افغانية كنت قد تحدثت
عنها في أحد فصول هذا الكتاب…
هو خمسيني، ناجح مهذب وخلوق.
انتقل منذ حوالي سنة إلى مدينة قريبة من مدينتنا قادما من فلوريدا،
واستأجر مني بيتا املكه في تلك المدينة.
كل أول شهر تسقط أجرة البيت في حسابي البنكي.
……..
مررت مؤخرا بضائقة مالية صعبة جدا، إذ كان عليّ أن أفي
قرضا بقيمة مائة ألف دولار لأحد البنوك، بعد أن أنتهت مدة الفائدة المتفق عليها،
وإلا ستصبح الفائدة عالية جدا، وخارج حدود قدرتي على دفع الأقساط
الشهرية. وضعتني تلك الضائقة تحت ضغوط،
لكنني ـ وكعادتي ـ لا أسمح لأي ضغط
أن يسيطر علي، بل أبقى قابضة على زمامه.
بدت كل الأبواب مغلقة، ولم يعد هناك أي احتمال من أنني سأكون قادرة
على دفعه في الموعد المحدد.
رغم هذا بقيت منفتحة على الكون، يسربلني يقين غامض من أن
يد المساعدة في طريقها إلي.
كيف؟ لا أعرف!
فللكون طرقه….
……….
أحد الأيام جاءتني رسالة عبر الموبايل من فكتوريا صديقتي الأفغانية:
ـ وفاء، وصلت إلى كالفورنيا اليوم، سأتناول طعام الغداء مع روكي غدا،
وسأعود بعد غد إلى فلوريدا.
هل بامكاننا أن نتناول الشاي معك غدا الساعة الخامسة بعد الظهر؟
يا إلهي، غدا الساعة الخامسة عندي موعد مهم، كنت قد أبرمته منذ شهر،
أحب فيكتوريا واتشوق لرؤيتها، ولكن ماذا سأفعل؟ قررت أن أطلعها على الظرف وأعتذر، فهي بلا شك ستتفهم الأمر.
قبل أن أرد على رسالتها بدقائق، رن جرس الهاتف، الشخص
على الطرف الآخر يعتذر ويطالب باعادة جدولة اللقاء، نظرا لظروف
عائلية صعبة.
شعرت بالإرتياح ومرّ كل شيء على خير مايرام…
…….
جلسنا على الشرفة نتناول الشاي وندردش…
أمامنا على الطاولة رمى زوجي كومة كبيرة من الأوراق والظروف
المختومة التي التقطها من علبة البريد، وكان قد طلب مني أن
أتفحصها.
يصل المواطن الأمريكي يوميا عشرات الرسائل بالبريد، بعضها
فواتير وأغلبها دعايات وعروض من بنوك وشركات.
عادة يلتقط زوجي البريد كل يوم ويضعه على طاولة مكتبي،
لكن لسبب ما، ربّما كان مستعجلا، ألقى به في ذلك اليوم على
طاولة الشرفة.
أثناء دردشتنا مدّ روكي يده والتقط ظرفا عليه اسم أحد البنوك،
وقال بطريقة استهزائية:
هذا البنك يتصل بي كل يوم كي أستثمر معه مائة ألف دولار،
ويعرض عليّ فائدة بنسبة 3%!
رديت بطريقة عفوية: أما أنا فسأدفع لك 5%، وخصوصا أنني بأمس الحاجة
إلى هذا المبلغ.
ابتسم روكي وابتسمت فيكتوريا وانتقلت الإبتسامة بالعدوى إلى وجهي،
ثم تابعنا دردشتنا.
…..
صبيحة اليوم التالي تلقيت رسالة من فيكتوريا، وهي في طريقها إلى المطار:
وفاء، روكي قرر أن يضع لك المائة ألف في حسابك اليوم، وسيقتطع الفائدة
بقيمة 500 دولار شهريا من أجرة البيت.
لم أصدق ما قرأته حتى رأيته بأم عينيّ!
من النادر جدا، إن لم يكن من المستحيل أن تتم هكذا أمور في أمريكا.
فأي صفقة تبرمها مع شخص عليك أن توثق الإتفاق من قبل أشخاص
معتمدين قانونيا كشهود،
خصوصا أن علاقتي بروكي حديثة، وتكاد تكون سطحية.
لكن الكون لا يتطلب شهودا ولا يحتاج إلى من يوثّق وعودك،
عندما تصبح كونيّا بالمطلق….
……………….
يقول القاص والمفكر البرازيلي
Paulo Coelho:
When you want something, all the universe conspires in helping you to achieve it
(عندما تريد شيئا، الكون كله سيتآمر ليساعدك في الحصول عليه…)
وأنا أقول:
شرط أن تتقد رغبتك في الحصول عليه، فتشعل النار تحت قدميك.
والشرط الأهم أن تثق بالكون إلى حد اليقين!
……
نعم، المؤامرة لم تعد ـ في هذا السياق ـ مجرد نظرية،
بل هي واقع وحقيقة….
الكون يتآمر عليك ليعطيك ما تفرزه وما تتطلع إليه من خير أو شرّ،
فلقد أعطاني كل ما أفرزته وركّزت عليه،
وحياتي اليوم هي ثمرة ذلك العطاء،
كما هي حياة البشر عموما!
…..
كلنا نتخبط ـ بشكل أو بآخر ـ
نتخبط في اللجّ تحت مزاريب الحياة،
لكن بعضنا يثبّت نظره على النجوم،
ويحفّز بايمانه، وقلبه النقي السليم، ونيته التي لا يشوبها خبث،
يحفّز كل القوى الكونية لترفعه باتجاهها.
فيظل محمولا بحبالها،
ومهتديا بضوءها رغم الظلام المحيط!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.